Get Adobe Flash player

افتتاح الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك يشهد كل عام على خطابات رؤساء الدول ووزراء الخارجية وغيرهم من المسؤولين الحكوميين لمواطنيهم من خلال هذا المنتدى العالمي. استثناء العام حقيقة كان كوفيد 19 فقط حيث خاطب المتحدثون العالم عن طريق الفيديوهات المسجلة مسبقًا.

 

كانت معظم الخطب رتيبة، وتتباهى بالإنجازات الوطنية، ويمكن التنبؤ بها تمامًا. كما أشاد الكثيرون بالأمم المتحدة باعتبارها مكانًا للتجمع حيث يمكن لجميع الدول أن تتعلم معنى التعايش. ومع ذلك كانت هناك بعض الاستثناءات، حيث استخدم بعض المتحدثين المنبر لاستهداف الأنظمة والقادة الأجانب عمدًا، أو حتى لتوجيه تهديدات مستترة.

تحدث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يوم الثلاثاء عبر مقطع فيديو مسجل مسبقًا. كان خطابه لافتًا لأنه لم يوجه أية لكمات للعديد من الدول التي يبدو أن واشنطن لديها "قائمة عداء" معها. الا ان الصين تعرضت بشكل خاص للهجوم من قبل ترامب في ما وصفته صحيفة نيويورك تايمز بالخطاب "شديد اللهجة". شمل وصفه لفيروس كورونا بأنه صيني لدعم حجة البيت الأبيض التي لم تثبت بشكل مقنع تمامًا أن الفيروس تم إنشاؤه وتحويله إلى سلاح من قبل مختبر ووهان قبل إطلاقه سراً لإصابة العالم.

بعد الإشادة بالعمل العظيم الذي قامت به إدارته ضد الفيروس،-بالتأكيد ذلك مشكوك فيه- ادعى قائلا "لقد خاضنا معركة شرسة ضد العدو غير المرئي - فيروس الصين"، قائلاً "بينما نسعى لتحقيق هذا المستقبل المشرق، يجب أن نحاسب الأمة التي أطلقت العنان لهذا الطاعون على العالم وهي الصين.

وتابع: "في الأيام الأولى للفيروس، أغلقت الصين السفر محليًا بينما سمحت للرحلات الجوية بمغادرة الصين وإصابة العالم. وحبست المواطنين في منازلهم.

وأعلنت الحكومة الصينية ومنظمة الصحة العالمية - التي تسيطر عليها الصين فعليًا - أنه لا يوجد دليل على انتقال العدوى من إنسان إلى إنسان. في وقت لاحق، قالوا كذباً إن الأشخاص الذين ليس لديهم أعراض لن ينشروا المرض.

يجب على الأمم المتحدة أن تحاسب الصين على أفعالها".

هذا الخطاب بالطبع يعتبر في الواقع إعلان حرب تضمن مساعدة ليبرالية للتحريف الترامبي المعتاد للحقائق. تم ذكر الصين ما مجموعه 12 مرة في خطاب مدته خمس عشرة دقيقة ولم تكن أي من الإشارات ودية. تحدث الرئيس الصيني شي جين بينغ بعد ترامب ووصف فيروس كورونا بأنه "أزمة مشتركة بين الجميع". لم يعتذر وبدلاً من ذلك زعم أن أمته التي يبلغ عدد سكانها 1.4 مليار شخص تصرفت بمسؤولية لمكافحة مرض كوفيد -19. وخلص إلى أنه "يجب رفض أي محاولة لتسييس القضية أو وصمها".

وتابع ترامب بعد ذلك ذكر القواعد الموجودة في بقية قائمة أعدائه، قائلاً: "نحن نعلم أيضًا أن الرخاء الأمريكي هو حجر الأساس للحرية والأمن في جميع أنحاء العالم. في غضون ثلاث سنوات، قمنا ببناء أعظم اقتصاد في التاريخ، ونقوم بذلك بسرعة مرة أخرى. لقد زاد حجم جيشنا بشكل كبير. لقد أنفقنا 2.5 تريليون دولار على مدى السنوات الأربع الماضية على جيشنا. لدينا أقوى جيش في العالم.

لقد واجهنا عقودًا من الانتهاكات التجارية للصين. لقد قمنا بإعادة تنشيط حلف الناتو، حيث تدفع الدول الأخرى الآن نصيباً أكثر إنصافاً. لقد أقمنا شراكات تاريخية مع المكسيك وغواتيمالا وهندوراس والسلفادور لوقف تهريب البشر. نحن نقف إلى جانب شعب كوبا ونيكاراغوا وفنزويلا في كفاحهم الصالح من أجل الحرية.

