Get Adobe Flash player

 

17 أيار/مايو 2019

في الوقت الذي سرّعت فيه الولايات المتحدة وتركيا و «قوات سوريا الديمقراطية» المناقشات المتعلقة [بإقامة] منطقة آمنة محتملة في شمال شرق سوريا في الأسابيع الأخيرة، فقد أضافت رسالة مفاجئة في 6 أيار/مايو بُعداً جديداً على المحادثات. ففي أعقاب أول لقاء لزعيم «حزب العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان مع محامين منذ ثماني سنوات، أصدر مذكرة تدعو إلى [إجراء] "مفاوضات ديمقراطية" بين «قوات سوريا الديمقراطية» التي يقودها الأكراد وأنقرة من أجل تعزيز "الديمقراطية المحلية المنصوص عليها دستورياً ضمن إطار سوريا الموحدة."

وترى مصادر مطّلعة على الوضع أن توقيت رسالته كان يهدف إلى تسهيل التوصّل إلى اتفاق بشأن المنطقة الحدودية في شمال شرق سوريا، حيث تسيطر «قوات سوريا الديمقراطية» - بقيادة «وحدات حماية الشعب» المتفرّعة من «حزب العمال الكردستاني» الذي يحظى بدعم الولايات المتحدة - على تلك المناطق. وتتفاوض تركيا وواشنطن منذ شهور بشأن خطة تقوم على تنظيم دوريات مشتركة في منطقة آمنة تمتد على مسافة اثنين وثلاثين كلم تقريباً إلى داخل سوريا، وعلى انسحاب «قوات سوريا الديمقراطية» من جميع المناطق العازلة (إلّا أن طول ونقاط النهاية المحتملة لهذه المناطق لا تزال غير واضحة). وفي هذا الإطار، ذكر ممثلو «قوات سوريا الديمقراطية» أنّ المسؤولين الأمريكيين يضغطون عليهم للسماح لعدد محدود من القوات التركية بالدخول إلى هذه المنطقة المقترحة. ووفقاً لذلك، فإن بيان أوجلان قد يشجع الجماعة على اتباع المزيد من المرونة فيما يتعلق بهذه الأمور.

ورغم أن صانعي السياسة في الولايات المتحدة يعربون عن ثقتهم في إمكانية التوصل إلى مثل هذه الصفقة وتنفيذها، إلا أن التاريخ الحديث يجب أن يعطي المتفائلين مهلة للتفكير في الأمر. فإذا فشلت المحادثات، فقد تقرر القوات التركية الدخول إلى شمال شرق سوريا بمحض إرادتها. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا، كيف سترد «قوات سوريا الديمقراطية» على إقامة منطقة عازلة من جانب واحد؟

سوابق سيئة ولن تحقق نجاحاً

لطالما وصف مسؤولو «قوات سوريا الديمقراطية» احتمال انتشار الجيش التركي في معقلهم الشمالي الشرقي كأفكار لن تحقق نجاحاً. فهم يدركون أن أنقرة تنظر إلى «وحدات حماية الشعب» كنتاج مباشر لـ «حزب العمال الكردستاني»، الذي قاد حركة تمرد في تركيا منذ عام 1984 وصنفته السلطات التركية والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي كجماعة إرهابية. ووفقاً لذلك، يخشى كل من «وحدات حماية الشعب» وجناحها السياسي من أن أي تقدّم تحرزه تركيا في شمال شرق البلاد سيشكل تهديداً وجودياً للحركة بأكملها.

ولا تبشر التجربة الأخيرة بالخير بالنسبة لإمكانية استدامة مشاركة تركيا أيضاً. ففي أعقاب مفاوضات طويلة، اتفقت واشنطن وأنقرة في حزيران/يونيو الماضي على خارطة طريق لطرد «قوات سوريا الديمقراطية» من منبج التي تقع غرب نهر الفرات مباشرة حيث يبدأ الإقليم الرئيسي التابع لـ «وحدات حماية الشعب». ولكن الاتفاق لم يتحقق بعد على نحو كامل. فالدوريات الأمريكية-التركية المشتركة التي دعت إليها الاتفاقية لم تبدأ سوى بعد عدة أشهر من التوصل إلى اتفاق، ولا يزال مقاتلو «قوات سوريا الديمقراطية» في المدينة، بينما لا تزال الاشتباكات المتفرقة تندلع بين الميليشيات المدعومة من تركيا ووحدات «قوات سوريا الديمقراطية». ويشير الوضع القائم إلى أنه حتى لو تم التوصّل إلى اتفاق على الورق بين الأطراف المعنية بشأن شمال شرق البلاد، إلّا أن تنفيذه سيطرح تحديات كبيرة.

