Get Adobe Flash player

"فورين بوليسي"

24  كانون الأول 2019

 

تعمّ الاحتجاجات والاضطرابات شوارع العراق ولبنان حيث يتمّ توجيه غضب المتظاهرين ضدّ طبقاتهم السياسية الخاصة وضدّ حكومة إيران. فالمواطنون في لبنان والعراق لم يضيقوا ذرعاً بسوء الإدارة الاقتصادية والحوكمة غير الفعالة والفساد المستشري في أوساط النخب السياسية محلياً فحسب، بل يربطون أيضاً وضعهم الكئيب بنفوذ إيران المسبّب للفساد واستغلال «الحرس الثوري الإسلامي» الإيراني لبلديهما من أجل تمويل وتسليح الميليشيات التي لا تخضع للمساءلة أمام دولها. 

وإذا ما أضفنا هذه الاحتجاجات إلى أعمال الشغب الواسعة النطاق في إيران، يعتبر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب هذه التطورات دليلاً على أن ما يسمى بسياسة الضغط الأقصى التي تمارسها إدارته والقائمة على تضييق الخناق على الاقتصاد الإيراني تؤتي ثمارها. وليس من المفاجئ أن تكون الإدارة الأمريكية مصممة الآن على تشديد سياسة العقوبات، وهي على قناعة بأن هذا الأمر سيرغم طهران على الاستسلام والسعي إلى إجراء مفاوضات، مجددةً استعدادها لتقديم تنازلات على صعيد برنامج النظام النووي وسلوكها في المنطقة. ويشكّك نقاد الإدارة الأمريكية في نجاح هذه السياسة - معتقدين أنها ستحشر الحكومة الإيرانية في الزاوية ببساطة، ما يدفعها إلى تصعيد حدّة النزاعات في المنطقة عوضاً عن الاستسلام.  

وللأسف، لم تقدّم الإدارة الأمريكية أو نقادها اقتراحات مقنعة حول كيفية الاستجابة للتطورات الحاصلة في العراق ولبنان. وبالنسبة لهذه الإدارة، فإن تقديم الدعم الخطابي للشعبيْن العراقي واللبناني ودعوة الأجهزة الأمنية إلى وقف الانتهاكات يعكس حدود ما تعتقد أنه يمكن فعله.

وقد يكون النقاد حتى أكثر سلبيةً، خوفاً من أن يؤدي الانخراط الأمريكي المتزايد إلى الانتقاص من التركيز المناهض لإيران، أو حتى الأسوأ من ذلك، إلى مفاقمة الوضع في أي من هذين البلدين نظراً إلى سجل إدارة ترامب الحافل بتنفيذ السياسة بشكل غير ملائم. 

والمفارقة هي أنه لا يبدو أن الإدارة الأمريكية ولا منتقديها مقتنعون بإمكانية حصول تغيير فعلي ومستدام في العراق ولبنان - رغم أن هذا ما يطالب به المحتجون على وجه التحديد. أما استقالة رئيسيْ الوزراء العراقي واللبناني - عادل عبد المهدي وسعد الحريري -  فهي غير مجدية إلى حد كبير.

 فالنخب السياسية في العاصمتيْن تركّز بشكل أكبر على توزيع المناصب الوزارية في الحكومتين المقبلتين وليس على تقديم اقتراحات إصلاح سياسية واقتصادية جريئة تستجيب لمطالب المحتجين. 

هذا ومن المرجح أن تحافظ النسخة التالية من حكومتَي بيروت وبغداد على النظام القائم على "هيمنة النخبة" الذي يغذي نفسه من خلال توزيع السلطة على أسس طائفية. ويدرك المحتجون في البلدين تركيز قادتهم الضيّق على الحفاظ على الذات؛ فلم يتم استرضائهم ويبدو أنهم يحافظون على حماستهم للنزول إلى الشوارع اعتراضاً على ما يجري.

ولا شك في أن تردد وشكوك إدارة ترامب ونقادها على حد سواء ناجم عن تجارب الولايات المتحدة المريرة في محاولة تحفيز التغيير في الشرق الأوسط. وفي حين عجزت الإدارتان الجمهورية والديمقراطية عن تشجيع الإصلاحات الممنهجة في الشرق الأوسط، إلا أنه يبدو في المقابل أن إيران حققت نجاحات خلال السنوات القليلة الماضية. فقد استفادت طهران من القرارات الخاطئة التي اتخذتها الولايات المتحدة والفراغ في السلطة في المنطقة من أجل بسط نفوذها ووسائلها القسرية خارج حدود إيران.

