Get Adobe Flash player

 

تتلقى وزارة الدفاع الاميركية سنويا 600 مليار $ اي أكثر بكثير من نصيبها العادل من الأموال الاتحادية. وقد وعد الرئيس دونالد ترامب وفريقه بأنه سيزيد الإنفاق على الدفاع والامن القومي في السنوات القادمة، حتى يتم خفض البرامج المحلية واغلاق الوكالات المدنية بأكملها .

ويقال إن الإدارة الجديدة ستدرس خطة - على غرار المقترحات المقدمة من المؤسسة الصناعية العسكرية المدعومة من مجمع التراث - من شأنها خفض نسبة 10.5 ترليون دولار من الانفاق الاتحادي على مدى العقد المقبل. وزارتا الطاقة والتجارة والنقل، والدولة قد تشهد على انخفاض ميزانياتها. اما مؤسسة البث العام فسيتم خصخصتها، والأوقاف الوطنية للفنون وللعلوم الإنسانية سوف يتم القضاء عليها تماما. في هذه الأثناء، سيتم توسيع فرصة التطوع في صفوف الجيش ومشاة البحرية وسيتم وضع نظام جديد على غرار حرب النجوم في الدفاع الصاروخي - بتكلفة اجمالية تصل الى 1 ترليون دولار.

التفاصيل لن نعرفها حتى تصبح أول ميزانية عامة لترامب في متناول الايدي في أبريل أو مايو، ولكن نحن ننتظر ذلك، ورئيس لجنة الخدمات المسلحة في مجلس الشيوخ الجمهوري جون ماكين اتخذ للتو خطوة غير معتادة بالإفراج عن نسبة الإنفاق المخطط لها للجيش. فقد اشار إلى أن عضو رئيسي في مجلس الشيوخ والرئيس وفريقه هم على نفس الخط عندما يتعلق الأمر بالتمويل العسكري، بإضافة 430 مليار$ على مدى السنوات الخمس المقبلة، والأرقام في خطة ماكين متشابهة لتراكم ترامب المحتمل.

هناك شيء واحد واضح بالفعل: هو الميل الشديد نحو المزيد من الإنفاق للبنتاغون بعيدا عن الاستثمار في الدبلوماسية الخارجية وتلبية الاحتياجات المدنية الداخلية وعسكرة المجتمع الأميركي، وتسريع عدم المساواة، وتشويه السياسة الخارجية بالفعل موضع شك كبير في البلاد. وبالرغم من كل شي الجيش ممول تمويلا جيدا، والذراع مخزنة بشكل جيد من الحكومة.

وكانت هذه العملية قد قطعت شوطا كبيرا حتى قبل تولي دونالد ترامب اليمين الدستورية. كان قراره أن يعهد بالسياسات الأمنية الوطنية فقط لشخصيات عسكرية مثيرة للقلق بشكل خاص. من مستشار الأمن القومي مايكل فلين إلى وزير الدفاع جيمس ماتيس إلى رئيس وزارة الأمن الداخلي جون كيلي، والان يوجد في ادارته عدد كبير من العسكريين السابقين والجنرالات المتقاعدين. وقد لخص المحلل العسكري ومسؤول الميزانية السابق في البيت الأبيض جوردون آدمز أخطار هذا النهج مؤخرا بهذه الطريقة:

"وجود ضباط الجيش في مراكز بارزة في الدولة يعزز الاتجاه نحو عسكرة السياسة وتدعيم المخاطر في كل مكان" وهذا هو المجمع الصناعي العسكري" الذي حذر منه الرئيس دوايت أيزنهاور.

كيف سيطر العسكر على السياسة الخارجية

الرئيس ترامب بطبيعة الحال، بدأ من الصفر في مطالبته بمواصلة تعزيز دور الجيش في الشؤون الخارجية والداخلية، خلال عهد أوباما، على سبيل المثال، كان هناك عددا قياسيا من هجمات الطائرات بدون طيار، وخاصة خارج مناطق الحرب الاميركية الرسمية حيث وصل عدد تلك الهجمات 10 اضعاف عن تلك التي نفذتها إدارة بوش. وبالمثل، مهدت إدارة أوباما الطريق امام ترامب لشن حروب على جبهات متعددة، وإقامة حملة تاريخية على المخبرين في الجيش وأجهزة الاستخبارات. كما وافقت الادارة السابقة على مستويات قياسية من مبيعات الأسلحة الأمريكية في الخارج، وقيمتها 278 مليار $، أو أكثر من ضعف تلك التي انفقت خلال سنوات بوش.

