Get Adobe Flash player

 

في ذكرى وفاته الجسدية السابعة , وهو الحي الذي يعيش فينا بشكل دائم .. أرى من واجبي ككاتب ومثقف فلسطيني أولا : وجوب إعطاء هذه القامة العملاقة جزءا ولو قليلا من حقها علينا .. وله علينا الكثير من الفضائل والحقوق.. ومهما كتبنا لن نفيه ما يستحقه...ثم إنني أحد رفاقه وتلامذته (مثل كل أعضاء الجبهة) ممن عاشوا عصر جورج حبش... ثانيا ... ولعلي أكون قد وفقت ولو قليلا.. أرجو ذلك.

بدايةً، لا بد من التطرق إلى صعوبة الفصل بين الفكر السياسي للحكيم وبين الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ومقارنته بفكر/ سياسات آخرين/فصائل أخرى ولو بلمحات موجزة ، ثم إلى صعوبة الفصل في تناول الجوانب السياسية والنظرية الفكرية والتنظيمية كلا على حدة، فهي جوانب متداخلة ويكمل كل منها الأخر، وإلى أهمية التطرق المختصر لبعض الصيغ السياسية التي أنشأتها الجبهة في الرد على منعطفات سياسية حادة في الساحة الفلسطينية. كذلك أرى من الضروري الإشارة إلى دور قيادات   أخرى سواء في حركة القوميين العرب و الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في صياغة المبادىء الفكرية والسياسات المتبنّاة. والتأكيد على دور الحكيم جورج حبش في هذه الورقة لا يعني في مطلق الأحوال إنكار دور الآخرين . لقد آمن الحكيم طيلة حياته بالديمقرواطية الحزبية :اعتناقا وممارسة , كما رفض بتواضع كبيرأن ينسب لنفسه أية إنجازات للجبهة فهو من رواد "العمل الجماعي"وممن يقدر ويحترم جهود الآخرين . بالرغم من كل ما تقدم : ظل موقف الحكيم وشخصه بمثابة البوصلة للجبهة .. بدوره .. لطالما اهتدى في كل مواقفه لبوصلة الموقف الجماهيري.

إذا كان المبدأ الغورباتشوفي لتعريف السياسة: بأنها فن الممكن، فإن تعريفها عند جورج حبش"بأنها فن صياغة الموقف الصحيح والسليم، المستند إلى فكر في التعامل مع الحدث". المبدأ الأول( إضافة إلى عوامل أخرى مساعدة) كان سبباً في انهيار الاتحاد السوفياتي ودول المنظومة الاشتراكية بشكل عام لصالح الإمبريالية والرأسمال المالي العالمي، والثاني من خلال التزامه بصدقيته ومبدأيته تمكن من بناء تنظيمين: الأول حركة القوميين العرب، التي أصبحت في مدة زمنية قصيرة نسبياً الحزب العربي الأبرز في الساحة العربية , والذي أضاء مشعلاً أمام الجماهير العربية من المحيط إلى الخليج، والذي حقق انتصارات عديدة على الصعيد العربي برمته، الحزب الذي انطلق من رفض واقع الهزيمة المتمثلة في النكبة وتداعياتها، ولعل من أهمها: التحول الكبير في هوية الإنسان الفلسطيني من حالة اللاجئ المتصدّق عليه إلى حالة الهوية الوطنية المناضلة , من أجل استعادة أرضها وحقوق شعبها المغتصبة. أما التنظيم الثاني: فهو الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، التي شكلت في الساحة الفلسطينية نقلة نوعية جديدة على الأصعدة السياسية، الفكرية، التنظيمية، المسلكية، والتي جرى الاصطلاح على تسميتها فلسطينياً وعربياً بــ(صمام أمان الثورة الفلسطينية)، هذه النقلة التي ما كانت لتتم بمعزل عن جورج حبش مؤسس التنظيمين والذي لعب دوراً ريادياً مركزياً في صياغة المواقف السياسية للتنظيمين على مدى تاريخهما.

قد تختلف الآراء في تعريف مقولة(الفكر) أولاً، و(الفكر السياسي) ثانياً، لكن القاسم المشترك بينها جميعاً يتوحد في النظرة إلى:

الفكر باعتباره إطاراً نظرياً شاملاً لدراسة وتصور ماضي وحاضر ومستقبل مطلق ظاهرة، وفي الحالة السياسية ينطبق ذلك على ما نسميه بــ(الفكر السياسي). والأخير بالضرورة يتناول ويشتمل قضايا كثيرة بما فيها الفلسفة,فهما يطرحان تصورات عن واقع سياسي جديد، لكنهما يختلفان عن مفهوم(النظرية السياسة) التي هي :مجرد حالة تفسيرية لواقع أو ظاهرة سياسية موجودة بالفعل.