والآن، يشير المرشد الأعلى للجمهورية الإيرانية علي خامنئي إلى سوريا ولبنان باعتبارهما جزءاً من [جبهة] "الدفاع الأمامي" لإيران. وقد نفذت إيران استراتيجيتها باستخدام القوة الصارمة والناعمة على حد سواء، بنقلها أسلحة موجهة بدقة إلى مناطق لا تحتكر فيها الحكومات استعمال القوة في كل من سوريا والعراق؛ وتدريب ميليشيات شيعية في سوريا والعراق ولبنان واليمن ونشرها بأدنى تكلفة على طهران؛ وتكملة هذه الأدوات العسكرية بحوافز القوة الناعمة المصممة وفقاً للسياقات المحلية، على غرار اللعب على الوتر الطائفي، وشراء العقارات، ودفع الأموال للقبائل، والعقود التجارية، وتقديم الخدمات - حيث أن جميع هذه العناصر مصممة للاستفادة من الحكومات الضعيفة والقادة المستضعفين والسكان المحتاجين.

والنتيجة الصافية: يبدو أنّ إيران أحكمت قبضتها على القادة والحكومات في العراق وسوريا ولبنان، كما حققت هدفها المتمثل بإملاء السياسات ودمج وكلائها («حزب الله»، «منظمة بدر»، «عصائب أهل الحق») ضمن المؤسسات الحكومية لضمان النفوذ على المدى الطويل.

وبعد استعراض هذا المشهد الاستراتيجي، تحدث صناع السياسة الأمريكيون بجرأة وعلناً عن ضرورة تراجع إيران لكنهم لم يقترحوا مطلقاً استراتيجية فعالة وممولة بشكل مناسب لتحقيق هذا الهدف.

غير أن ردود الفعل الساخطة المنتشرة مؤخراً ضد الفساد والحكومات الهشة والقوات الأمنية المستبدة التي لا تخضع للمساءلة أمام المواطنين اللبنانيين والعراقيين تشير إلى أن المكاسب الإيرانية قد لا تكون مستدامة ولربما نقلت الأزمة إلى الداخل الإيراني نفسه.

وحتماً، إن ردّ النظام الإيراني الوحشي على الاضطرابات في 20 مدينة على الأقل - وهو ردّ أسفر عن مقتل أكثر من 300 شخص وتوقيف أكثر من 7 آلاف آخرين - يشير إلى أن النظام يشعر بأنه ضعيف ويرزح تحت وطأة الضغوط لمنع انتشار الاحتجاجات. وإن صح ذلك، لا يجب أن تفترض الولايات المتحدة أن موقف إيران في المنطقة قوي وراسخ للغاية بحيث أنه لا يسع واشنطن القيام بالكثير لردعها.

ويُعتبر واقع أن الجمهور الشيعي الكبير في العراق ولبنان يشكل جزءاً لا يستهان به من التظاهرات ضد الحكم الطائفي وسيطرة إيران، خير دليل على نقاط ضعف طهران وصعوبة المحافظة على مكانتها في المنطقة. علاوةً على ذلك، يبدو أن استراتيجية القوة الناعمة التي تنتهجها إيران - مستفيدة من الروابط الشيعية في المناطق ذات الأغلبية العربية لاكتساب نفوذ من خلال مشاريع ثقافية ودينية وإعلامية واقتصادية - تبدّدت بما أن اسمها أصبح مرتبطاً علناً بالفساد والقادة الذين لا يخضعون للمساءلة والحكم غير التمثيلي وسوء الإدارة الاقتصادية وقوات الأمن المستبدة والردود الوحشية على المحتجين. فإيران بسطت سيطرتها وعززت انتشارها في الخارج، في وقت لم يقدّم فيه قادتها البنانيين أو العراقيين أي شيء مفيد - كما أن حملة القمع المحلية الوحشية ضد المحتجين الإيرانيين تقوّض قدرتهم على الإقناع.

