Get Adobe Flash player

 

         بضع دقائق استغرقها المحقق الخاص روبرت موللر لرمي كرة الثلج الملغومة أمام الكونغرس لممارسة مهامه والتحقيق "مجدداً" بالنتائج التي توصل إليها تقريره، مضيفاً كماً غير يسير من التساؤلات المتداولة حول إحجام الهيئات الرسمية المتعددة عن تنفيذ ما يترتب على تهمة "عرقلة العدالة والتدخل في سير التحقيق" للرئيس ترامب .

         ولعل من بين الزوايا الحادة لانتقاداته المبطنة بلغة قانونية صرفة إعلانه عدم المثول أمام لجان الكونغرس كون التقرير المقدم يتضمن "أدلة تكفي" للسلطة التشريعية، ممثلة بمجلسي الشيوخ والنواب، يمكن البناء عليها واتخاذ ما يلزم – دون أن يتلفظ بمفردات مقاضاة وعزل الرئيس.

         وربما لأول مرة يتعرف المواطن على سقف اجراءات التحقيق الذي أعدته وزارة العدل لقيامه وفريقه بالمهمة، موضحاً أن تعليمات وزارة العدل "تمنع اصدار اتهام يدين رئيس لا يزال على رأس العمل."

         بالمقابل، كانت استنتاجات تقرير "المحقق المستقل" كنيث ستار شديدة الوضوح بإدانة الرئيس الأسبق بيل كلينتون، 11 أيلول 1998، والبدء باجراءات عزله وفق مقتضيات النصوص والصلاحيات الدستورية لدى السلطة التشريعية.

         أمام تناقض تلك الثنائية في الكيل بمكيالين، كلينتون يدان ويحاكم بتهمة الكذب وترامب ينجو من تقديمه للقضاء بحكم ممارسته مهامه الرئاسية، انساقت وسائل الإعلام الرئيسة، لا سيما التي تكن لترامب عداءً متأصلاً وعلى رأسها صحيفتي نيويورك تايمز وواشنطن بوست، لتحييد تهمة عرقلته للقضاء وإخراج "اجراءات العزل" من التداول، تدريجيا.

         يومية واشنطن بوست استنتجت في تقرير مفصل لها أن "فريق المحقق الخاص موللر اعتقد بأن أي ايحاء بتوصية للكونغرس بعزل الرئيس تندرج ايضاً تحت بند توجيه اتهام للرئيس بارتكابه جناية." (29 أيار/مايو 2019).

         الصحيفة واخواتها سعت لتبرير موقفها غير الحاسم باقتباس جملة جوهرية مليئة بالايحاءات من المؤتمر الصحفي الذي عقده روبرت موللر، سالف الذكر، بقوله "لو توفر لدينا قدر كافٍ من الثقة بأن الرئيس لم يرتكب جناية، لذكرنا ذلك."

         وأضاف موضحاً ".. ليس من العدالة بشيء توجيه تهمة محتملة لفرد بارتكابه جناية أن لم تتوفر آلية لحسم التهمة،" سواء تيقن القضاء من ارتكابها ام عدمه.

         ضبابية تفسير النصوص الدستورية تعين طرفي الجدل، الحزبين الجمهوري والديموقراطي، على التزام سردية كل طرف. المدعي العام الجمهوري السابق لولاية نيويورك، آندرو ماكارثي، أدلى بدلوه لزيادة منسوب الضبابية حول التهم الموجهة للرئيس ترامب قائلاً "ارشادات (وزارة العدل) لا تشير إلى أنه لا يمكن توجيه تهمة للرئيس وهو في منصبه أبداً. بل تنص على أن الرئيس وهو في منصبه لا يجوز اتهامه. ولذا فإن المدعي العام (المحقق الخاص) بعد تسلمه مهمة التحقيق لديه صلاحية الإقرار بذلك .."

         واضاف ماكارثي "موضحاً" ما اعتقده تفسير منطقي لتحقيقات موللر ".. لو تم الإقرار بأن هناك أرضية لتصعيد القضية (وفق السبل والقنوات المعتمدة) وإن رغبت وزارة العدل تطبيق صلاحية الارشادات التي تم إعدادها بأنه لا يجوز توجيه تهمة لرئيس لا يزال في منصبه، فليكن. بيد أن مهمة موللر، كما أعتقد، كانت البحث حول توفر قضية تستدعي إقامة دعوى أم لا."

         غابت عن الجدل حقيقة سقف التحريات الممنوحة لكل من "كنيث ستار وروبرت موللر" التي لم تعد في وارد الاهتمام العام، بل تغاضت عنها معظم وسائل الإعلام الرئيسة. ستار من جانبه تم تعيينه من قبل الكونغرس بدافع التحقيق على أرضية عزل الرئيس التي روجها مجلس النواب آنذاك، بزعامة نيوت غينغريتش، وجاءت النتائج مطابقة للأحكام المسبقة. أما موللر فقد تم تعيينه من قبل وزارة العدل ومرجعيته النائب العام، ويليام بار، الذي عينه الرئيس ترامب في منصبه؛ وهو الجهة المخولة قانونياً تسلم تقرير فريق التحقيق والبناء عليه.

         في العودة للنصوص القانونية الأميركية السارية، في الشق الجنائي الصرف، مهمة المدعي العام/المحقق التيقن من حصول جريمة تستدعي توجيه اتهام أو عدمه، وليس تبرئة المتهم، فتلك تقع ضمن صلاحيات قضاة المحاكم حصراً.

