Get Adobe Flash player

 

منذ أسابيع قليلة تداول كثيرون في العالم الفيديو الذي خاطب فيه الرئيس دونالد ترامب الملك السعودي بقوله "ماذا لديكم سوى المال" و "عليكم أن تدفعوا" وأن "تحصيل نصف مليار دولار من السعودية أسهل من تحصيل أجرة شقة في نيويورك"، وقد أوحت اللغة والأسلوب والطريقة وكأنّ المال الذي تدفعه السعودية للولايات المتحدة هو ملك أصلاً للأخيرة ولا خيار لدى الأولى سوى أن تدفع وتستمر بالدفع. وبعد ذلك ومنذ أسبوع ونيّف ونتيجة التطورات في الملف الإيراني خاطب الرئيس ترامب الحكومة الإيرانية بأنّه ينتظر اتصالهم وأنه يعيد التفاوض في الملف النووي، وأنّه سوف يساعدهم لإصلاح اقتصادهم الذي يعاني من صعوبات. ولكن أحداً من إيران لم ولن يتصل، والعارفون في الكونغرس والإدارة الأمريكية يعرفون ذلك وأنّ ترامب لن يتلقَ ذلك الاتصال الذي دعا إليه وينتظره، فهو لا يعلم مع من يتعامل ولا ماهية الخلفية التاريخية والحضارية لمن ظنّ أنّهم سيلبّون دعوته حال سماعهم لها. ولقد أربك هذا الموقف الإيراني الإدارة الأمريكية حيث يعتقد بعض أعضاء الكونغرس أنّ دعوة ترامب هذه وعدم تجاوب إيران معها يعتبر إهانة للولايات المتحدة، وأنّ ترامب هو الذي تسبّب بهذه الإهانة، وها هو الكونغرس الأمريكي يدعو إلى مساءلة بعض مسؤولي إدارة ترامب في الكونغرس وبشكل سري في محاولة لمعالجة مأزق وقعت به الولايات المتحدة نتيجة أسلوب ترامب وتصرفاته التي تعتمد على ما يقدّمه له بعض الصهاينة من معلومات مغلوطة عن الشعوب والحكومات حول العالم. واللافت في هذين المثلين الذين أوردتهما أنّ مخاطبة ترامب للملك السعودي بشكل غير لائق وغير مألوف في اللغة الدبلوماسية العالمية قد مرّت ولم يحاول أحد أن يجيب ترامب على استهتاره وأسلوبه أو يعترض على الأقل أو يتخذّ موقفاً. أمّا في الحالة الثانية فقد استنفر مسؤولون في جمهورية إيران الإسلامية وعلى مستويات عدة يتحدّون الولايات المتحدة ويعبّرون عن ثقتهم أنّ الولايات المتحدة لن تجرؤ على مهاجمة إيران وأنّ الشعب الإيراني موّحد ومستعد للدفاع عن بلده إلى أن تراجع ترامب وأعلن أنّه لا ينوي مهاجمة إيران وأنّه مازال قرب الهاتف ينتظر ذلك الاتصال الذي لن يحدث طبعاً.

