makal 1

في صباح أحد الأيام في العام 1988 ابرق إد ماك وليامز، موظف السلك الدبلوماسي في السفارة الأميركية في كابول، الى واشنطن قائلا انه سمع دوي انفجار هائل على الجانب الآخر من المدينة. وكان ذلك بعد أكثر من ثماني سنوات على الغزو الروسي لأفغانستان، وكانت السفارة صغيرة تضم عددا قليلا من الدبلوماسيين. ماك وليامز وهو عضو سابق في الاستخبارات العسكرية انطلق لمعرفة ما حدث.

كان من الواضح أن شيئا كبيرا قد حدث: فعلى الرغم من أن الانفجار وقع على الجانب الآخر من "شير دروزة"، وهو جبل في وسط كابول، الا ان ماك وليامز سمع الصوت بشكل واضح. وبعد ان تاه في الشوارع الضيقة على الجانب الجنوبي من المدينة، وصل الى الموقع، ليجد اثار انفجار ضخم ناتج عن سيارة مفخخة، استهدفت أكبر عدد ممكن من المدنيين، وتم تفجيرها في حي كامل من الهزارة، وهم أقلية مضطهدة.

وبعد تصوير الدمار الذي الحقته تلك السيارة بالمكان عاد ماك وليامز إلى السفارة، وأرسل تقريره إلى واشنطن الذي كان سيئا للغاية ليس لان الهجوم الارهابي شن ضد مدنيين أفغان، ولكن لان ماك وليامز اعد التقرير. حيث ذكر ان القنبلة التي فجرت كانت من تحضير "قلب الدين حكمتيار"، قائد المجاهدين الممولين والمدعومين بشكل خاص من وكالة الاستخبارات الاميركية الـ "سي.اي.اي." .

الهجوم كان جزءا من المخطط الذي اعدته وكالة الاستخبارات المركزية "للضغط" على السوفييت في كابول، إبلاغ البيروقراطيين في واشنطن أن المتفجرات من تحضير حكمتيار وانها استهدفت المدنيين الابرياء كان شيئا غير مرغوب فيه تماما.

makal 2

في غضون ذلك، ذكر الدبلوماسي السابق، ان وكالة الاستخبارات المركزية ضغطت عليه من اجل التقليل من العواقب الإنسانية التي احدثتها تلك السيارة المفخخة".

ماك وليامز، حاليا متقاعد يسكن الجبال النائية في جنوب نيو مكسيكو، والجماعات الاسلامية المتطرفة التي تعمل حاليا في سوريا والعراق تعيد إلى ذهنه الجماعات الاسلامية المتطرفة التي ايدت في السابق من قبل واشنطن في أفغانستان خلال العام 1980. حكمتيار، الذي عرف برميه للمواد الحارقة على وجوه النساء، لا يحتاج الى تعليمات تنظيم القاعدة. عندما تشجع فريق ايه بي سي نيوز بقيادة ليزلي كوكبرن، في العام 1993، لإجراء لقاء مع حكمتيار كان الاخير قد اقدم في وقت سابق من ذلك اليوم على قطع رأس 12 شخصا وفي وقت لاحق، قام بقتل مترجمهم.

في أعقاب احداث 11/9، قصة دعم الولايات المتحدة للمتشددين الاسلاميين ضد السوفييت أصبحت حساسة. لفت مسؤولون سابقون في وكالة الاستخبارات المركزية الى ان الوكالة ببساطة لعبت أدوارا بارزة في تمويل الارهاب المتشدد في افغانستان. وفي عمل اميركي قذر – تركت الادارة الاميركية المسؤولية على جهاز الاستخبارات الباكستاني للتعامل مع الجماعات المتمردة. خطأ باكستان كان تخصيص 70 % على الأقل من إجمالي المساعدات الأمريكية إلى الأصوليين.

makal 3

لم يكن المستفيدون دائما في الصورة الرسمية، فردا على سؤال من قبل فريق "أي. بي.سي. نيوز" عما اذا كان حكيمتار يتذكر تشارلي ويلسون عضو الكونجرس عن ولاية تكساس المعروف بشفيع المجاهدين، أشار باعتزاز الى انه "كان صديقا جيدا، وكان يدعم الجهاديين في كل الاوقات".

وقد اشتكى اخرون من نقاط مختلفة فقال قائد المجاهدين "عبد الحق" الذي كان يوصف بأنه من "المتمردين المعتدلين"، من السياسة الأميركية أثناء وبعد الحرب السوفيتية في أفغانستان، وقال ان الـ "سي.اي.اي." حملت الذخائر والأموال والإمدادات الى المجموعات الاصولية في هذا البلد.

واكد قدامى المحاربين الأميركيين أن العرض كان باكستانيا بامتياز. فمسالة دعم الأصوليين كانت تتم بدم بارد. واشار روبرت أوكلي، وهو لاعب رئيسي في دعم الجهود الأفغانية وسفير باكستان بين الاعوام 1988-1991، الى ان "الخلط بين الإسلام والسياسة كان الفرصة للنجاح في اخراج السوفييت من أفغانستان".

