Get Adobe Flash player

 

21 كانون الثاني 2017

الانتخابات الرئاسية، على رغم كل الضجيج الذي تثيره وسيطرتها على الأنباء، لا تُغيِّر عادةً الكثير في البلاد. وهذا ليس أمراً سيئاً بل إنه مؤشّر عن قوّة الديموقراطية الأميركية. نادراً ما تبتعد هذه الديموقراطية عن المركز، حيث تكمن عادةً السياسة الناجحة. لكن في مناسبات نادرة، تولّد التيارات التاريخية العميقة والمواهب السياسية الاستثنائية نظاما جديدا بالكامل. هذا ما حدث في الانتخابات الرئاسية في الأعوام 1828 و1860 و1896 و1932 – وعلى الأرجح عام 2016 .

بعدما حُرِم أندرو جاكسون من ولاية تينيسي من الرئاسة عام 1824 في ما سماه "صفقة فاسدة" قام بها مجلس النواب، عاد فحقّق نصراً كاسحاً بعد أربعة أعوام. كان جاكسون الرئيس الأول القادم من المنطقة الواقعة غرب أبالاتشيا – لا بل الأول من ولاية غير فرجينيا أو مساتشوتس. وُلِد في الفقر المدقع، وكان أيضاً الرئيس الأول الذي يصبح ثرياً بفعل مجهوده الخاص فقط.

سرعان ما اتضح أن البلاد دخلت حقبة سياسية جديدة. نقلت "الديموقراطية الجاكسونية" مركز السلطة إلى أسفل السلم الاقتصادي الاجتماعي. وبادرت معظم الولايات سريعاً إلى إلغاء شروط التملّك المفروض توافرها من أجل التصويت، ما شكّل خطوة أولى نحو الاقتراع العام.

أسّس جاكسون الحزب الديموقراطي الحديث، واحتشدت المعارضة الشديدة لسياساته في إطار "حزب الويغ" أو حزب اليمين، فنشأ معيار الثنائية الحزبية الذي لا يزال مستمراً حتى يومنا هذا. لا عجب في أن المؤرخ الأميركي العظيم من القرن التاسع عشر جورج بانكروفت اعتبر جاكسون آخر الآباء المؤسّسين.

التحوّل العظيم التالي تحقق مع أبراهام لينكولن. بحلول خمسينات القرن التاسع عشر، كانت العبودية قد أصبحت المسألة الطاغية في السياسة الأميركية. حقّق الحزب الجمهوري، الذي تأسس عام 1854 كحزب يدعو صراحةً إلى إلغاء العبودية، نمواً سريعاً مع انهيار "حزب الويغ". عندما فاز لينكولن، المرشح الجمهوري، بالرئاسة عام 1860، سرعان ما انهار الاتحاد. فقد انفصلت كارولينا الجنوبية عنه بعد شهر واحد فقط من الانتخابات. وبحلول الأول من شباط 1861، انفصلت ست ولايات أخرى، وذلك قبل شهرٍ من تنصيب لينكولن في الرابع من آذار.

وقد تطلب الأمر اندلاع الحرب الأكبر في التاريخ الأميركي كي تتوحد البلاد من جديد. عند انتهاء الحرب الأهلية، كانت البلاد قد شهدت تحوّلاً. أصبح الجنوب، الفقير والمشلول سياسياً، بلداً من العالم الثالث فعلياً داخل بلدٍ من العالم الأول، واستمر الوضع على هذه الحال على امتداد مئة عام. سيطر الشمال سياسياً، مع صناعته المتوسِّعة سريعاً وعدد سكّانه الآخذ في النمو. أكثر من نصف الرؤساء الذين تعاقبوا على الحكم قبل الحرب الأهلية كانوا من الجنوب. أما في القرن الذي أعقب انتهاء الحرب، فلم يُنتخَب سوى جنوبيّين في البيت الأبيض: وودرو ويلسون، ابن فرجينيا الذي بنى حياته المهنية في نيو جرسي، وليندون ب. جونسون من تكساس.