بالتالي، فــ(الفكر السياسي) يطرح أسئلة عن الشكل والمضمون بمختلف جوانبه في دولة كانت أم في تنظيم ,يحدد كيفية بلورة السلوك السياسي إزاءها, بما يتضمنه ذلك من نظريات يحملها في تفسير الواقع.

والوحدة بين الفكر والوجود , هي الوحدة الأولية, التي تشكل الأساس الجوهري للعالم وفقاً لهيغيل.

وبإسناد التراث السياسي لجورج حبش منذ بداياته وحتى اللحظة لتعريف(الفكر) يتبين أنه (فكر سياسي) بامتياز، وليس (نظريات سياسية) مسبقة الصنع، إنه إبداع حقيقي في تفسير الواقع أولاً، وتجييره في مواقف مستندة إلى خلفية نظرية في عملية تحول ديناميكي متطور, بعيداً عن الجمود والصنمية، والقوالب السياسية الجاهزة، وهذا ما جعل الجبهة الشعبية , في نظر الأمين العام الأسبق للحزب الشيوعي اللبناني المناضل المرحوم جورج حاوي،بأن يصفها ,بأنها التنظيم الذي أعاد للماركسية وجهها المقاتل.

تختلف التعريفات أيضاً بالنسبة لـــ(المفكر)، لكنها تتفق جميعاً على تعريفه,باعتباره من يملك رؤيةً نقدية للواقع , ويحدد معالم المستقبل , وفقاً لما يحمله من فكر نابع من التفكير الأصلي للإنسان، بالتالي فإن مهمته تتلخص في إحضار الوجود عن طريق صياغة الموقف.

ولعل كثيرون من المثقفين يرون تلازمية التعريف السابق مع الصفات التي يتوجب توفرها في المفكر مثل: حبه الشديد للمعرفة، وامتلاكه للنسيج الفكري الخاص به، وشعوره العالي بالمسؤولية إضافة إلى ..استقلاليته.

وإذا ما أرجعنا التراث الفكري لجورج حبش إلى التقييم والمواصفات السابقة، يتبين لدينا وبلا أدنى شك أنه مفكر نظري وسياسي من طراز رفيع ليس على المستوى الفلسطيني فحسب، وإنما بالمعنى العربي القومي, الذي لا يرى تناقضاً في الترابط بين الخصوصية الوطنية الفلسطينية والبعد القومي العربي، باعتبار هذه العلاقة العضوية جزءاً من تصور أممي للسمات العامة المشتركة لقضايا التحرر الوطني على صعيد الكرة الأرضية في عملية المجابهة لأعدائها ومغتصبي إرادتها، والذين يمتلكون صفات عامة مشتركة فيما بينهم، وبالضرورة فإن ذلك لا يلغي الخصوصية في الجانبين لكل حركة تحرر وطني في ذاتها، وتجربتها أولاً وفي خصوصية العدو الذي تواجهه من ناحية أخرى.

من هنا، ورغم تبني الجبهة الشعبية وجورج حبش على رأسها، للفكر اليساري التقدمي والاهتداء بالنظرية الماركسية اللينينية، فإن ذلك لم يمنع جورج حبش ولا الجبهة الشعبية من صياغة المواقف السياسية المستندة إلى إيمان عقيدي جذري , مثل تحرير فلسطين كل فلسطين من النهر إلى البحر، بغض النظر عن تلاؤم هذه المواقف مع الأخرى الشبيهة لأباطرة اليسار في العالم، ولدهاقنة الماركسية اللينينية أيضاً. بالتالي انفردت الجبهة الشعبية في تجربة خاصة بها عن تجربة اليسار بمختلف أسمائه في الساحة الفلسطينية، بعيداً عن انتهاج الموقف المسبق الصنع،ورضى هذه القوة أو غضب الأخرى، وذلك في خصوصية اقتضاها الرد على خصوصية العدو واستثنائيته وخطره الكامن ليس على الصعيد الفلسطيني فحسب , وإنما على الصعيد العربي والدولي أيضاً.ولذلك كان قرار الأمم المتحدة حول الصهيونية باعتبارها شكلا من أشكال العنصرية والتمييز العنصري. والكل يدرك طبيعة المتغيرات الدولية التي أدت الى الغاء هذا القرار.

جورج حبش كمفكر من طراز رفيع امتلك القدرة على الحركة في الفكر السياسي في جوانب متعددة أبرزها:

الأول: المواءمة الدقيقة بين التكتيك السياسي، دعنا نقول الصياغة السياسية للموقف تجاه حدثٍ معين، وتماهيه مع الأهداف السياسية الاستراتيجية. صحيح أنه وعند محاكمة تجربة الجبهة الشعبية ,فأنها تقع ضمن خط متطور صاعدٍ باستمرار, شهد بعضا من التجارب في التراجعات, وفي عدم الانسجام بين التكتيك السياسي والهدف الاستراتيجي , لكن الجبهة امتلكت الجرأة لتقف بشجاعة أمام أخطائها تلك, كبداية لمحطات تقييمية تجريها دوريا، وكانت تعود في معظمها إلى الموقف الصائب.