لقد انسحبنا من الصفقة النووية الإيرانية الرهيبة وفرضنا عقوبات شديدة على الدولة الرائدة في العالم الراعية للإرهاب. قضينا على خلافة داعش بنسبة 100٪. قتل مؤسسها وزعيمها البغدادي. وقضي على قاسم سليماني".

لم يذكر ترامب، الذي يخلط بين الحقيقة والخيال أن الاقتصاد الأمريكي، "حجر الأساس المزعوم للحرية والأمن في جميع أنحاء العالم"، يعاني من عواقب فيروس كورونا على مستوى لا يمكن تحمله من الديون الحكومية. لقد ذكر أنه ألقى بشكل متهور المزيد من الأموال على مؤسسة عسكرية متضخمة وترك احتمالًا معلقًا لاستخدامها لجلب "الحرية" إلى المواطنين المضطهدين في بلدان مثل كوبا وفنزويلا.

وبطبيعة الحال تحتل إيران مكانة خاصة في حسابات ترامب، إنها "الدولة الراعية الرئيسية للإرهاب" ولديها مسؤول كبير كان "أكبر إرهابي في العالم"، وكلاهما خاطئ بشكل واضح مثل الادعاء بأن "الصفقة النووية" كانت "مروعة". على العكس من ذلك، كانت داعمة لمصالح الأمن القومي الأمريكية وكذلك خطوة حقيقية إلى الأمام لتجنب مواجهة إقليمية قاتلة محتملة في الشرق الأوسط.

ولم يذكر ترامب جرائم الحرب الإسرائيلية ولا جرائم الولايات المتحدة في أفغانستان والعراق. ومن المفارقات أن لدى إسرائيل برنامجًا سريًا أنتج ما يقدر بنحو 200 سلاح نووي ولم تسمح مطلقًا بتفتيش منشآتها العلمية. إيران، على عكس إسرائيل، من الدول الموقعة على معاهدة الأمم المتحدة لمنع انتشار الأسلحة النووية وتسمح بعمليات التفتيش. يتفق المفتشون على أنه ليس لديها برنامج أسلحة نووية.

أكثر بكثير "مثل كلب مجنون خطير للغاية" كانت إسرائيل ذات مرة قد استمتعت بإعداد ما يسمى بخيار شمشون حيث ستستخدم الأسلحة النووية كرد أول على أي عدو تقليدي قوي قد يهاجمها أو حتى لمنع منافس مثل إيران من الحصول على ترسانتها النووية. تضمنت الاختلافات في الخيار تدمير معظم العواصم في أوروبا والشرق الأوسط إذا كانت الدولة اليهودية على وشك أن يطغى عليها العدو.

ربما ليس من المستغرب أن خطاب العاهل السعودي الملك سلمان في اليوم التالي ردد بعض النقاط التي أثارها دونالد ترامب. الملك البالغ من العمر 84 عامًا، قرأ من خطاب معد، وصف بأنه "هجوم لاذع على إيران" حث المجتمع الدولي على تطوير "حل شامل" لـ "رعاية طهران المزعومة للإرهاب".

وقال سلمان لجمهوره إن "أيادي المملكة امتدت لإيران بسلام وبتوجه إيجابي ومنفتح على مدى العقود الماضية، لكن دون جدوى. لقد علمتنا تجربتنا مع النظام الإيراني أن الحلول والتهدئة الجزئية لم توقف تهديداته للسلم والأمن الدوليين، والتي شملت "أنشطة توسعية" ودعم "شبكات الإرهاب" في جميع أنحاء المنطقة التي تنشر "الفوضى والتطرف" والطائفية".

جهود المملكة العربية السعودية لإلقاء اللوم على عدم الاستقرار الإقليمي على إيران وحدها ليست مقنعة. تعرضت سياسات المملكة الإقليمية وسجلها الحقوقي لانتقادات واسعة، لتشمل المحاكمات السرية والاستخدام المكثف لعقوبة الإعدام، وحرب الإبادة الجماعية في اليمن التي وصفتها الأمم المتحدة نفسها بأنها "أسوأ كارثة إنسانية في العالم"، واختطاف عام 2017 في ذلك الوقت رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري ومقتل الصحفي المعارض جمال خاشقجي.

لذلك كان كل شيء يعمل كالمعتاد في الأمم المتحدة، كانت الصين تلوح في الأفق على قائمة أعداء الولايات المتحدة بينما هددت الولايات المتحدة والسعودية إيران. هناك مثل عن "من ألقى الحجر الأول ..." مع الإشارة إلى أن الكثيرين ممن هم على استعداد للتنديد بالآخرين لديهم خطاياهم الخاصة لإخفائها. هذا صحيح بالتأكيد فيما يتعلق بخطابات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والملك السعودي سلمان.

ترجمة: وكالة اخبار الشرق الجديد- ناديا حمدان

http://www.informationclearinghouse.info/55639.htm