كانت الانتخابات الرئاسية في العقود التي تلت الحرب الأهلية متقاربة النتائج. فاز غروفر كليفلاند على جيمس جي بلاين بفارق ضئيل عام 1884. بعد أربعة أعوام، نال كليفلاند أكثرية الأصوات الشعبية، لكنه خسر الانتخابات أمام بنجامين هاريسون. وفي تكرار للمواجهة نفسها عام 1892، فاز كليفلاند على هاريسون بفارق ضئيل، فأصبح الرئيس الأول الذي يتولّى الحكم في ولايتَين غير متعاقبتين.

غير أن النصر الحاسم الذي حقّقه ويليام ماكينلي عام 1896 طبع فجر حقبة من السيطرة الجمهورية استمرت أكثر من جيل كامل. ترشّح ماكينلي على أساس برنامج انتخابي عنوانه "مال سليم، حماية، وازدهار"، وقد كانت هذه العقيدة ملائمة لمصالح الطبقات الميسورة التي كانت في طور الصعود السريع. كان خصمه، المرشح الديموقراطي ويليام جنينغز بريان، من الخطباء العظماء في السياسة الأميركية. لقد انتقد بشدّة غطاء الذهب، ودعا إلى اعتماد سياسة نقدية تضخّمية كانت لتعود بالفائدة على المَدينين، بما في ذلك معظم المزارعين في الغرب والجنوب.

سيطر ماكينلي في الشمال الشرقي والغرب الأوسط الأعلى، وتخطّى مجموع الأصوات التي حصل عليها هاريسون عام 1892 بمليونَي صوت. وقد استمرّ إرثه السياسي على رغم اغتياله عام 1901. بين عامَي 1896 و1932، سيطر الجمهوريون على مجلس الشيوخ ما عدا فترة ست سنوات، وكذلك على مجلس النواب ما عدا فترة عشر سنوات. ولم يخسر الحزب الجمهوري البيت الأبيض إلا عندما قسَم ثيودور روزفلت الحزب عام 1912، فحقّق وودرو ويلسون الفوز مع 41.8 في المئة فقط من التصويت الشعبي.

استعاد الديموقراطيون السيطرة السياسية بفضل الركود الكبير والمواهب السياسية اللافتة التي كان فرانكلين د. روفلت يتمتع بها. عام 1928، فاز مرشح الحزب الجمهوري للرئاسة، روبرت هوفر، في 40 ولاية من أصل 48، ونال الحزب الجمهوري أكثرية واسعة في مجلسَي النواب والشيوخ. بعد أربعة أعوام، خسر هوفر 42 ولاية لمصلحة روزفلت. وكذلك سيطر الديموقراطيون على أكثرية كبيرة في مجلسَي الكونغرس، ما أتاح لهم توسيع نطاق الحكومة الفيديرالية ونفوذها إلى حد كبير، ففرضوا زيادة شديدة في الضرائب على الأثرياء وأحدثوا عجوزات في الموازنة من أجل تسديد التكاليف المترتبة عن برامج جديدة شعبية مثل الضمان الاجتماعي.

في الأعوام الـ48 اللاحقة، تمكّن جمهوريان فقط من الوصول إلى البيت الأبيض: دوايت أيزنهاور، البطل القومي، وريتشارد نيكسون، الذي فاز بفارق ضئيل بعدما ساد الانقسام في صفوف الديموقراطيين على خلفية حرب فيتنام. بين عامَي 1932 و1980، لم يسيطر الحزب الجمهوري على مجلسَي الكونغرس سوى لفترة أربعة أعوام فقط.

لكن بحلول السبعينات، كانت الليبرالية التي حفّزت "الاتفاق الجديد" وبرنامج "المجتمع العظيم" قد تداعت أمام إحدى القواعد الأساسية للعلوم السياسية: تتطور التيارات عادةً نحو التطرف. حقّق النضال من أجل الحقوق المدنية نصراً حاسماً في الستينات، لكن الليبراليين استمروا في خوض تلك الحرب، فتسبّبوا بتعميق الانقسامات العرقية من خلال اعتماد سياسة الهوية. وعلى رغم أن العضوية في النقابات كانت في طور التراجع منذ سنوات، حافظ العمل على نفوذه السياسي بفعل القوانين التي تأكّلها الدهر. أصبحت البيروقراطية الفيديرالية معمّمة، مع إضافة برنامج تلو الآخر من دون كثير من التخطيط في شكل عام. وقد استولى الديموقراطيون على عدد كبير من المناصب الحكومية، منها وكالة حماية البيئة.