وبالإضافة إلى ذلك، وكجزء من تعهده لتجنب ارسال المزيد من الجنود لخوض الصراعات مثل غزو ادارة بوش للعراق عام 2003، أشرف الرئيس أوباما على زيادة حجم قوات العمليات الخاصة الأميركية، وإرسالها إلى الخارج للتسليح والتدريب والقتال الى جانب القوات المسلحة في 138 بلدا في العام 2016. هذا النهج افضل من توسع عدد الصراعات التي تشارك فيها الولايات المتحدة لتخفيف انتشار الجنود على الارض وتسمى "الحرب السياسية"، ويبدو ان هذا النهج أرخص، وأبعد ما يكون عن الوضوح وينطوي على خسائر اقل للولايات المتحدة.

في هذه السنوات، واصلت وزارة الدفاع أيضا الانقضاض على المناطق التي كانت تحتلها وزارة الخارجية والوكالة الأميركية للتنمية الدولية، بما في ذلك برامج تمويل الأسلحة وبرامج التدريب والانخراط في مشاريع التنمية الاقتصادية، وتحت مصطلح "بناء قدرة الشريك" لدى وزارة الدفاع الآن سلطة لتسليح وتدريب القوات العسكرية الأجنبية من خلال ما لا يقل عن 70 برنامج منفصل.

ولكي نكون منصفين، بدأ الانجراف نحو الهيمنة العسكرية للسياسة الخارجية قبل تولي باراك أوباما منصبه. وفي كتابها "المهمة" الذي صدر في الـ 2003، وصفت دانا بريست في الواشنطن بوست الدور المتزايد للقادة المقاتلين الإقليميين في تشكيل السياسات في واشنطن، وتحدثت عن كيفية الاستفادة من مواردها والارتباطات الوثيقة بالزعماء الأجانب الذين يتفوقون على سفراء الولايات المتحدة في السلطة والنفوذ. وكان الدور المتنامي للعسكر مجرد عرض من أعراض مشكلة أكبر وهي: رغبة القادة الأميركيين باللجوء للجيش لإيجاد حلول للمشاكل "التي هي في كثير من الأحيان، ذات جذور سياسية واقتصادية"، واشار الجنرال المتقاعد انطوني زيني، القائد السابق للقيادة المركزية الأمريكية، على سبيل المثال الى انه " لا يوجد حل عسكري للإرهاب"، وهذا استنتاج مشترك من قبل القادة العسكريين الأميركيين الآخرين، ولكن لم يكن لديها قدرة على التأثير على جهود الولايات المتحدة لاستخدام القوة كأداة رئيسية لمكافحة الإرهاب في دول مثل العراق وأفغانستان والصومال، واليمن، وهي العملية التي أدت إلى دول فاشلة وساهمت في زيادة انتشار الجماعات الإرهابية.

تمويل وزارة الخارجية ومنذ فترة طويلة غارق في سخاء الرئيس الجديد باسم جيشنا "المستنزف"، ميزانية وزارة الدفاع هي اليوم أكثر بـ12 % من حجمها في وزارة الخارجية، فهناك تفاوت مؤكد في النمو بالسنوات القادمة. وكما أشار وزير الدفاع السابق روبرت غيتس قبل بضع سنوات، فهناك عدد أكبر من الموظفين العسكريين المتمركزين على طائرة واحدة لنقل دبلوماسي وزارة الخارجية الأميركية، وسنضع في اعتبارنا أن الولايات المتحدة لديها حاليا 10 حاملات طائرات نشطة، سوف تكون مجرد جزء صغير من إدارة ترامب المقترحة المؤلفة من 350 سفينة.