وفي خطاب ألقاه في 31 آذار/مارس، أعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أنّ "هدفنا الآن هو القضاء على الهياكل الإرهابية في منبج وشرق الفرات". وكان قد حذر مراراً وتكراراً من أنه سينشئ منطقة عازلة أحادية الجانب في تلك المناطق إذا فشلت المحادثات الأمريكية. وينبغي أخذ كلامه على محمل الجد بما أن تركيا تدخلت في شمال سوريا مرتين في السنوات الثلاث الماضية: عملية "درع الفرات" في آب/أغسطس 2016، وعملية "غصن الزيتون" في كانون الثاني/يناير 2018. وعلى الرغم من ادعاء أردوغان أن الهدف من تلك العمليات كان التصدّي لتنظيم «الدولة الإسلامية»، إلا أن الحملة الأولى ركزت على «قوات سوريا الديمقراطية» بقدر ما ركّزت على تنظيم «الدولة الإسلامية»، في حين صبّت الحملة الأخيرة تركيزها بالكامل على محاربة «وحدات حماية الشعب» و«قوات سوريا الديمقراطية».

ما الذي سيحدث إذا تدخلت تركيا؟

لا يمكن التوقع من «قوات سوريا الديمقراطية» أن تدافع بنجاح عن أراضيها ضد تركيا بدون مساعدة التحالف الذي تترأسه الولايات المتحدة. وبالنظر إلى النجاح الملحوظ الذي حققته «وحدات حماية الشعب»، فضلاً عن «قوات سوريا الديمقراطية» في وقت لاحق، في دحر تنظيم «الدولة الإسلامية»، فقد يبالغ المراقبون الخارجيون في تقدير مدى قدرة هذه القوات على الاعتماد على نفسها ضدّ عدو عسكري تقليدي.

على سبيل المثال، لم يكن بإمكانها الدفاع عن كوباني أو الاستيلاء على الرقة ومنبج ومعظم محافظة دير الزور من دون [مساعدة] القوات الجوية للتحالف. فقد أصبحت قواتها البرية قوية للغاية بفضل شراكتها مع القوات الخاصة الغربية، والعناصر الاستخباراتية، والدعم الجوي الوثيق. ولولا هذا الدعم، لما استطاعت على الأرجح الصمود في وجه الهجوم الذي تشنه القوات المقاتلة بالوكالة بدعم تركي، ناهيك عن الجيش التركي نفسه. ويصحّ ذلك بوجه خاص مع طبيعة الأرض المستوية التي لا تصبّ في مصلحتها في شمال شرق سوريا. فحتى عندما حاولت «وحدات حماية الشعب» أن تدافع عن جيبها الجبلي الغربي في عفرين - وهي أرض أكثر مناسبة بكثير للحرب غير النظامية - استطاعت القوات المدعومة من تركيا الاستيلاء عليها في غضون أشهر.

وفي ضوء هذه الحقائق العسكرية، لا تملك «قوات سوريا الديمقراطية» أي حافز لإعطاء تركيا ذريعة إضافية لمزيد من التدخلات، أو لإعطاء واشنطن سبب لسحب دعمها. وبالتالي، فإن أي انطباع بأن «حزب العمال الكردستاني» قد ينشّط حملته المسلحة في تركيا لردع العدوان على فرعه السوري كان خاطئاً على الأرجح حتى قبل رسالة أوجلان الأخيرة. فمنذ بداية الحرب السورية، أعطت «وحدات حماية الشعب» و «قوات سوريا الديمقراطية» الأولوية لتمييز حملاتهما عن صراع «حزب العمال الكردستاني» في تركيا. ويدرك المسؤولون الأكراد جيداً أن وقوع أعمال عنف أخرى من جانب «حزب العمال الكردستاني» سيؤدي إلى تحركات تركية مضادة على جانبي الحدود.

وفي الواقع، إذا ضعف دعم التحالف، فمن المحتمل أن تحاول «قوات سوريا الديمقراطية» إبرام اتفاق مع بشار الأسد وروسيا من أجل حماية المنطقة الشمالية الشرقية. فمنذ أن عززت سيطرتها على المنطقة، تعاونت «وحدات حماية الشعب»/«قوات سوريا الديمقراطية» عموماً مع نظام الأسد. على سبيل المثال، حافظ النظام على سيطرته في بعض الجيوب في القامشلي والحسكة التي تسيطر عليهما «وحدات حماية الشعب» منذ عام 2011 مع احتكاكات ضئيلة إلى جانب مناوشات عرضية.