وفي الوقت الراهن، لا تملك إيران الكثير من الأدوات أو الموارد - لا سيما في ظل سوء إدارة اقتصادها المتأزم - لذا يجب أن تتمكن الولايات المتحدة من منافستها بفعالية أكبر. وحتماً، حان الوقت للتخلي عن أداة السياسة الخارجية المفضلة لدى إدارة ترامب والمتمثلة باستخدام العقوبات من أجل التصدي لكل نشاط إيراني خبيث - سواء أنشطتها النووية غير الشرعية أو دعمها للإرهاب أو انتهاكاتها لحقوق الإنسان. وفي الوقت نفسه، لا تعدّ العقوبات الأداة المتوافرة الأنجع أمام صناع السياسة الأمريكيين رداً على الاحتجاجات المطالبة بوضع حدّ للفساد والاقتصادات المتزعزعة والقادة الذين لا يخضعون للمساءلة.

ويجدر بالسياسة الأمريكية أن تركّز الآن على إدراك ما يمكن لواشنطن أن تقدمه للمنطقة وتمييز اسم الولايات المتحدة عن رؤية إيران العقيمة والمليئة بالعنف. وإن كانت الإدارة الأمريكية غير مستعدة أو غير قادرة على حشد دعم الحزبين المحليين لاعتماد تحول مماثل في السياسة، فقد حان الوقت لكي يتحرك الكونغرس. وبالتأكيد فإن الأعضاء المنتمين للحزبين لا يزالون ملتزمين بالحفاظ على استقرار المنطقة، والتصدي لإيران ودعم الإصلاحات المجدية في قطاع السياسة والاقتصاد والأمن.

ويتمثل أحد الخيارات في تقديم شراكات استراتيجية مع الشعب اللبناني والعراقي من خلال خطوة تشريعية: شراكة أمريكية-عراقية محدّثة ترسّخ الالتزامات المبرمة أساساً ضمن "اتفاقية الإطار الاستراتيجي" في عام 2008 واتفاق أمريكي- لبناني جديد يرسم خارطة طريق لمشاركة ثنائية خارج نطاق تركيز واشنطن القديم على الجيش اللبناني. ويُعتبر تحرك الكونغرس ضرورياً لأنه يرسخ أفقاً زمنياً غير مرتبط بمواعيد الانتخابات الرئاسية ويرسل إشارة موثوقة إلى منطقة تخشى التقلبات الحادة والرسائل المتباينة للإدارات الأمريكية.

ويجب أن يكون عرض الكونغرس الأمريكي لبناء هذه الشراكات مشروطاً بترفّع القادة والحكومات في العراق ولبنان على السواء عن الدعم والتعهدات الخطابية واتخاذهم تدابير ملموسة تستجيب فعلاً لمطالب المحتجين. فما يمكن للكونغرس تقديمه لا يتمثل ببساطة بالتمويل أو الدعم الشفهي بل بوضع إطار لشراكة تستجيب لمطالب المحتجين.

ويجب أن يشمل التشريع متطلبات إعداد تقارير علنية حول معايير الإصلاحات، فضلاً عن تقييم تطبيقها الفعلي. كما يجب أن يكون التمويل والمساعدة مطروحين، وبخاصةً لدعم الإصلاح في الوزارات المدنية.

أما الخبر السار فهو أن الولايات المتحدة تمتلك فعلياً الخبرة الفنية والعلاقات الدولية، ولا سيما التعاون مع الحلفاء والمنظمات غير الحكومية الموثوقة من أجل المساعدة على مكافحة الفساد وتعزيز سيادة القانون وإعادة الخدمات وتقديم التدريب وتطوير البنية التحتية وتحفيز النمو الاقتصادي. وبالإجمال، تقدّم الشراكة مع الولايات المتحدة إمكانية التبادلات العلمية والتعليمية والتجارية والتكنولوجية المجدية. وهذا ما يريده المحتجون، وهذا ما يمكن أن تقدّمه واشنطن فعلياً.

ولا تقدّم إيران أياً مما ذُكر. وبالتالي، أمام الولايات المتحدة الآن فرصة لتقديم ما لا تستطيع إيران توفيره: منح الأمل للشعبين العراقي واللبناني المتعطشين للتغيير الفعلي، واللذين لن يستكينا على الأرجح إلى أن يحصلا عليه.

دينيس روس هو المبعوث الأمريكي السابق للشرق الأوسط. دانا سترول، هي باحثة في معهد واشنطن  وموظفة أقدم سابقة في "لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأمريكي".