Get Adobe Flash player

     حين زرته في منزله على فطور بيروتي شعرت أنني أمام قامة عربية مسكونة بآلام وآمال الأمة ومبحرة في شبكة قضاياها المعقدة ببصيرة وبوصلة لا تخطئ الهدف. لم يأت على ذكر المواقع والمناصب والمسؤوليات التي أوكلت إليه أو التي تمّ ترشيحه لاستلامها فقد كان همّه الأساس كيفية مواجهة العدوّ الصهيوني والتركيز أولاً على معرفته ومعرفة فكره وخططه التي يعدّها ضدنا. فقد كان ذا مكتبة عامرة منطلقها الأساس هو "إعرف عدوك"، وقال لي أنا أقرأ هآرتس كلّ صباح وأقرأ فكرهم وثقافتهم وخططهم؛ إذ كيف يمكن لك أن تواجهي عدواً تجهلينه؟ وذكر على سبيل المثال أننا رغم إدراكنا بأن الصراع العربي الصهيوني هو جوهر ما يعصف بمنطقتنا بأشكال مختلفة فنحن لم نركّز على إنشاء مراكز أبحاث متخصصة بدراسة هذا العدو ومقارعة الفكر بالفكر والحجة بالحجة. في الواقع شعرت وأنا أودّعه أنني أودع شخصاً يعتبر أن الله قد استودعه قضية كبرى للدفاع عنها وأنه أمضى عمره يشحذ الأدوات للتمكن من هذا الدفاع بأفضل السبل الممكنة.. في حضرة أصحاب القضايا تتلاشى قيمة المناصب والمسؤوليات الإدارية، وحتى إذا مرّ ذكرها فمن أجل التمكّن من الدفاع عن القضية وإعلاء شأنها في أعين الآخرين وفي وجدانهم إن أمكن. هكذا كنا نظن ونحن أطفال ويافعون أن أصحاب المواقع هم حكماً أصحاب قضايا وأن سبب تولّي المسؤولية في الأساس هو من أجل خدمة شأن عام أو قضية كبرى. ومع أصحاب القضية يتجلّى لك فوراً أن "إلهكم إله واحد" وأن الدين لله والوطن للجميع، لأن المعايير تركّز على الاجتهاد والإنجاز والتميّز في العمل والخدمة العامة والأثر الذي يتركه هذا العمل على الآخرين. وحين رحل ميشيل إده رحمه الله نتذكره جميعاً كصاحب قضية وهذا أهم وأسمى من أي موقع يمكن أن يكون قد شغله ومن أية مسؤولية يمكن أن يكون قد تصدّى لها خلال حياته الحافلة.

Read more: ميشيل إده:  صاحب قضية  د. بثينة شعبان

          شهد مطلع الشهر الجاري سلسلة احداث في الأميركيتين، الشمالية والجنوبية، أشرت على تراجع التيارات اليمينية الحاكمة مقابل فوز منافسيها في القارتين.

Read more: دلالات نتائج الانتخابات الأميركية   المحلية على السباق الرئاسي  د.منذر سليمان

لن أتعب من التذكير بالورقة الاستراتيجية التي وضعتها مجموعة من مراكز الأبحاث الأمريكية في عام 1996 بعنوان: " الاختراق النظيف. استراتيجية جديدة للسيطرة على المنطقة “. في هذه الورقة اتفقت مراكز الأبحاث على أن الاستراتيجيات القديمة للسيطرة على منطقة الشرق الأوسط لم تعد مجدية ولم يعد ضرورياً أن نرسل جيوشاً وندفع تكاليفها الباهظة، ولكن البديل سيكون العمل على اكتشاف العناصر التي تؤيدنا في هذه المجتمعات والمخلصة لنا وتمويلها والاعتماد عليها لإحداث التغييرات التي نريد والتي تخدم مصالحنا أولاً وأخيراً.

Read more: اختراق غير نظيف!!  د.بثينة شعبان

يطرح الكثيرون من المعنيين والسياسيين والمحللين هذه الأيام أسئلة كثيرة عن أصل الحراك في لبنان والعراق وتشيلي وبوليفيا ومناطق أخرى أيضاً في المنطقة العربية وأميركا اللاتينية، ويتساءل الكثيرون عن مصادر التمويل والإنفاق التي تُبقي الناس في الساحات دون أن يقلقوا على خدمات أو طعام أو مواصلات. وتزداد الشبهة بعد أن فشلت المحاولات، إلى حدّ الآن، بإظهار القيادات التي تقود هذا الحراك رغم الدعوات إلى الحوار ومناقشة المطالب التي خرج المتظاهرون من أجلها أصلاً مما يثير الشكوك حول دوافع تخفّي هذه القيادات وعدم رغبتها في الظهور العلني إلى الساحة إلى حدّ الآن. ولكن مهما تكن الأجوبة المحتملة على كلّ هذه التساؤلات أو بعضها فإنها تغفل جزءاً هاماً جداً من المشكلة ألا وهو العوامل الحقيقية التي أدت إلى فقدان الثقة على هذا المستوى بين الحكومات والجماهير والتراكمات المريرة التي مكّنت الآخرين من النفاذ إلى مطالب وغضب المتظاهرين والإبقاء عليهم في الساحات وتحمّل تبعات هذا الحراك والذي قد يوقع الضحايا أو يقود البلاد إلى المجهول. حين يتساءل البعض عمّن خطط وأقنع وموّل ونظّم وتابع، فهم يتساءلون عمّا يفعله الآخرون بجماهيرهم دون أن يطرحوا السؤال الجوهري والمهم وهو: ما الذي أوصل هذه الحشود إلى درجة تقبل من خلالها المنطق الآخر بينما تفقد الثقة كلياً أو جزئياً بمن هم في الأساس مسؤولون عنها من نظام وأحزاب وقيادات الذين يفترض أنهم يرعون شؤونها ويعالجون كل العقبات التي تعترضها؟ وحتى ومع وجود الناس في الساحات في عواصم ومدن وبلدان مختلفة من المنطقة والعالم نلاحظ لجوء البعض إلى خطاب فوقيّ يفترض أنّ هذه الجماهير لا ترى ولا تفهم، ويحاول بدلاً من الإنصات والمكاشفة إلى توزيع اللوم هنا وهناك والاستمرار بالمكابرة ورفض التحلّي بالتواضع والافتراض أن الصواب قد يكون على الجانب الآخر وأن المراجعة الصادقة والشفافة أصبحت الخطوة الأولى الضرورية من ضرورات العلاج.

Read more: مشكلة تواصل وثقة    د.بثينة شعبان