الثاني: إتقان فن الخروج من المنعطفات السياسية الحادة بصياغة موقف سياسي مرن لا يلغير الاستراتيجية المعتنقة، يتعاطى مع الواقع ومعطياته، ولا يناقض الهدف الاستراتيجي بأي شكل من الأشكال. خير مثالٍ على ذلك هو الموقف من البرنامج المرحلي(النقاط العشر في الدورة العاشرة للمجلس الوطني الفلسطيني في القاهرة) حين طرحت الجبهة الموافقة مع التحفظ (اعتباره برنامجيا مرحليا ليس إلا , وليس برنامجا استراتيجيا مثلما فهمه آخرون! )على هذا البرنامج كموقف اعتراضي على ما يجري طرحه من حلول تهدف إلى تصفية القضية الفلسطينية.

الثالث: الموقف السياسي الواضح ذو النقاط المحددة حول القضايا المعنية دون قابليته للتأويل أو التفسير من قبل الأخر أو أية جهة كانت , والتشخيص الدقيق للواقع كمثل: الموقف من هزيمة الأنظمة العربية في حزيران عام 1967 والتي رأت فيها الجبهة هزيمة لبرامج هذه الأنظمة. لقد تعودنا في الثورة الفلسطينية على صياغة مواقف سياسية معينة، يجري خرقها أو ممارسة النقيض منها بشكل متكامل، هذه الازدواجية, أفقدت أهم ما يتوجب أن يميز العلاقة بين القائد والجماهير، المادة الأساسية للثورة، وهي الثقة في أمانة هذا القائد السياسي أو ذاك، مع تداعيات ذلك وصولاً إلى ما يشبه أزمة الثقة فيه أو في الفصيل الثوري الذي يقوده.

الرابع: الانشداد الدائم للوحدة الوطنية , مع الفارق في المواقف السياسية بعيداً عن المراهقة السياسية، والمواقف التي تتخذ طابع ردود الفعل, بما تحمله من عناصر النزق. ولطالما جرى انتقاد الدكتور جورج حبش ومعه الجبهة الشعبية,بتغليب هذا الاشتراط الثوري في مرحلة التحرر الوطني وصولاً إلى الانتصار،على حساب ايجابية الطلاق النهائي مع اليمين. واقع الانقسام الحالي وتداعياته الشديدة الخطر والتي أدت إلى تراجع المشروع الوطني، هي خير دليل على صحة ما نقول. تميز جورج حبش بالنظرة الاستراتيجية البعيدة الأمد في موضوع الوحدة الوطنية الفلسطينية على قاعدة القانون النظري وحدة، صراع، وحدة.

الخامس: المواقف السياسية التي اتخذها الحكيم والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين عموماً، تماهت مع المزاج الجماهيري الفلسطيني. هذا لا يعني انقياداً واحتكاماً لهذا المزاج, ولا يعني الشكل المطلق أيضاً. الظاهرة إن دلت على شيء فإنما على صوابية المواقف المتخذة من الحكيم والجبهة.

السادس: التحرك الديناميكي في صياغة الشعارات الاستراتيجية والشعارات السياسية للمواقف المحددة، وفقاً لرؤية تنسجم مع الفكر النظري من ناحية , وتحويل هذه الشعارات إلى خطوات عملية فعلية يجري اتخاذها على الأرض من ناحية ثانية.

في شعاراتها الاستراتيجية: وحدة، تحرر، ثأر، فإن حركة القوميين العرب لم تضع يدها فقط , على الشعارات الأساسية التي تجسد مواجهة الحاضر والتخطيط للمستقبل , واستحضار الماضي للاستفادة من دروسه، وإنما جسدت التراتبية الصحيحة في وضع هذه الشعارات. فالوحدة هي طريق التحرر، وهو بدوره يؤدي إلى الثأر من العدو, ليس بمعناه اللفظي, وإنما في تحرير فلسطين كاملة, واستعادة كافة الحقوق الوطنية الفلسطينية المغتصبة.

انسحب ذلك على شعارات الجبهة الشعبية , التي عممت شعارات في أوقات اقتضت مثل هذا التعميم من نمط(وراء العدو في كل مكان) ,وامتلكت قدرة الرؤية على وقف بعض الأساليب الكفاحية التي استنفذت أغراضها, على سبيل المثال لا الحصر, موضوع خطف الطائرات.