باتت السياسات الليبرالية تُصمَّم بصورة متزايدة بما يتناسب مع مصالح نخبةٍ سياسية، وليس مصالح البلاد ككل. لاحظ الناس ذلك. ظهر جيمي كارتر من العدم وفاز بتسمية الحزب الديموقراطي عام 1976، واعداً بتنظيف واشنطن. فشل في ذلك، غير أن رونالد ريغان، الذي تباهى بحسن نياته قادماً من خارج الدوائر السياسية في واشنطن، أثبت أنه الرئيس الأكثر تاثيراً منذ روزفلت، في الداخل والخارج على السواء.

بما أن ريغان كان مكبَّلاً دائماً من مجلس النواب ذي الأكثرية الديموقراطية الراسخة، لم يكن شخصية تحوّلية بقدر جاكسون أو لينكولن أو ماكينلي أو روزفلت. لكنه ترك تأثيراً دائماً. قدّم الرئيس الديموقراطي التالي، بيل كلينتون، نفسه في صورة المرشّح الوسطي. عندما رفض الناخبون سياساته الليبرالية عام 1994 عبر انتخاب الكونغرس الجمهوري الأول منذ أربعين عاماً، رضخ للرياح السياسية. وأعلن عام 1996 أن "حقبة الحكومة الكبيرة قد ولّت". وتوصّل إلى تسويات مع المشترعين لإصلاح منظومة الرعاية، وتوليد الفوائض الأولى في الموازنة منذ حوالى 30 عاماً.

لكن ذلك لم يدم. فقد تحوّل الجمهوريون في الكونغرس نحو الاهتمام بحملات إعادة انتخابهم أكثر منه بالانضباط المالي. وولّدت السياسات السكنية الليبرالية في إطار الهندسة الاجتماعية فقّاعة سكنية وأزمة مصرفية. ثم جاءت الانتخابات الرئاسية عام 2008، وهي الوحيدة في التاريخ التي أجريت في خضم هلعٍ مالي. وقد خسر مرشّح جمهوري يُنظَر إليه بأنه غير مستقر أمام مرشح ديموقراطي شاب وكاريزماتي.

تسلّم باراك أوباما سدة الرئاسة مع تحقيق أكثرية ديموقراطية قوية في مجلسَي الكونغرس. ودفع باتجاه تطبيق أجندة ليبرالية جداً، وغير شعبية إلى درجة كبيرة. تبيّن أن سنوات أوباما في الحكم كانت كارثية للديموقراطيين. خسروا مجلس النواب عام 2010، ومجلس الشيوخ عام 2014، في انتخابات مُنيوا فيها بخسارة كاسحة في الحالتَين. والآن يسيطر الجمهوريون أيضاً على منصب الحاكمية وعلى الهيئات التشريعية في معظم الولايات.

إذاً هل يُطلِق انتخاب دونالد ترامب الصاعق نزعةً دائمة – تحوّلاً مشابهاً لذاك الذي حققه جاكسون ولينكولن وماكينلي وروزفلت؟ إنه رهانٌ مشروع، نظراً إلى المكاسب التي حصدها الحزب الجمهوري قبل الانتخابات. صحيح أن ترامب لم يحصل على أكثرية أصوات الناخبين. غير أن فارق الـ2.9 ميلونَي صوت الذي حققته هيلاري كلينتون في التصويت الشعبي استند إلى قاعدة ضيّقة للغاية. فازت كلينتون فقط في المدن الساحلية، والجيوب الأكاديمية، والمناطق الشديدة الفقر مثل دلتا المسيسيبي، وحزام ألاباما الأسود. إذا حذفنا الفوارق في الأصوات التي حققتها في خمس مقاطعات فقط – الأقسام الإدارية في مدينة نيويورك، ما عدا ستايتن آيلاند ولوس أنجلس كاونتي – يتبيّن أنها خسرت في التصويت الشعبي في باقي البلاد بفارق أكثر من خمسمئة ألف صوت.

