Get Adobe Flash player

في ظلّ القرار الأميركي – «الإسرائيلي» للعودة إلى مفاوضات الناقورة لترسيم الحدود البحرية بين لبنان وفلسطين التي تحتلها «إسرائيل» يُطرح السؤال عما تغيّر خلال فترة الأشهر الستة التي توقفت خلالها المفاوضات، متبوعاً بسؤال آخر يتضمّن الاستفسار عن الأسس التي سيعود الأطراف إلى المفاوضات بناء عليها؟

 

وللتذكير نقول بأنّ المفاوضات توقفت في 11/11/2020 بقرار أميركي مبني على طلب «إسرائيلي» جاء تعبيراً عن رفض «إسرائيل» البحث – مجرد البحث – بالطرح اللبناني لخط الحدود والمتمثل بالخط 29، نعم رفضت «إسرائيل» البحث والنقاش أو حتى طرح لبنان خطّه هذا على طاولة المفاوضات، وفي المقابل تمسك لبنان بهذا الخط، لأنه توصل إليه قبل الذهاب إلى التفاوض عبر عملية قانونية تقنية علمية تحدّد قواعدها المراجع والمبادئ العالمية المعمول بها في هذا النطاق دولياً، والتي تؤدي إلى النتيجة ذاتها بصرف النظر عن هوية الباحث والمنقب أو المفتش عنها.

بيد أنّ فترة التوقف عن التفاوض شهدت على الصعيد اللبناني و«الإسرائيلي» أموراً لا بدّ من التوقف عندها أهمّها، فشل لبنان الرسمي في تصحيح الخطأ في المرسوم 6433/ 2011 الذي يرسم بموجبه الحدود البحرية، حيث يعتمد موقعاً للحدّ الجنوبي للمنطقة الاقتصادية اللبنانية الخالصة الخط 23، في حين أنّ الوفد اللبناني يطرح الخط 29، وبالإضافة إلى ذلك طرح لبنان في فترة التوقف الاستعانة بخبراء دوليين في الترسيم البحري وأوحى الأميركي تفهّمه للطلب، (لن نتوقف عند مواقف السياسيين التي جاءت بطروحات شتى لا يبنى عليها طالما أنها لم ترتق إلى مصاف الموقف الرسميّ).

أما على الصعيد «الإسرائيلي» فقد حفلت الفترة بالطرح «الإسرائيلي» المناقض للطرح اللبناني للخط 29، وطرحهم إعلامياً الخط 310 الذي يقتطع مساحة 3200 كلم2 شمالي الخط 1 ويجعل المساحة المتنازع عليها بينه وبين الخط 29 تصل إلى 5490 كلم (أكثر من نصف مساحة لبنان).

وعلى الصعيد الأميركي شهدت الفترة تغييراً في الإدارة وممارسة ضغوط على لبنان وصلت إلى حدّ التهديد بوقف المفاوضات نهائياً، وترك المجال لـ «إسرائيل» بالتنقيب واستخراج النفط والغاز من كامل المناطق المتنازع خاصة من حقل «كاريش» الذي سيبدأ العمل فيه اعتباراً من حزيران/ يونيو المقبل من دون الاهتمام بالحق أو الموقف اللبناني.

وفي دراسة شموليّة لأحداث مرحلة التوقف نجد وللأسف، تفككاً في الموقف اللبنانيّ وتبادل اتهامات حول مَن يحمي ومن يفرّط بالحقوق اللبنانية، كما وحول من يخشى التهديد الأميركي والعقوبات الأميركيّة فضلاً عن التهويل بإدارة الظهر لحقوق لبنان بالاستناد إلى القوة العسكرية «الإسرائيلي» والدعم الأميركي لها، بينما نجد على الطرف المقابل تعنتاً وتماسكاً في المواقف رغم أنها غير مبنية على قواعد القانون والاتفاقيات الدولية، ويتظاهر أصحابها بأنهم يستندون إلى القوة العسكرية التي يملكون ولا يعبأون بقوة القانون أو القوة العسكرية الكامنة التي ينبغي أن نتمسك بها وهنا المرارة.