السابع: في تطبيقاتها السياسية المستندة إلى فكر ماركسي –لينيني لم تُخضع الجبهة الشعبية الواقع إلى المقولات النظرية الجامدة كما فعلت الكثير من الأحزاب الشيوعية واليسارية عموماً,بل كانت لها اجتهاداتها وأخضعت النظرية لحركة هذا الواقع، مع الإبقاء التام على مضمون ذات القوانين , ولكن بحركتها الدائمة، المنسجمة مع ظروف وعوامل هذا الواقع. ومن هنا أخذت الكثير من الأحزاب الشيوعية والأخرى اليسارية (و بخاصة العربية) والدولية أيضاً، والاتحاد السوفياتي وبعض الدول الاشتراكية الأخرى، مآخذ كثيرة على الجبهة، واتهمتها في كثير من الأحيان بالتطرف اليساري،والماوية. احتاجت هذه القوى لمرحلة زمنية ليست قصيرة لتفهم جورج حبش والجبهة الشعبية على حقيقتيهما، ورغم كل الاتهامات, لم تتصرف الجبهة بردود الفعل النزقة، وظلت لوحة تحالفاتها كما هي مثبتة في استراتيجيتها السياسية والتنظيمية, بعيدة عن المزاجية وشخصنة القضايا, تماماً مثلما ظل تصنيفها الواعي للعدو وتحالفاته.

الثامن: في صياغته لمواقفه السياسية، وللجبهة أيضاً , انطلق الحكيم من مبدأ محاورة الآخر, والاعتماد على المبدأ الديموقراطي الذي كرّسه في الهيئات المركزية للجبهة, وفي مختلف قواعدها, مما أغنى وجهة نظر الجبهة, في كافة القضايا السياسية التي اتخذت منها مواقف بعيدة عن الروح الفردية، وتأليه القائد وحتمية الصوابية في وجهة النظر السياسية التي يحددها, وما على التنظيم أو الحزب سوى ترديد ما يقوله القائد. نحن لا نتحدث عن قضايا غيبية، بل من واقع الثورة الفلسطينية وكما كان يحدث في بعض تنظيمات المقاومة، ولعل خير دليل على إيمان الحكيم بالديموقراطية, هو تخليه الطوعي عن الأمانة العامة للجبهة في عام 2000، في خطوة غريبة عن   التنظيمات الفلسطينية والعربية, وقوى اليسار, التي لا يغيب أمناءها العامين عن مواقعهم, سوى الموت.

التاسع: برغم صعوبة التحول من الإطار القومي المجرد في تجربة حركة القوميين العرب إلى الحزب المتبني للماركسية اللينينية، استطاع جورج حبش في صياغته:للاستراتيجية السياسية والتنظيمية تحديد الفكر السياسي الواضح بالنسبة لقراءة الواقع أولاً وبالنسبة لمعرفة العدو ثانياً، وبالنسبة للأهداف الاستراتيجية للنضال ثالثاً.

في باب(الاستراتيجية السياسية) ورد في الاستراتيجية السياسية والتنظيمية للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، والتي تم طباعتها في وقت مبكر من عمر الثورة في عام 1969 جاء ما يلي: (إن ما يقرر النجاح –في الثورة- هو الرؤية الواضحة للأمور وللقوى الموضوعية التي تخوض الصراع. وما يقرر الفشل هو العفوية والارتجال . من هنا تبدو واضحة أهمية الفكر السياسي العلمي الذي يرشد الثورة ويحدد لها استراتيجيتها) وجاء فيها أيضاً: (ولكي يقوم الفكر السياسي بهذا الدور الثوري، لا بد أن يكون فكراً علمياً أولاً، وواضحاً بحيث يكون في متناول الجميع ثانياً، ومتجاوزاً للعموميات وموغلاً قدر الإمكان في الرؤية الاستراتيجية والتكتيكية للمعركة بحيث يشكل دليلاً للمقاتلين في مواجهتهم ثالثاً).

العاشر: لعل من أبرز المواقف السياسية الشديدة الوضوح في الفكر السياسي للحكيم، الموقف السياسي من الانتفاضة الفلسطينية الأولى،التي قيّمتها الجبهة الشعبية بأنها(لو استمرت فإنها تحول شعار تحقيق الدولة الفلسطينية من إمكانيته النظرية إلى إمكانيته الواقعية) وبأنه(جرى استثمارها بشكل مبكر وبطريقة خاطئة).

وبالفعل لقد جرى تجيير الانتفاضة واستثمارها السياسي في اتفاقيات أوسلو المشؤومة ,التي أدانها الحكيم والجبهة بتعبيرات شديدة القسوة، لكنها تمثل حقيقة القادة الفلسطينيين الذين وقعوا عليها وعلى ملحقاتها في اكثر من موقع، هذه الاتفاقيات التي لم تجلب سوى الدمار للشعب الفلسطيني.

الحادي عشر: وضوح تام للوحة التناقضات السياسية فلسطينياً وعربياً ودولياً عند الحكيم في كل مرحلة سياسية معينة، الأمر الذي سهّل عليه وعلى الجبهة صياغة الموقف السياسي الملائم المستند إلى فكر الجبهة السياسي ومعتقدها الأيديولوجي. لذا كان من الواضح أن الرأي الشعبي بالنسبة للموقف من الحدث في كثير من الأحيان يتحدد وفقاً لرؤية الجبهة الشعبية منه، وهو ما عزز الثقة بالجبهة من قبل جماهيرها الفلسطينية عموماً.