من أين ينبع الفرق الجوهري بين هاتين الحالتين والأسلوبين واللغتين والحدثين؟، ينبع أولاً وأخيراً من تقييم الولايات المتحدة لقوّة الدولة الحقيقية وقدرتها على الصمود في وجهها. إذ من المعلوم تاريخياً أنّ الولايات المتحدة لا تحترم سوى القوّة وليست مؤسسة خيرية لتعبّر عن تعاطفها مع الضعفاء بل هي بلد قويّ وتحترم الأقوياء فقط، والقوّة هذه ليست كلمة عابرة وليست سهلة التحقّق بل هي تعبير عن قوّة الدولة علمياً وعسكرياً ومالياً وسياسياً ومجتمعياً ومؤسساتياً، وهنا بالذات تكمن نقطة ضعف الدول العربيّة وليس السعودية فقط لأنّ الأحداث في الدول العربيّة تظهر بما لا يقبل الشكّ الضعف الشديد في البنى المؤسساتية للدول وهشاشة هذه الدول التي تعاني من عجز مستأصل في بناء صيغة الحكم وآليات العمل التي هي الضمانة الأساسية لاستمرار وقوة ونهوض وازدهار الدول. فبعيداً عن الاستعراضات الإعلامية والكلام المجاني الذي لا طائل منه، فقد ركّز الغرب على استهداف إيران منذ سقوط الشاه وانتصار الثورة الإسلامية الإيرانية ودفعُ صدام لإشعال حرب مع إيران يهدف إلى استنزاف الطرفين: العراق وإيران والتخلص منهما كقوى إقليمية تقضّ مضاجع إسرائيل في المنطقة، ولكنّ نتيجة هذه الحرب كانت إضعاف العراق وحصاره والذي انتهى باحتلاله بينما قاومت إيران الحصار بأساليب خلاقة ومبتكرة وأصبحت رغم كلّ محاولات عزلها قوّة إقليمية يحسب لها حساب، وإذا كان البعض اليوم في الخليج يحلمون أنّ الولايات المتحدة ستشنّ حرباً على إيران وتخلّصهم من عدو وهمي مفترض خلقه لهم العدو الصهيوني، فإنّ الولايات المتحدة لن تفعل ذلك كما أعلن ترامب مؤخراً لأنّهم يعرفون قدرة إيران والأوراق التي تمسكها بيدها وهم لن يتورطوا في مغامرة غير محسوبة. أمّا الاحتواء المزدوج الذي تمارسه الولايات المتحدة اليوم فهو للخليج نفسه إذ ساعدت في خلق محورين وهميين لا أسباب أساسية للخلاف بينهما وهما محور قطر وتركيا ضد محور السعودية ومصر والإمارات، وما تفعله الولايات المتحدة اليوم هو أنّها تبيع السلاح لكلّ من قطر والسعودية والإمارات ومصر غير آبهة بالخلافات بينهم وتستنزف أموالهم جميعاً وتدفع بهم لتكثيف التطبيع مع العدو الصهيوني لأنّهم كلما ازدادوا ضعفاً كلما شعروا أنّهم بحاجة إلى منقذ ينقذهم، وكلما أسرعوا الخطى للتطبيع مع العدو على أمل إنقاذهم والحفاظ على سجلهم الناصع مع الولايات المتحدة كي يبقوا في دائرة "الأصدقاء" ظناً منهم أنّ الصداقة يمكن استجداؤها أو شراؤها بالمال، بينما الصداقة بين الدول كما هي بين الأشخاص نتيجة للاحترام المتبادل، ومن الواضح أنّ الولايات المتحدة وحكامها وإعلامها لا يحترمون حكّام الخليج والسعودية بل هم يتناولونهم علناً بالاستهزاء والسخرية. وفي نظرة متأنية إلى واقع الحال في وطننا العربيّ نجدّ أنّ المشكلة الجوهرية تكمن في عدم بناء أسباب القوّة في الدولة سواء أكانت مؤسسات أو أحزاب أو منظمات شعبية وآليات عمل تحكم هذه جميعاً، ولذلك فإنّ وطننا العربيّ بمجمله لم يحقّق تراكماً كمياً يؤدي إلى تحوّل نوعي لأنّ الأعمال تكون طارئة ولا تبنى على مافات، كما أنّها لا تؤسس لما هو قادم. بل إنّ كلّ مرحلة تشهد إزاحة ما تمّ العمل عليه في المرحلة السابقة والبدء مجدداً بإعادة اختراع الدولاب ولذلك نرى أنّ العالم قد وصل محطات هامة في التراكم المعرفي، وأنّ خطواته أخذت تتسارع في هذا المجال بينما تزداد الهوة بين العرب جميعاً وبين المحطات المعرفية التي توصل إليها العالم ولهذا نرى أنّ معظم استطلاعات الرأي في بلدان عربيّة مختلفة تظهر أنّ هدف الشباب الأساسي هو الهجرة إلى بلدان يحققون فيها طموحاتهم العلمية ويلعبون دوراً في النهضة العلمية والتقنية.

ما فعلته الجمهورية الإسلامية الإيرانية في العقود الأخيرة هو أنّها وطنّت العلوم والتكنولوجيا وأولت اهتماماً مميزاً للجامعات والبحث العلمي ومراكز الأبحاث وهذا بالذات ما فعلته الصين وماليزيا والهند والبرازيل كي تنهض وتسجل أرقاماً محترمة في سجلات الأبحاث والاختراعات العالمية. وإذا ما آمنا أنّه لا يوجد تقدّم دون ابتكار ندرك أسباب مراوحة بلداننا العربيّة في مكانها. وعلّ وضع الجامعات العربيّة والباحثين والمفكرين العرب يعبّر أصدق تعبير عن حال الأمّة وإمكاناتها.

لهذه الأسباب مجتمعة نلحظ الفرق في اللغة والأسلوب الساخر المتغطرس الذي يتوجه به ترامب لحكّام السعودية والخليج والأسلوب واللغة الذي يتوّجه به للقادة في إيران أو الصين أو كوريا الشمالية. مكانة الدولة تنبع من العمل الداخلي الذي تعمله فعلاً من أجل الإرتقاء بذاتها وتحقيق مؤشرات القوة العالمية في المجالات المختلفة وليس من خلال الاستعراض الإعلامي أو حتى امتلاك الأموال أو دفع الجزية لمن يتحكّم بقراراتها وينصّب نفسه حكماً عليها. أو ليس الوقت متأخراً اليوم لكلّ هذه الدول والتي يهيم أبناؤها في الشوارع ليشكلوا حدثاً سياسياً لا بنية له ولا قيادة ولا رؤيا ولا خطة أن تبني ذاتها وتحاول الارتقاء بمستواها واللحاق بالركب العالمي، لاشكّ أنّه متأخر جداً ولكن أن تصل متأخراً خير من أن لا تصل على الإطلاق.