ومع ذلك، تدرك «قوات سوريا الديمقراطية» جيداً كيف يمكن أن تكون دمشق وموسكو حليفان متقلبان، كما تَبيّن أثناء الاستيلاء التركي على عفرين. فقد أدّى سحب روسيا للقوات من ذلك الجيب وفتح النظام المجال الجوي لتركيا إلى تمهيد الطريق لذلك الهجوم. وبعد شهر من بدء العملية، دعت «وحدات حماية الشعب» بصورة ملحة إلى مساعدة الأسد، ولكن حتى الوجود المحدود للميليشيات المرتبطة بالنظام لم يتمكّن من وقف القوات التي تدعمها تركيا.

وفي الحقيقة، لا ترغب دمشق في تعزيز قوة الأكراد على الرغم من أنها سارعت إلى نجدتهم في بعض الأحيان. ويريد الأسد الذي أصبح الآن أكثر جرأة حثّ [جماعات مقاتلة في] أجزاء أخرى من سوريا على الخضوع، في حين تتعارض مطامح «وحدات حماية الشعب» - المعلنة والمتمثلة في إنشاء كيان تعددي شبه مستقل في الشمال الشرقي من البلاد - مع رؤية النظام.

ربما يكون الحفاظ على التماسك الداخلي أخطر تهديد قد تواجهه «قوات سوريا الديمقراطية» إذا تدخلت تركيا من جانب واحد. إذ تشير بيانات الاستقصاءات إلى أن العناصر العربية للجماعة ستنشق إذا أتيحت لها الفرصة، سواء أكانت القوى المعارضة المعنية تابعة لأردوغان أم الأسد. وعلى الرغم من الطبيعة المختلطة الأعراق لـ «قوات سوريا الديمقراطية»، فقد أذعن معظم العرب السُّنة في شمال شرق سوريا للإدارة المحلية التي يسيطر عليها الأكراد، ويعزى ذلك أساساً لأنها ضمنت الدعم الأمريكي واحتكار القوة. وإذا تحدّت القوات المدعومة من تركيا هذا الاحتكار وسط دعم متقلّب من جانب قوات التحالف، فبإمكان الانشقاقات العربية الواسعة النطاق أن تجعل من «قوات سوريا الديمقراطية» جماعة كردية بصورة أساسية.

وفي هذا السيناريو، من المرجح أن يضطر ما تبقّى من «قوات سوريا الديمقراطية» ذو الأغلبية الكردية الساحقة إلى الانسحاب من المناطق العربية-الكردية المختلطة أو ذات الغالبية العربية مثل منبج، وتل أبيض، والرقة ودير الزور، والتراجع إلى جيوبها الكردية المعزولة من أجل الحفاظ على ما تبقى لها من قدر محدود من استقلال ذاتي وسلطة. وبذلك، ستخسر في الوقت نفسه أفضل وسيلة ضغط للمساومة مع نظام الأسد بينما تُقلّص بدرجة كبيرة من فائدتها للولايات المتحدة وحلفاء التحالف الآخرين، الذين يريدون الحفاظ على قوة شريكة في المناطق ذات الغالبية العربية والتي تبدو أكثر عرضة لظهور تنظيم «الدولة الإسلامية» من جديد.

وباختصار، يمكن للتوغل التركي أن يفكّك «قوات سوريا الديمقراطية». وإذا فشلت المفاوضات الحالية، فيجب على صانعي السياسة في الولايات المتحدة أن يدركوا أن السماح لأنقرة بإنشاء منطقة عازلة أحادية الجانب قد يؤدي أساساً إلى القضاء على أفضل حليف للتحالف في سوريا. وبهدف ضمان حمايتها، ستضطر «قوات سوريا الديمقراطية» إلى السعي للتوصل إلى اتفاق مع نظام الأسد وروسيا، مما يضعف النفوذ الأمريكي في المنطقة بشكل حاسم.

جون هولاند - ماكووان هو باحث في "المركز الدولي لدراسة التطرف"، ومرشح لدرجة الدكتوراه في "جامعة كينغز كوليدج لندن"، وزميل قادم ما بعد الدكتوراه في "مركز بلفر للعلوم والشؤون الدولية" بـ "جامعة هارفارد".