Get Adobe Flash player

تقع مواجهات القدس الحاليّة على فالق جيوسياسي واستراتيجي وعقائدي يجعلها خط التماس بين الأرض والسماء، وبين التاريخ والمستقبل، وبين الحق والباطل، وبين القوة التي تعتاش على موروثها، والقوة التي تستثمر على جديدها ومفاجآتها، وبين روح مصابة بجراح عميقة وورح متوثبة لا تعرف المستحيل، ففهم الأحداث الجارية وتقدير أبعادها، ورؤية مساراتها المقبلة، تنطلق من فهم وجود جيل فلسطيني عمره من عمر الانتفاضة عام 2000، اختبر كل مشاريع التفاوض، وكل خلافات الفصائل، ومشاريع التطبيع، وشهد انتصار سورية، وتصاعد قوة المقاومة ومحورها، وصمود إيران وتقدّمها، وأدرك أن القدس لا مكان حقيقي لها في أي مشروع تفاوض، بل إن اي عودة للتفاوض ستعني تسليماً فلسطينياً مسبقاً بتهويد القدس، وتهجير أهلها، وهذا الجيل غير المنظم في الفصائل المختلفة يشكل غالبية الشباب الفلسطيني في القدس والضفة الغربية وقطاع غزة والأراضي المحتلة عام 48، ويشترك فلسطينيو القدس والأراضي المحتلة عام 48 بمصير الاستثناء من أي تفاوض أو تسوية، كما يشتركون بتوفير الحماية المنتظمة للمسجد الأقصى منذ سنوات.

اِقرأ المزيد: القدس تفتتح اللحظة التاريخيّة لمواجهة القرن: ناصر قنديل

عاشت المنطقة سنوات الحرب على سورية وهي تنتخب وكانت سورية صندوق الاقتراع الذي وضع فيه الجميع أصواته أموالاً وسلاحاً وفتاوى وتدخلات وحشود المستجلَبين من كل أنحاء الدنيا للقتال في سورية، وصوّت مع سورية بالدم حلفاء مخلصون صادقون، كانوا أقلية، لكنها مع الحق وسورية صارت أكثرية. وكتب النصر لسورية، وليس من باب الصدفة أن يجعل أعداء سورية عنواناً لتصويتهم استهداف الرئيس بشار الأسد والدعوة لرحيله، وأن يحمل محبّو سورية دماءهم وأرواحهم للتصويت مع سورية بنعم للرئيس بشار الأسد. وعندما أدلى الحكام العرب بأصواتهم ضد الرئيس بشار الأسد بكل ما يملكون، لأنه رمز للكرامة العربية وللتمسك بفلسطين والثبات على الحق العربي ومفهوم دولة الاستقلال، كان العرب الأحرار يفعلون العكس للسبب ذاته.

اِقرأ المزيد: القدس تدلي بصوتها في الانتخابات السوريّة: ناصر قنديل

لا ينتبه بعض المحللين للمعاني العميقة التي أفرزتها كلٌّ من الحربين الكبيرتين اللتين هزتا المنطقة، الحرب على سورية والحرب على اليمن، والنتائج المتعاكسة لكل منهما، خصوصاً أن بعض المسؤولين الأوروبيين السابقين الذين شاركوا في مرافقة سنوات من الحربين، يكشفون خلال مداخلاتهم في ورشات عمل تعقدها مراكز لدراسات الأمن والاستراتيجية، عن أن حرب اليمن كانت محاولة لاستنساخ عكسي للحرب على سورية بالاستثمار على مصادر القوة التي اعتقد السعوديون أنها عوامل تأثير حاسمة في مسار الحرب على سورية، التي كانت في مرحلة التوازن السلبي عندما انطلقت الحرب على اليمن، في ظل قراءة سعودية أميركية اوروبية تقول إن الجماعات المناوئة للدولة السورية تستمدّ قوتها من وجود حدود سورية مفتوحة على دول داعمة تؤمن لها الظهير والسند والتمويل والتسليح وجلب الآلاف من المسلحين، وبالمقابل فإن الدولة السورية تستمدّ قوتها من كونها تمثل الشرعية الدستورية المعترف بها دولياً، والتي تقوم بإدارة المؤسسات الأمنية والمالية والخدميّة، فجاءت الحرب على اليمن تستثمر على حصار كامل يقطع حتى الهواء عن أنصار الله براً وبحراً وجواً، وبالتوازي الاستثمار على عنوان الشرعيّة الدستورية اليمنية كغطاء لخوض الحرب ومحاولة تفعيل مؤسسات هذه الشرعية عسكرياً وأمنياً ومالياً وخدميّاً، لامتلاك موقع متفوّق في القدرة على حسم الحرب، التي توقعت الدراسات أنها ستحسم خلال أسابيع أو شهور، لهذين الاعتبارين.

اِقرأ المزيد: بين سورية واليمن قراءة أوروبيّة: ناصر قنديل

من غير الجائز واللائق أخلاقياً الخضوع لابتزاز تجرؤ الذين صمتوا على احتلال حقيقيّ عدوانيّ مجرم ربض على صدر لبنان أكثر من عشرين عاماً، في تنمّرهم الفكري والسياسي لتحويل فريق لبناني حاز أعلى نسبة تصويت في الانتخابات النيابية الأخيرة، الى مجرد جالية إيرانيّة تحتل جزءاً من لبنان لتسويغ الحديث عن احتلال إيراني للبنان، أو الحديث عن انتهاك للسيادة يمثله السلاح المقاوم الذي جسد أنبل وأشرف ظاهرة قدّمها لبنان لشعبه ومحيطه والعالم، ولذلك يجب على كل من يعمل في الشأن العام أن يمتلك نزاهة التفكير وشجاعة القول، وهما أعلى مراتب النزاهة والشجاعة، لقراءة حجم التحول الذي يعود فيه الفضل لإيران في منع تذويب القضية الفلسطينية، وفي الطليعة قضية القدس.

اِقرأ المزيد: شكراً إيران رغم أصوات النشاز: ناصر قنديل

مع نهاية ولاية الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش، وظهور الاعتراف الأميركي العلني بفشل الحروب التي أطلقها عبر التقرير الشهير الذي حظي بإجماع الحزبين الجمهوري والدميقراطي وعرف بتقرير بايكر هاملتون، أطلق الرئيس السوري بشار الأسد دعوته لإقامة منظومة إقليمية تضم الدول الفاعلة المطلّة على خمسة بحار هي المتوسط والأحمر والأسود وقزوين والخليج، بهدف ملء الفراغ الذي سينجم عن الفشل الأميركيّ، وبدأ تحركاً شمل روسيا وإيران وتركيا ومصر والسعودية، للدعوة لهذه المنظومة، محفزاً حليفيه الروسي والإيراني من جهة لتلقف الدعوة، ساعياً لإقناع تركيا والسعودية ومصر بحجم المخاطر الناجمة عن الفراغ الاستراتيجي المقبل، الذي سيُملأ بالفوضى والإرهاب ما لم يتم بلورة بديل يحفظ الاستقرار.

اِقرأ المزيد: العالم يعود إلى بحار الأسد الخمسة: ناصر قنديل