الدب الروسي في الغرفة

         التهمة الرئيسة الموجهة للرئيس ترامب وحملته الانتخابية ارتكزت على تورطه مع روسيا في التأثير على نتائج الانتخابات الرئاسية؛ وإشارة تقرير موللر إلى أن ".. تم توجيه تهمة التدخل في انتخابات 2016 لبعض الأفراد الروس." واستدرك تقرير موللر بالجزم أنه "لا يتوفر أي دليل (قاطع) على تورط حملة ترامب الانتخابية مع روسيا .." مما يضاعف ضبابية المسؤول، جهة أو أفراداً، عن ترويج ذاك الاتهام.

         من نافل القول، أن الشخصية المعلنة في صلب تلك التهم كان عميل الاستخبارات البريطانية السابق، مايكل ستيل، الذي قدم ملفاً معتبراً لحملة هيلاري كلينتون يتهم فيها ترامب وحملته بجملة قضايا فحواها التواطؤ مع الاجهزة الروسية، الأمر الذي استدعى حملتها (والحزب الديموقراطي) التوجه للمحكمة الفيدرالية الخاصة بالتحقيق في شؤون التجسس   (FISA) والحصول على تفويض بالتجسس على حملة ترامب الانتخابية، وما رافقها من جدل واسع واتهامات متبادلة بينهما.

الأمر اللافت أن حملة كلينتون تحملت الكلفة المادية لمجريات "التجسس." الأمر الذي دفع المرشح آنذاك لمنصب وزير العدل، ويليام بار، إبلاغ الكونغرس في شهادته بأن مكتب التحقيقات الفيدرالي، إف بي آي، قام بالتجسس على حملة ترامب الانتخابية.

         دشن بار صلاحياته القضائية بتعيين محقق خاص من داخل وزارة العدل للتحقيق في ملابسات حملة التجسس التي نفذها جهاز الأف بي آي، وما قد يترتب عليها من تطورات تتقدم السباق الرئاسي المقبل.

         السجالات والاتهامات المتبادلة بين الفريقين، بالتركيز على "تدخل روسيا" في الشأن الداخلي سحب من التداول سجل الولايات المتحدة اللامتناهي في تدخلاتها بدول العالم قاطبة، بما فيها الدول الأوروبية "الحليفة."

         رصدت الاستاذة الجامعية ليندسي اورورك أبعاد التدخلات الأميركية في عهود الرؤساء الأميركيين خلال حقبة الحرب الباردة، 1947 إلى 1989. وقالت في كتابها سياسة تغيير النظم السرية، الصادر عام 2018 أن كافة الرؤساء في تلك الحقبة أشرفوا على عدة محاولات للتدخل بهدف تغيير "اما النظم أو نتائج الانتخابات،" أقلها كان في عهد الرئيس السبق جيرالد فورد الذي سجل ثلاث محاولات فقط نظراً لأزمة ووتر غيت واستقالة سلفه الرئيس رئيتشارد نيكسون.

         وأوضحت في سجل رصدها: 30 محاولة إبان عهد الرئيس دوايت آيزنهاور؛ 21 محاولة لسلفه هاري ترومان؛ 19 محاولة في عهد ليندون جونسون؛ 16 محاولة في عهد الرئيس رونالد ريغان؛ 15 محاولة في عهد الرئيس جون كنيدي؛ و 10 محاولات في حقبة الرئيس ريتشارد نيكسون.

         بالمقابل، رصد الاستاذ الجامعي الأميركي، دوف لفن، المتخصص بدراسة التطورات الانتخابية بين الحزبين قائلاً في دراسة قدمها بتاريخ 7 ديسمبر 2018 ".. عقب بحث متواصل لنحو عقد من الزمن لظاهرة التدخل لكل من الولايات المتحدة وروسيا (وقبلها الاتحاد السوفياتي) استطيع القول .. من المرجح حدوث تواطؤ (حملة ترامب مع روسيا) في سير الانتخابات؛ ومن غير المستبعد أن يتوصل تحقيق (فريق) موللر إلى دلائل قاطعة تثبت ذلك."

         تقرير موللر يشكل مقدمة لبدء حملة منافسة واتهامات متبادلة جديدة بين أقطاب صناع القرار في واشنطن، أفراداً ومؤسسات، كل يتشبث بموقفه وثنائية العزل من عدمها. الاستاذ الجامعي ومدير مكتب وزير الخارجية الأسبق كولن باول، لاري ويلكرسون، أوضح موقفه كعضو في الحزب الجمهوري قائلا أنه "يثمن الموقف الشجاع للنائب جاستين أماش (عماش) ويضم صوته للمطالبة والبدء باجراءات عزل الرئيس ترامب." (31 أيار الجاري.)

         واستدرك ويلكرسون معبراً عن احباطه وعدم ثقته بقيادات الحزب الديموقراطي اغتنام الفرصة وتنفيذ الاجراءات قائلا ".. لم أرى في حياتي مجموعة عاجزة وجبانة وغير كفؤة بدءاً بشارلز شومر وانتهاء بنانسي بيلوسي بين كافة اعضاء الكونغرس .. لا تتوفر لديهما الجرأة أو الشجاعة" للقيام بما يتطلبه ضمير الشعب المطالب بعزل الرئيس لانتهاكاته الجسيمة.

ينقسم الحزب الديموقراطي على الخطوة المقبلة رغم تنامي الدعوات في صفوفه وخاصة من بعض المرشحين للرئاسة للبدء بفتح ملف عزل ترامب؛ ولاتزال قياداته في مجلس النواب حذرة وتخشى أن يستفيد ترامب انتخابيا من تحشيد قاعدته بلعب دور الضحية أمام انصاره.