ومن المرجح أن تكون اجهزة الاستخبارات اكثر تسلحا في سنوات ترامب. في حين يحاول رئيس وكالة الاستخبارات (DIA)، و مستشار الأمن القومي مايكل فلين زيادة نفوذه على الوكالة، في محاولة منه للسيطرة على جهاز الاستخبارات في البلاد ووضعه في خدمة وجهة نظره المشوهة في العالم. نبدأ بفشلها في التنبؤ بانهيار الاتحاد السوفيتي، والسماح لنفسها باستخدام المعلومات المضللة حول امتلاك صدام حسين لأسلحة الدمار الشامل، وهو لم يحظ بكادر من المحللين المحترفين الذين يمكنهم توفير معلومات فعلية تتناقض مع الأحكام المسبقة السائدة. حتى في حالة العراق، انشق عدد من المحللين في حين رضخ اخرين لمساعي نائب الرئيس ديك تشيني وعصابة المحافظين الجدد.

في السنوات المقبلة، نتوقع تصنيع نموذج تشيني الاستخباراتي من جديد، وخاصة من قبل فلين، التي تشمل معتقداته بأن الإسلام ليس دين حقيقي، وان ايران هي "محور" ائتلاف عالمي مناهض للولايات المتحدة، أي ما يعني وجهات نظر متطرفة تفرض أعداء يمتدون من كوبا وفنزويلا لكوريا الشمالية والصين، وروسيا، و "الشريعة" الإسلامية هي جزء من بلادنا. وجهات نظر فلين حول الإسلام تخرج عن المعتاد كأحد كبار المستشارين في أي حكومة سابقة.

الإدارة العسكرية الاولى

تخيل كيف سيمارس فلين سلطته الجديدة، وانظر في محاولته، -في حين لا يزال في وكالة الاستخبارات-، لإثبات أن إيران كانت "اليد الخفية" وراء هجمات 2012 على المجمع الأميركي في بنغازي، ليبيا، والتي ظسفرت عن مقتل السفير كريستوفر ستيفنز...و كما ذكرت صحيفة نيويورك تايمز، "فان العديد من التحقيقات التي اجريت في بنغازي، لم تقدم أي دليل على وجود صلة بين الجنرال وبعض المسؤولين في الوكالة، ونذكر ايضا محاولات إدارة بوش لربط صدام حسين والعراق بهجمات 11 سبتمبر 2001 ".

يبدو ان ترامب ورجاله الآن مستعدون لتطهير وكالة الاستخبارات المركزية ووكالات المخابرات الأخرى من المحللين الذين قد يكون لهم آراء مخالفة لآرائهم الخيالية في العالم. نتوقع من فلين، على وجه الخصوص، محاولة تشكيل منتجات للأجهزة الاستخباراتية لتحقيق غاياته أثناء عمله كمترجم للرئيس. يجب الحصول على ورقة رابحة لابتلاع التقديرات الاستخبارية التي تميل في اتجاه مجموعة معينة من الأفكار المسبقة.

العقبة المحتملة الوحيدة امام فلين لفرض وجهة نظره الملتوية عن العالم على الرئيس ترامب -الذي لديه فوبيا من الإسلام- ستكون مستشار البيت الابيض ستيف بانون. الذي كما لاحظت صحيفة نيويورك تايمز مؤخرا، انه يحاول بالفعل التغلب على فلين في المعركة من أجل الوصول إلى الرئيس والتأثير عليه في قضايا السياسة الخارجية وترقيته إلى مجلس الأمن القومي على حساب رئيس هيئة الأركان المشتركة ومدير الاستخبارات الوطنية، وأحدث مؤشر على مدى تأثيره هو في تشكيل أجندة السياسة الخارجية لترامب. هذا الخبر لن يكون جيدا كما في بعض القضايا بل سيكون أكثر تطرفا من فلين.