لقد نجح ترامب في استثمار النفور الذي شعر به الناخبون البيض المنتمون إلى الطبقة العاملة من الحزب الديموقراطي، والذين تعرّضوا للنبذ أحياناً عبر وصفهم بـ"الأشخاص البائسين الذين يبعثون على الأسى" أو بسكّان "الأرياف"، ما أتاح له الفوز في ولايات ميشيغان وبنسلفانيا وويسكونسن حيث لم يحقّق أي مرشح جمهوري النصر منذ ثمانينات القرن الماضي. في حين فاز ميت رومني عام 2012 في براون كاونتي في ولاية ويسكونسن، والتي تضم غرين باي، بفارق 1,8 نقطة مئوية، وصل الفارق الذي حققه ترامب إلى 10,7 نقاط. أما في مقاطعة مارينيت كاونتي الريفية المجاورة، فكانت الزيادة في فارق الأصوات لصالح الجمهوريين أكثر دراماتيكية، مع الانتقال من 3.5 نقاط لصالح رومني إلى 33 نقطة لصالح ترامب. كان هذا أكثر من كافٍ للتعويض عن ضعف ترامب النسبي في الضواحي الجمهورية الميسورة مثل واوكيشا كاونتي، على مقربة من ميلووكي، حيث كان الفارق لصالح ترامب أقل بـ7,8 نقاط بالمقارنة مع رومني.

أظهرت سنوات أوباما في الحكم أن الليبرالية استُنزِفت، وأصبحت أفكارها بائدة، ويعيش مناصروها في ماضٍ متخيَّل. لم يسبق أن كان الحزب الديموقراطي ضعيفاً أو عجوزاً إلى هذه الدرجة. الديموقراطيون الثلاثة الأعلى منصباً في مجلس النواب لا تقلّ أعمارهم عن 76 عاماً. أما متوسط عمر نظرائهم الجمهوريين فهو 49 عاماً. لقد استطاع الجمهوريون، بحكم الأكثرية التي يملكونها في مجلس الشيوخ، تأخير تعيين خلفٍ للقاضي المتوفّي أنطونين سكاليا، بما يضمن عدم سيطرة أكثرية ليبرالية على المحكمة العليا. ثمة أكثر من مئة موقع شاغر تنتظر التعيينات في المحاكم الفيديرالية الدنيا.

الأهم من ذلك، لم يسبق أن كان رئيس جديد، أقلّه منذ جاكسون، غير مَدين بالكثير للإستابلشمنت السياسي. انتُخِب ترامب بكل وضوح لتغيير الأساليب المتّبعة في واشنطن والتي تصبّ في خدمة المصالح الذاتية. وهذا يزيد إلى حد كبير من حريته في التحرك. تؤشر الأسماء التي اختارها لتولي الحقائب الوزارية في حكومته إلى تغيير عميق، وإلى احتمال خفض الضرائب، واعتماد تنظيمات أكثر ملاءمة للأعمال. ترامب موهوب أيضاً في التواصل مباشرةً مع الناس والاستغناء عن وسائل الإعلام الغافلة التي لطالما كانت جزءاً من المشكلة.

من أجل إرساء تغيير دائم، ينبغي على ترامب اعتماد سياسات قادرة على إحراز نجاح على الأرض، وليس نظرياً فقط. عند تحقيق نمو أسرع وزيادة المداخيل، يُكافأ المسؤولون دائماً في صناديق الاقتراع. إذا وفى الرئيس المنتخب بوعوده الاقتصادية، قد يعود الجمهوريون المشكِّكون في أماكن مثل واوكيشا كاونتي إلى حضن الحزب الجمهوري سنة 2020.

غير أنه من الضروري أيضاً الاستمرار في مدّ اليد إلى الأقليات. لقد تعهّد ترامب بمعالجة المشكلات التي تعاني منها المدن الداخلية التي يتّهم الديموقراطيين بتجاهلها طوال عقود. وفي أحد التجمعات الانتخابية خلال الخريف الماضي، أعطاه أحدهم علم قوس قزح الذي يرمز إلى حقوق المثليين. ارتسمت ابتسامة عريضة على وجهه ورفعه عالياً فيما كان الجمهور يهتف.

هذا مختلفٌ عن الحزب الجمهوري كما يعرفه آباؤكم.

نشر المقال في "وول ستريت جورنال" وظهر بالعربية في النهار اللبنانية ترجمة نسرين ناضر

الكاتب هو مؤرخ أميركي