فقدت أوروبا والادارة الاميركية في مؤتمر ميونيخ الأمني كل الاحترام الذي كانتا تتبادلانه في الايام الماضية.شهدنا خلال السنتين الماضيتين تمثيلية عابرة للمحيط، حيث يعلم الجميع أن هناك مشكلة، ينفيها زعماء اوروبا واميركا مؤكدين انه ليس هناك شيئ جوهري..

لكن في مؤتمر الأمن في ميونيخ العام 2019، والذي انعقد في عطلة نهاية الأسبوع، انتهى "التمرد". الموقف الأمريكي ينهار تحت وطأة تناقضاته. ويتخلف الأوروبيون عن الحنين للنظام المتعدد الأطراف. ويتم تجاهل التحدي الحقيقي المتمثل في التكتل السلطوي المتزايد.

وقد لخص وولفجانج إشنغر، رئيس مؤتمر ميونيخ​​، في افتتاح وختام المؤتمر مزاج التحدي. حيث افتتح إيشينجر البالغ من العمر 72 عاماً أعمال المنتدى وهو يرتدي قلنسوة مزركشة عليها علم الاتحاد الأوروبي- وهي هدية من حفيده، موبخا بشكل غير مباشر سياسة الإدارة الأمريكية تجاه اوروبا خلال الـ 70 سنة الماضية. بعد ثلاثة أيام قدم ملاحظاته الختامية مع اختتام هذا المؤتمر، ويرى بعض المنتقدين أن المتحدثين كانوا أقل اهتماما في إعادة الامور الى نصابها وعدم خلق المزيد من الفوضى في نظامنا الدولي".

يبدو أن نائب الرئيس الأميركي مايك بنس غير قادر على إلقاء خطاب من دون تقديم إعلانات طويلة للولاء للرئيس دونالد ترامب. في ميونيخ ذكر ترامب بالاسم 30 مرة ضعف عدد ما ذكره مستشار الأمن القومي هـ. ماكماستر في الخطاب الأمريكي العام الماضي. ووبخ ترامب في وقت لاحق ماكماستر على تويتر لزعزعة سلطته، وبدا الهدف الأساسي لبنس هو تجنب هذا المصير.

ومع ذلك فإن جوهر خطاب بنس كان أكثر أهمية وقلقًا. في العام 2017 تحدث بنس بإسهاب حول أهمية حلف الناتو وإنجازاته التاريخية. في العام 2019، لم يكن هناك شيء من ذلك، كان الثناء الوحيد على حلف الناتو هو رده الإيجابي على قيادة ترامب بشأن الإنفاق على الدفاع.

وبخلاف ذلك، عرض بنس سلسلة من الانتقادات الموجهة ضد حلف الناتو والاتحاد الأوروبي — لعدم قيامه بما يكفي بشأن إيران أو نورث ستريم 2 أو فنزويلا. (من المفارقات أن الاتحاد الأوروبي كان سيتبنى موقفا مشتركا بشأن هذا البند الأخير لولا استخدام الفيتو من الحكومة الإيطالية المؤيدة لترامب).

كان بنس قد جاء وتحدث عن التحدي المشترك الذي يواجهه التحالف من الصين، وهو ما توقعه الكثير من الأوروبيين والأمريكيين. كان ذلك بمثابة متابعة جديرة في ميونيخ. كان من شأنه أن يقلب الصفحة على فترة مثيرة للجدل في العلاقات بين ضفتي الأطلسي وتتقدم إلى الأمام. لم يختر هذا الطريق ربما خوفا من أن يتم إسقاطه من قبل الرئيس الذي رفض مرارا فكرة العمل مع الاتحاد الأوروبي بشأن الصين. لم يتم ذكر استراتيجية الإدارة الوطنية للأمن في منافسة القوى العظمى، ولم يكن هناك تدخل في الانتخابات، والذي وصفه رؤساء الاستخبارات في ادارة ترامب على أنه تهديد كبير يواجه الولايات المتحدة.

نهج الإدارة الأمريكية تجاه أوروبا أصبح الآن ممزقًا بالتناقضات. خذ إيران كمثال. قال مسؤولون كبار في الإدارة مراراً وتكراراً خلال العام الماضي إنه بينما كانت الولايات المتحدة تنسحب من الاتفاقية النووية الإيرانية المشتركة، لم تكن تدعو الاتحاد الأوروبي إلى أن يفعل نفس الشيء. وقالوا إن هذا أمر يخص الأوروبيين، بوصفهم دولاً ذات سيادة ليقرروا. من الواضح أن السيادة ليست كما كانت. مع عدم وجود أي تفسير للتحول إلى الوراء، طالب بنس الاتحاد الأوروبي بالانسحاب من خطة العمل الشاملة المشتركة JCPOA وكانت رسالته واضحة: يعني الحلف سيحصل على أي شيء تقرره واشنطن، حتى لو تغير ذلك بشكل أسبوعي.