في ظلّ هذا المشهد، يكاد المتابع يظنّ أنّ «إسرائيل» قبلت العودة إلى المفاوضات بعد أن ضمنت نتائج الضغط الذي مورس على لبنان وبأنها ستطرح المقايضة بين خطها الهستيري الجنونيّ غير المبني على أساس مطلقاً والذي أسمته الخط الأحمر الخط 310، وبين الخط اللبناني المسمّى الخط 29 الذي رسم عملاً بالأحكام والقواعد المنصوص عليها في قانون البحار وانطلاقاً من اتفاقه الهدني 1949 التي تؤكد على اتفاقية بوليه نيوكمب 1923 التي ترسم الحدود البرية للبنان مع فلسطين المحتلة. فهل هذا حقيقة أو تصوّر صحيح؟

من غير شك، نرى أنّ الموقف اللبناني قبل توقف المفاوضات كان أشدّ قوّة مما هو عليه اليوم، حيث كانت أميركا تراقب وحدة في الموقف الرسمي اللبناني خلف الوفد المفاوض، وتسليماً من قبل كافة السياسيين بحقوق لبنان التي يطالب بها هذا الوفد وثقة بأداء الوفد وصلابته من دون أن يكون هناك بعد انطلاق المفاوضات صوت يطالب بتعديله وإعادة النظر بطبيعة المفاوضات أو وجود أيّ صوت يبتغي نقل المفاوضات من المسار العسكريّ التقنيّ إلى المصاف السياسي الدبلوماسي، وكان هناك مسعى حثيث لتوحيد الموقف الرسمي وتعديل المرسوم 6433/ 2011 وإبدال الخط 23 بالخط 29 ليكون للبنان خط رسميّ واحد يتمّ التفاوض عليه هو الخط 29.

أما اليوم فكثير من عناصر المشهد تغيّرت سلبياً، ويذهب الوفد وفي خاصرته سكين الامتناع عن تعديل المرسوم وتوحيد الخط ليكون خطاً واحداً هو الخط الرسمي، كما وفي ظهره سكين الدعوة إلى إعادة النظر بتشكيله وإعادة النظر بطبيعة المفاوضات، ومع هذا نجد أن الوفد يواجه الموقف بصلابة وشجاعة وثقة بالنفس منطلقاً من قاعدة يعمل بها في الجيش، وهي «وجوب الثبات على الحقوق والمبادئ مهما كانت الصعوبات والمخاطر».

وعل هذا الأساس نجد أنّ الوفد اللبناني سيعود إلى التفاوض غير المباشر في الناقورة وسيسفّه الظنّ «الإسرائيلي» والأميركي الذاهب بعيداً إلى القول بأنّ ستة أشهر أدّت إلى تفكيك الموقف اللبنانيّ وترويض لبنان وجعلته يتنازل عن خط 29 والعودة إلى مساحة الـ 860 كلم2 وأن يكون البحث محصوراً فيها وسيكون لـ «إسرائيل» منها كما وعدها هوف مساحة تتراوح بين 300 و400 كلم2، فالوفد اللبنانيّ لن يكون كما تحلم «إسرائيل» وهو سيعود إلى طاولة التفاوض بعيداً عن عروض السياسيّين والتزاماتهم وعلى الأسس والقواعد التالية:

1 ـ التفاوض سيبقى في الإطار العسكري التقني غير مباشر ومحصوراً بترسيم الحدود البحرية الذي تتولاه عادة في كلّ العالم لجنة عسكرية للترسيم. ولا شأن للوفد بما طرحه هذا السياسي أو ذاك حول الموضوع، فالموقف الرسمي يعبّر عنه رئيس الجمهورية وواضح هذا الموقف وفي هذا الشأن منذ اليوم الذي شكل فيه التفاوض.

2 ـ التمسك بمرجعيّات الترسيم وهي ما ينص عليه القانون الدولي العام، وفي الحال اللبنانية هي اتفاقية بوليه نيوكمب واتفاقية الهدنة واتفاقية قانون البحار العام 1982.

3 ـ التمسك بحق لبنان في طرح ما يراه حقاً له، ورفضه حصر النقاش بمساحة الـ 860 كلم2، وانفتاحه على مناقشة أي طرح يرد من الطرف المعادي أو الوسيط شرط أن يكون النقاش قائماً على أسس المرجعيات القانونية المتقدمة الذكر.

4 ـ الانفتاح على الاستعانة بخبراء دوليّين في الترسيم البحري، ويعملون بالاستناد إلى المرجعيات الثلاث المذكورة ويقدمون مشورة وآراء قانونية وتقنية من دون أن يرتقي دورهم إلى مصاف التحكيم وإصدار الأحكام القضائية، فالتحكيم أو المحاكمة التي يكون العدو «الإسرائيلي» طرفاً فيها تنطوي على مخاطر ليس لبنان مضطراً لاقتحامها/ فهو ليس بوارد الاعتراف بـ «إسرائيل» أو التطبيع معها، أو الثقة بالتزامها تنفيذ هذه القرارات الدولية وقرارات المحكّمين والقرارات القضائية عندما تكون في غير مصلحتها.

5 ـ وأخيراً ثقة الوفد بقوة لبنان، القوة القانونية، والقوة الميدانية وهي القوة التي يُراد لها أن تبتعد عن مسرح حماية الحق اللبناني وهو أمر لن يكون.

*أستاذ جامعي – خبير استراتيجي.

(البناء)