نهج ترامب العسكري المتوقع في صنع السياسات يمكن أن تكون له آثار خطيرة على الجبهة الداخلية كذلك. في اليوم الخامس له في منصبه، على سبيل المثال، هدد "بإرسال الاجهزة الاتحادية" لشيكاغو إذا لم تتخذ حكومة المدينة خطوات "لوضع حد للمجزرة" هناك. ولم يتضح ما اذا كان يقصد الموظفين المكلفين بإنفاذ القانون الاتحادي أو القوات الاتحادية، والغموض في حد ذاته كان يثير القلق. ولا تنسى تعهده "ببناء الجدار" الذي يضمن قفزة كبيرة في التمويل لمواصلة تسليح الحدود بين الولايات المتحدة والمكسيك والتي تحرسها طائرات بدون طيار غير مسلحة وأعداد كبيرة من العملاء الفيدراليين المسلحين. بعد كل شيء، استغرق يوما فقط بعد تنصيبه ليعلن عن خطة لإضافة 5000 فرد من حرس الحدود و 10000 كوكلاء لدائرة الهجرة ووكالة الجمارك.

كما هو الحال في جميع مسائل ترامب، سيقول البعض فلنتظر أول ميزانية مقترحة وغيرها من الوثائق لمعرفة ما سيحدث في الواقع، ولكن الأدلة وفيرة بأن إدارة ترامب هي على الطريق نحو تقويض ديمقراطيتنا من خلال ضخ أموال دافعي الضرائب للجيش الأميركي. وهذا يحدث على الرغم من حقيقة أنه بعد 15 عاما على احداث 11/9، الجيش لم يفز بشيء ولم يقدم شيء لمصلحة واشنطن، الى ان انتشرت الجماعات الإرهابية في جميع أنحاء الشرق الأوسط الكبير وأفريقيا.

من المهم أن ندرك أن دافع ترامب لزيادة عسكرة المجتمع الأمريكي هو بأي حال من الأحوال محسوم. الديمقراطيون في مجلس الشيوخ هم في موقف يمنعهم من التصويت ككتلة واحدة ضد أي اقتراح حول الإنفاق على وزارة الدفاع الأمريكية، مما سيؤدي إلى حرمان الجمهوريين من 60 صوتا يحتاجونها للمضي قدما في اقتراح الإنفاق. وبالإضافة إلى ذلك، خطط الرئيس الجديد لضخ الاموال الى البنتاغون، وخفض الضرائب، والاستثمار في برامج جديدة باهظة الثمن مثل الجدار الحدودي، ووضع خطة البنية التحتية بتريليون دولار قد تمهد الطريق امام عجز ضخم وتوتير الدوائر الانتخابية بدءا من المحافظين الماليين إلى قطاعات مهمة في مجتمع الأعمال.

وبالإضافة إلى ذلك، تعهد ترامب بالفعل باستهداف أنظمة الأسلحة المبالغ فيها مثل F-35 وإجبار وزارة الدفاع على الحصول على تصريح حتى في نهاية المطاف يمكن اجتياز التدقيق. ولكن هناك شك في ما اذا كان سيمضي قدما في تنفيذ هذه الوعود، وقال انه قد وضعها على جدول الأعمال لتعزيز واقع واحد: الكثير من الأموال التي تذهب حاليا إلى وزارة الدفاع لديها ما تفعله في جيوب المقاولين للدفاع عن الولايات المتحدة وحلفائها.

الاتجاه الأول والعسكري الذي يذهب به ترامب سيؤدي لسياسات أكثر عسكرة في العالم. ولكن ينبغي أن يأخذ درسا من التاريخ من خلال الاستماع إلى خطب القائد الأعلى السابق في الحرب العالمية الثانية الجنرال دوايت أيزنهاور، وهو رجل عسكري ارتفع أيضا إلى قمة السلطة في واشنطن. الرئيس ايزنهاور تحدث ليس فقط عن مخاطر المجمع الصناعي العسكري ولكنه أكد أيضا أن قوة أميركا متجذر في نهاية المطاف في قوتها الاقتصادية وصحة مواطنيها، وليس في البحث عن حلول عسكرية سحرية أو في الاسراف في الانفاق على البنتاغون. للأسف، دونالد ترامب ليس دوايت ايزنهاور.

ترجمة: وكالة اخبار الشرق الجديد-ناديا حمدان

http://www.tomdispatch.com/post/176238/tomgram%3A_william_hartung%2C_investing_in_the_military_%28and_little_else%29/#more