لكن يبدو أن المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل تقدمت بانتقاد صارخ للوفد الأمريكي. كانت ميركل نشطة، ودافعت بشكل قوي عن سياسات ألمانيا. لقد سخرت من التصريح التجاري الصادر عن إدارة ترامب بأن السيارات الألمانية تمثل تهديدًا للأمن القومي للولايات المتحدة.

لقد دحضت ميركل اتهام واشنطن بأن الاتحاد الأوروبي ضعيف تجاه إيران من خلال الإشارة إلى أن الانسحاب الأمريكي المتهور من سوريا من شأنه أن يمكّن الإيرانيين في المنطقة.. ولاحظ توماس كلاين-بروكهوف من صندوق مارشال الألماني أن ميركل "لعبت في النهاية الدور الذي أراده الليبراليون الأمريكيون لها أن تلعبه، دور زعيم العالم الحر".

لكن تحت الطاولة لم يكن كل شيء على ما يرام، لقد عادت ميركل إلى الأيام القديمة ولم تقدم وسيلة لأوروبا للنجاح في عالم تحدده منافسة القوى العظمى. لقد قالت القليل عن الصين، وحصرت نفسها في بعض التعليقات على الممارسات التجارية غير العادلة ولم تقل أي شيء عن التحدي الاستبدادي الأوسع الذي يمثله النظام الدولي. بدا كل من وزراء الدفاع الألمان والبريطانيين والممثل الأعلى للاتحاد الأوروبي عالقين في منتصف العقد الأول من القرن الحالي، ولم يقدموا سوى القليل امام منافسة القوى العظمى التي تدور حولهم.

كان هناك أيضا غياب ملحوظ للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حيث الغى ظهوره المشترك مع ميركل بعد خلاف حول سياسة الطاقة للاتحاد الأوروبي. الفرنسيون غاضبون من الألمان الذين يعتقدون أنهم لا يستطيعون ولن يعملوا على الإصلاحات المطلوبة للاتحاد الأوروبي.

من ناحية أخرى، يرى الألمان الفرنسيين بأنهم قوميون ميؤوس منهم ، يحلمون بالزعامة الفرنسية الألمانية ولا يقدمون أي شيء للإيطاليين أو البولنديين أو غيرهم. في هذه الأثناء، قرر البريطانيون مواصلة العمل مع شركة التكنولوجيا الصينية "هواوي"، مقللين من حدة الرياح السائدة التي اجتاحت لديمقراطيات الغربية. هذا هو نوع المسألة الملموسة التي كان يجب أن يناقشها الحلف، لكنه خسر في المناقشات اللاهوتية حول القيادة والنظام.

بدا الأميركيون والأوروبيون متجهين لسنتين أخريين على الأقل من عدم الثقة المتبادلة. الألمان لا يحاولون حتى سحر ترامب بعد الآن. في العام 2017 صادقت المستشارة الألمانية إيفانكا ترامب على أمل تعزيز العلاقات مع الولايات المتحدة. قد يكون السبب في أن الابنة الأولى حضرت لميونيخ هذا العام. إلا أن أنغيريت كرام كارينباور،ظلت على مسافة بعيدة من إيفانكا.

الموقف الأوروبي مفهوم لكنه محفوف بالمخاطر، المساعدة إن أتت لن تصل حتى العام 2021. تنتشر الشائعات في واشنطن عن تحرك ترامب من جديد ضد حلف الناتو، الذي يستعد لعقد اجتماع كبير في واشنطن في أبريل. ولا يزال على ترامب اختيار وزير دفاع جديد. كان السكرتير بالإنابة، باتريك شاناهان، في مؤتمر ميونيخ ولكنه لم يتحدث. وهو يفقد الدعم في الكابيتول هيل، وغير واضح ما إذا كان سيتم ترشيحه.

لكن على الرغم من كل مشاكل السياسة والأفراد لا يمكن للحلف أن ينتظر عامين. قد تعتقد إدارة ترامب أنها لا تحتاج إلى أوروبا، وقد يعتقد الأوروبيون أن أمريكا فقدت عظمتها مؤقتًا، ولكن في الوقت نفسه، تكتسب الصين وروسيا الأرض. ففي ميونيخ، قدم يانغ جيتشي، وهو مسؤول صيني رفيع المستوى، خطابًا طويلًا حول الحلول التي تعود بالفائدة على الجميع وفوائد تعددية الأطراف، والتي كانت تتعارض تمامًا مع سلوك الصين الحازم والمزعزع بشكل متزايد.

كان فولفجانج إشنغر على حق، هناك مشكلة كبيرة، يتراجع الزعماء الغربيون إلى ثغراتهم، ويأخذون بالنهج العشوائي بعضهم بعضاً، بدلاً من معرفة كيفية التعامل مع التحديات الجديدة، لقد حالفنا الحظ حتى الآن بأنه لم تحدث أزمة كبيرة في عهد ترامب، لكن الحظ لن يستمر إلى الأبد. عندما ينكسر، لا يهم على من يقع اللوم..

ترجمة: وكالة اخبار الشرق الجديد- ناديا حمدان

https://www.theatlantic.com/ideas/archive/2019/02/mutual-distrust-2019-munich-security-conference/583015/