الثاني عشر: استعمال اللغة البسيطة في صياغة المواقف السياسية بعيداً عن التعقيد اللفظي والدوران في استعمال الألفاظ المعقدة للغة، كما يفعل كثيرون في الساحة الفلسطينية, ممن يعتقدون بأهمية التنظير من شرفة فوقية على الجماهير. ميزة جورج حبش أنه يستعمل لغة سلسلة مفهومة بالنسبة للسامع أو القارئ، وحتى لأعقد المواقف السياسية والنظرية الفكرية، بما فيها الفلسفية منها يطرحها بلغة بسيطة.

الثالث عشر: تشكيل منظومة أخلاقية يستند إليها الفكر كما السياسة، من خلال الشفافية العالية في التعامل مع القضايا، ومن خلال المراقبة والمحاسبة, لا من أجل قتل المريض ولكن من أجل شفائه، ولذلك ليس غريباً أن يطلق على الحكيم وأبو ماهر اليماني أن كلاً منهم بمثابة الضمير للثورة الفلسطينية , وعلى أبو علي مصطفى بعد استشهاده , أنه عاش نظيف اليد واللسان، نؤكد على هذه المسألة نتيجةللظواهرالمسلكية البشعة في الثورة الفلسطينية , التي رأيناها على مدى عمر سنوات الثورة، وما زلنا نراها دون مراقبة أو محاسبة. وهذا ليس صدفة.

لم يقف الحكيم والجبهة عند الأدبيات الأساسية التي أُقرّت في المؤتمر الوطني الثاني المنعقد في شباط 1969، بجمود، بل وعلى مسار تطور الجبهة، أخضعت هذه الأدبيات إلى عمليات مراجعة شاملة حيث يجري تنقيحها وحذف ما أثبت خطأه، وإضافة ما اعتبر أنه لازم من أجل اغناء المقولات التي تضمنتها هذه الأدبيات.

فعلى صعيد الاستراتيجية السياسية: جرت تعديلات على سياق تحديد أطراف المعسكر المعادي للثورة، وتم في التعديل الجديد، تحميل المسؤولية للأحزاب والتنظيمات والقوى السياسية التي قادت –وتقود- نضالات الجماهير الفلسطينية. إن القيادات السياسية التقليدية لشعبنا الفلسطيني-وليس شعبنا الفلسطيني- هي التي عجزت عن بلورة أحاسيس الجماهير الفلسطينية إلى فكر سياسي واضح, يحدد بدقة وبشكل حاسم , معسكر أعداء الثورة.

جرى أيضاً تعديل التعريف للحركة الصهيونية باعتبارها من قبل(حركة دينية عنصرية.... الخ) إلى اعتبارها حركة سياسية مغرقة في رجعيتها وفاشيتها وعنصريتها , تعبر عن المصالح والأهداف الطبقية للبورجوازية اليهودية والتي ترتبط عضوياً بمخططات ومصالح وأهداف الإمبريالية العالمية.

هذا التعريف الذي يتماهى في جوهره مع قرار الأمم المتحدة الذي"اعتبر الصهيونية شكلاً من أشكال العنصرية والتمييز العنصري" الذي تناولناه سابقا.

في التعديلات أيضاً تمت الإشارة إلى الخطأ السابق في استبعاد الفلاحين من البورجوازية الصغيرة كطبقة وفقاً للتعريف اللينيني للطبقات في المجتمعات الرأسمالية ,والتي يقول عنها لينين(الطبقات التي نعرفها في المجتمع الرأسمالي وشبه الرأسمالي هي ثلاث:البورجوازيةوالبورجوازية الصغيرة والتي يمثل الفلاحون عنصرها الرئيسي-والبروليتاريا).

على نفس السياق جرت تعديلات في النظرة إلى البورجوازية الفلسطينية ودروها في الثورة، والتعديلات أيضاً جرت على الكثير من القضايا الأخرى(ومن يود الاضطلاع على المزيد من المعلومات فليعد إلى الاستراتيجية السياسية والتنظيمية التي أصدرتها دائرة الإعلام المركزي في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين, 1983, الطبعة الرابعة).

على صعيد آخر، فإن الفكر السياسي لجورج حبش، وصياغة مواقفه السياسية تجاه الأحداث، لم تذب في المواقف الحليفة الآخرى، فعلى سبيل المثال ورغم الزخم الذي مثلته الناصرية وشخص الرئيس عبد الناصر، تمسكت حركة القوميين العرب ومن ثم الجبهة الشعبية فيما بعد، ونحن نتحدث ,عن جورج حبش بالطبع مؤسس التنظيمين , بالحفاظ على أصالة المواقف السياسية, اتفقت مع الرئيس في قضايا, واختلفت معه في قضايا أخرى(على سبيل المثال لا الحصر: الموقف من الثورة في جنوب اليمن ومحاربة المخابرات المصرية للجبهة القومية، الفرع اليمني الجنوبي في حركة القوميين العرب، لصالح جبهة تحرير جنوب اليمن، برئاسة عبد الله الأصنج، وكذلك الموقف من تبني مصر في عهد عبد الناصر لمبادرة روجرز).

دعمّت تجربة الوحدة العربية بين مصر وسوريا, من العلاقة بين مصر وحركة القوميين العرب، لكن ورغم هذه العلاقة لم يتوان جورج حبش في تشخيصه لإخفاق هذه التجربة, في ما حدث من انفصال , عن التطرق لحقيقة هذه الأسباب(مثلما ذكرها في كتاب , الثوريون لا يموتون أبداً, في الحوار مع الصحفي الفرنسي جورج مالبرينو، والصادر عن دار الساقي 2009)، والمسجلة في أدبيات الحركة والجبهة فيما بعد، والتي تتمثل في أسباب كثيرة(لسنا بصدد تعدادها)، أبرزها: غياب الديموقراطية، فلم يكن يسمح بحرية العمل السياسي للتعددية الحزبية. هاجس الديموقراطية الذي ظلّ مع جورج حبش حتى يومه الأخير.

لعل ما يتوجب على الباحث في الفكر السياسي للحكيم، الاضطلاع على آخر مقالة له، بعنوان: أزمة اليسار العربي.... إلى أين؟ والموجودة على شبكة الإنترنت تحت عنوان(أخبار العرب-كندا)،إضافة بالطبع إلى أدبيات حركة القوميين العرب، والأخرى الصادرة عن الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، ولعل من أهمها: الاستراتيجية السياسية والتنظيمية.

في مقالته الأخيرة، يشدد الحكيم في نظرته التقويمية لحركة اليسار على تعبير(الماركسية القومية) باعتبارها أحد جناحي حركة اليسار العربي، هذا التعبير الدقيق، الذي جرى إهماله تماماً من الجناح الأول في حركة اليسار، وهو: الجناح الشيوعي , على مدار سنوات طويلة.

بدايةً، من يقرأ لينين، ومؤلفه القيّم حركة شعوب الشرق الوطنية التحررية, ومن يتتبع الموقف الماركسي-اللينيني من المسألة القومية , يلاحظ دقة هذا المفهوم في هذه الأدبيات، فقد ميّز لينين تمييزاً صارماً بين القومية المظلومة والقومية الظالمة، وفرض على الأحزاب الشيوعية في أوروبا تأييد الأولى , وشجب الثانية.

نورد هذه المسألة لمزيد من فهم الفكر السياسي لجورج حبش، سواء في تحليل الواقع الفلسطيني والعربي رغم التعقيدات الكبيرة في كل منهما، وإيمانه الحتمي بضرورة وحدة اليسار على المستوى القطري أولاً كخطوة على تحقيق وحدة اليسار العربي، ففي تشخيصه للأسباب التي أدت إلى إخفاق الكثير من الأحزاب الشيوعية في تجاربها العربية، يعدد أبرزها والمتمثلة في أولاً: الإخفاق في استيعاب ووعي حركة الواقع وبالتالي الفشل في تغييره. ثانياً: عدم إنجاز هدف الوحدة العربية كرّس الواقع القطري، الذي أفزر بدوره قوى يسارية قطرية طرحت على برامجها ومهماتها برامج قطرية، دون التطرق بل حتى نسيان البرامج على المستوى القومي. ثالثاً: إن الأحزاب اليسارية القومية وجدت نفسها عاجزة عن التأثير والفعل العملي على مستوى القضايا القومية، وانحصر جهدها في المستوى النظري.

يتطرق الحكيم في المقالة المشار إليها إلى التغييرات الاقتصادية في الوطن العربي والعلاقة مع الرأسمالية العالمية، والخصوصيات التي امتاز بها الوطن العربي في عملية تطوره، والذي أثرّ على مجمل عملية النمو، والتي حالت دون إحداث تحولات كبيرة، اقتصادية، اجتماعية، جذرية على المستويين الوطني والقومي.

في اعتقادنا، أن هذا التحليل المختصر للدكتور جورج حبش يبين أيضاً وبما لا يقبل مجالاً للشك: التطور في مفاهيم الحكيم النظرية-السياسية، مبيناً: أن انهيار الأنظمة الشيوعية التي كانت في غالبيتها نتاجاً للنظام الستاليني الشمولي، وهذا الانهيار لا يعني أن البديل الحقيقي هو الديموقراطية البورجوازية، أو الليبرالية الجديدة، كما يدعو البعض , بل أن البديل الحقيقي هو الديموقراطية الاشتراكية , التي تعني ضمناً , ليس الديموقراطية السياسية فحسب، بل الديمقراطية بمفهومها الأوسع والأشمل، وأبعادها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وهذا ما كانت تفتقده تجارب بلدان المنظومة الاشتراكية.

كل ذلك إضافة بالطبع إلى أهمية أن يتضمن جدول أعمال اليسار بشكل عام: المهمات القومية من جهة، وشعار(الوحدة العربية) من جهة أخرى. في تقديرنا، فإن الحكيم هو أحد المجددين القلائل الذين أضفوا على الماركسية بعدها القومي , على الصعيد العربي.

يعود جورج حبش في مقالته الأخيرة إلى وثائق قديمة عديدة ولعل من أهمها:الوثائق الصادرة عن كونفرنس مشترك جرى بين الحزبين الشيوعي السوري , والفلسطيني في عام 1931، ويخصص بالذكر الوثيقة المنشورة بعنوان(مهمات الشيوعيين في الحركة القومية العربية) ويبين , مدى الدقة النظرية التي تحلى بها الحزبان في فهم: قضية فلسطين وقضية الوحدة العربية، وصوابية تحليلهما آنذاك.

ويدعو في ختام مقالته إلى ضرورة التمييز بين أجنحة قوى اليسار، وأدوارها حسب الأحداث، والمراحل التاريخية التي مرت بها، وبين القوة اليسارية الأكثر راديكالية, معتبراً ,على سبيل المثال حركة فتح ضمن أجنحة قوى اليسار الدولية، والأدق تعبيراً ضمن اليسار الاشتراكي الدولي، والتي لا تختلف في تقييمها(وكما أوضح لينين أيضاً) عن البورجوازيات الحاكمة , إلا ببعض البرامج الاجتماعية الإصلاحية , وتضم طيفاً واسعاً من القوى غير المتجانسة، لذلك لا يمكن النظر لليسار الإسرائيلي ,إلا باعتباره يساراً صهيونياً ومعادياً لمصالحنا الوطنية والقومية, عمل على تنفيذ المشروع الصهيوني الاستيطاني في فلسطين طوال العقود الماضية.

بالنسبة إلى القوى الدينية لعله غني عن القول أن الحكيم يحدد فارقاً كبيراً بين اتجاهين فيه: القوى السلفية الظلامية، والقوى المتنورة التي تقف مع قضايا شعوبها الوطنية والقومية، ولذلك من الطبيعي أن يكون جورج حبش من الأوائل , الذين بعثوا ببرقيات تهنئة للأمين العام لحزب الله سماحة السيد حسن نصر الله , على الانتصار الذي حققته قوى المقاومة الإسلامية في لبنان، وأبطال حزب الله , وصمود شعب لبنان العظيم , في الثامن عشر من أغسطس عام 2006.

الفكر السياسي للحكيم فلسطينياً.

بدايةً، لا يمكن الفصل بين الفكر السياسي للحكيم على صعيد الجبهة وعلى الصعيد الفلسطيني، بل الجزءان مترابطان متداخلان، الصعيد الأول أوجد من أجل تحقيق الأهداف على الصعيد الثاني، وهو جزء لا يتجزأ منه، أي بمعنى التصور للعام الفلسطيني. أقدمنا على الفصل القسري في محاولة للإطلالة على الفكر السياسي للحكيم فيما يتعلق بالرؤية العامة للمستقبل الفلسطيني بشكل عام , وللإطلالة على الصياغات للعلاقة السياسية مع قوى اليسار والقوى الديموقراطية الفلسطينية.

في الوقفة أمام الشعار الاستراتيجي لحركة التحرر الوطني الفلسطينية أرتؤي أن(إقامة الدولة الديموقراطية الشعبية في فلسطين، التي يعيش فيها العرب واليهود كمواطنين متساوين في الحقوق والواجبات , وتشكل جزءاً لا يتجزأ من الوجود الوطني العربي الديموقراطي التقدمي , المتعايش بسلام مع كل قوى التقدم في العالم).

وبذلك جرى تعديل على هذا الهدف الذي تضمنته الاستراتيجية السياسية والتنظيمية المقرّة في المؤتمر الثاني في شباط 1969، والذي رأى الهدف في(إنشاء دولة وطنية ديموقراطية في فلسطين......الخ).

الشعار بصيغته الجديدة هو الأكثر عمقاً والأكثر دقة في التعبير عن المضمون الحقيقي للهدف، ذلك لأنه يعكس 1) المضمون الاقتصادي الاجتماعي للمهام والأهداف التي ستتصدى لإنجازها حركة التحرر الوطني الفلسطيني في مرحلة الثورة الوطنية الديموقراطية-مرحلة ما بعد إنجاز الاستقلال السياسي , من حيث هي مهام وأهداف وطنية وديموقراطية تترابط وتتشابك بشكل وثيق مع مهام وأهداف الثورة الاشتراكية اللاحقة. 2) أهمية وضرورة قيادة الطبقة العاملة الفلسطينية للتحالف الطبقي الديموقراطي المعني بالمشاركة الفاعلة في إدارة الدولة والمجتمع , نحو حل وإنجاز كامل مهام وأهداف المرحلة الوطنية الديموقراطية، وبأفق اشتراكي 3) أهمية وضرورة قيام أوثق الصلات التحالفية مع قوى السلام والتحرر والاشتراكية على الصعيد الأممي.

في الانشقاق الذي حصل في جسد الجبهة الشعبية في عام 1969 كان الدكتور جورج حبش من بين قلة في التنظيم رفضوا الحل عن طريق القوة في التعامل مع الفريق المنشق، وكان التعبير الذي أطلقه الحكيم آنذاك (الطلاق الديموقراطي). ورغم أن هذا التنظيم أخذ في إطلاق وصف اليمينية على الجبهة الشعبية, آمن الحكيم بضرورة وحدة اليسار والقوى الديموقراطية الفلسطينية , الأمر الذي يدلل على سعة أفق هذا القائد الديموقراطي في مسيرته حتى العظم.

لقد لعب الحكيم والجبهة دوراً ريادياً في إنشاء(جبهة الصمود والتصدي) بعد زيارة السادات إلى القدس في عام 1977, ودوراً مركزياً في خروج الاجتماع الذي حضرته كافة الفصائل الفلسطينية(بوثيقة طرابلس) بلاءاتها الثلاث: لا للسلام،"السلام بمفهوم الاستسلام" لا للمفاوضات، لا للاعتراف بإسرائيل، والذي اختتم بإنشاء هذه الجبهة مع بعض الدول العربية(ليبيا، الجزائر، اليمن الديموقراطي، سوريا، إضافة إلى منظمة التحرير الفلسطينية).

لقد رأى الحكيم في توقيع اتفاقيات كمب ديفيد من قبل السادات وإسرائيل بيعاً من قبله للقضية الفلسطينية، وخيانة لها، وفكاً للارتباط مع الاتحاد السوفياتي، واستكمالاً لانتقاله إلى الحضن الأمريكي.

لقد مارست الجبهة الشعبية عملية انسحابات من اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية كجزء من تكتيك سياسي مارسته في مراحل مختلفة , من أجل الضغط على اليمين الفلسطيني والقيادة المتنفذة في منظمة التحرير الفلسطينية , لاتخاذ مواقف سياسية أكثر وضوحاً بالنسبة لقضايا سياسية كثيرة، تميزت فيها هذه القيادة بالميوعة السياسية على قاعدة تعبير(لعم) أي الأجابة بنعم وبلا في نفس الوقت.

بعد الخروج من بيروت في عام 1982، لم يقلل جورج حبش والجبهة الشعبية من أهمية الساحة اللبنانية في النضال ضد العدو الصهيوني، فشاركت الجبهة في عمليات مقاومة كثيرة ضد إسرائيل , وقدمت الدعم إلى الحركة الوطنية اللبنانية المقاومة في مناطق البقاع والجبل والجنوب اللبناني.

في زيارة ياسر عرفات إلى مصر بعد أحداث طرابلس أشار جورج حبش بوضوح كامل إلى(وجود سادات فلسطيني بين صفوفنا) واعتقد الحكيم أن الفرصة كانت سانحة لتوحيد الساحة الفلسطينية ولتغيير الخط السياسي الذي كان يتفرد به أبو عمار حتى تلك اللحظة، فدعى إلى مفاوضات حضرتها قوى فلسطينية وعربية مساعدة , وتم التوقيع على اتفاقية عدن-الجزائر، وأقفل بذلك الباب على اتفاقية كمب ديفيد، ومشروع ريغان وبعض المشاريع الرسمية العربية، لكن ياسر عرفات أهمل هذه الاتفاقية واستعملها كغطاء لسياسته المنحرفة، الأمر الذي أدى إلى إنشاء القيادة الموحدة بين الجبهتين الشعبية والديموقراطية، لكن الأخيرة خرجت من هذه القيادة، ودارت في فلك ياسر عرفات واليمين الفلسطيني عموماً، في ظل هذا الانقسام تمكن أبو عمار من تامين انعقاد الدورة السابعة عشرة للمجلس الوطني الفلسطيني في عمان في نوفمبر 1984، وهو الاجتماع الذي رفضت الجبهة الشعبية الاعتراف بما سيصدر عنه من قرارات , وبدأت التفكير في إيجاد صيغة للرد، وكان تشكيل جبهة الإنقاذ من الفصائل الفلسطينية المعارضة لعرفات , والمتواجدة في دمشق، وكان الهدف منها الرد على محاولات الاحتواء الرسمية العربية لمنظمة التحرير الفلسطينية. لقد أدان الحكيم دون مراعاة جغرافيا التواجد, الاعتداءات , التي جرت على المخيمات الفلسطينية في لبنان، ولعبت الجبهة, دوراً بارزاً في الوصول إلى اتفاق دمشق.

بالطبع، إن من الصعوبة بمكان التطرق إلى الفكر السياسي لجورج حبش في بحث ، استعرضنا أهم المفاصل التي تحدد الأسس لفكر هذا القائد الوطني الفلسطيني العربي الأممي البارز.