في الواقع، دعمت وكالة الاستخبارات المركزية الإسلاميين الأفغان جيدا قبل غزو الروس البلاد في ديسمبر 1979، زبيغنيو بريجنسكي، مستشار الأمن القومي لجيمي كارتر، تفاخر في وقت لاحق "لنوفيل أوبسرفاتور" بأن الرئيس قد "وقع التوجيه الأول لمنح المعارضين للنظام الموالي للاتحاد السوفياتي في كابول مساعدات سرية "قبل ستة أشهر من الغزو".

وأشار بريجنسكي: "في هذا اليوم بالذات كتبت مذكرة إلى الرئيس شرحت له فيها رأيي في هذه المساعدات وفي نتائج التدخل العسكري السوفيتي، وقلت له إن الحرب حتما ستؤدي الى مقتل مليون أفغاني".

وكما اتضح، فان الإسلاميين في الحقيقة ليسوا محاربون شرسين ضد السوفييت كما ادعى مؤيدوهم. ماك وليامز، الذي غادر كابول في العام 1988 ليصبح مبعوثا خاصا للمتمردين الأفغان، أشار إلى أن حكمتيار كان أكثر اهتماما باستخدام ترسانته التي تقدمها الولايات المتحدة ضد زعماء الحرب المنافسين. "وذكر ماك وليامز ان حكمتيار كان مقاتلا عظيما ولكن ليس بالضرورة ضد السوفييت".

حتى بعد أن غادر الروس، في فبراير 1989، أظهرت القوات الموالية للولايات المتحدة عدم قدرتها على إسقاط النظام المدعوم من السوفييت. هجوم حكمتيار على المدينة الرئيسية في جلال آباد، على سبيل المثال، كان محرجا. وقال ماك وليامز، الذي كان قد سمع تحذيرات عبد الحق وغيره من أن الخطة كانت متهورة: "الاستخبارات الباكستانية والأميركية اشرفت على العملية وكان الشباب هم وقود المدافع، ما ادى الى افراغ مخيمات اللاجئين" وقال ماك وليامز: "لقد كانت محاولة أخيرة لرمي هؤلاء الصبية البالغين من العمر ستة عشر عاما في المعركة من اجل هدف لم يتم تحقيقه حتى "بقتل الآلاف".

كان المسؤولون الأميركيون أكثر حذرا عندما كان الأمر يتعلق بالأصوليين العرب الذين تدفقوا الى أفغانستان، وشرعت تظهر في وقت لاحق مسألة الجهاد العالمي وتنظيم القاعدة، لا يمكن لأحد أن ينكر أنهم كانوا هناك، ولكن أصبح الاتصال بهم من قبل وكالة الاستخبارات المركزية موضوعا دقيقا على نحو متزايد بعدما ركز تنظيم القاعدة وجوده هناك في العام 1990. كان أفضل تعبير لروبرت غيتس، الذي أصبح مديرا لوكالة الاستخبارات المركزية في العام 1991 عندما قال ان الوكالة حافظت على مسافة من المجاهدين العرب وقال "درسنا سبل زيادة مشاركتهم على شكل لواء دولي، ولكن ذلك لم يحدث لان الجهاديين اخذوا يتدفقون إلى أفغانستان من مختلف أنحاء العالم العربي".

الواقع خلاف ذلك، كانت الولايات المتحدة متورطة بشكل وثيق في تجنيد هؤلاء المتطوعين فقد تم استقطاب العديد منهم من خلال شبكة من مكاتب التجنيد في هذا البلد، وكان رجل الدين الفلسطيني الكاريزماتي، عبد الله عزام نبراس هذا الجهد وهو أسس مكتب الخدمات "ماك " المعروف أيضا باسم مكتب الخدمات الأفغاني، في العام 1984، لجمع الأموال والمجندين. وكان يساعده شاب عربي سعودي غني يدعى أسامة بن لادن، وكان ذراع الولايات المتحدة في عملية بروكلين، وزار عزام دائما عندما كان يجول في المساجد والجامعات في جميع أنحاء البلاد.

وقال علي صوفان، وهو عميل مكتب التحقيقات الفيدرالي ومكافحة الإرهاب والخبير السابق الذي قدم الكثير لفضح برنامج التعذيب بعد احداث 9/11 من قبل وكالة المخابرات المركزية انه "يجب أن نضع الأمور في نصابها". "منذ العام 1980 والجهاد معتمد في أفغانستان. أميركا كانت مركز التوظيف، فعزام قام بعدة زيارات رسمية للولايات المتحدة، وذهب من مسجد إلى مسجد – مجندا الكثير من الناس للقتال في أفغانستان تحت هذا الشعار.

ذهب التدخل الأميركي مع منظمة عزام بعيدا حيث تساهل وشجع على تجنيد السعوديين والفلسطينيين واللبنانيين ومجموعة كبيرة ومتنوعة من المقاتلين، الذين سيذهبون أساسا إلى أفغانستان للجهاد"، وأصر ماك وليامز ان ذلك كان جزءا من خطة وكالة المخابرات المركزية، وكان جزء من اللعبة ".

السعوديون بطبيعة الحال كانوا جزءا لا يتجزأ من الحملة المعادية للسوفييت منذ البداية. فوفقا لأحد المسؤولين السابقين في وكالة الاستخبارات المركزية ممن شاركوا عن كثب في عملية أفغانستان، فان المملكة العربية السعودية قدمت 40 % من ميزانية المتمردين. وقال المسؤول ان وليام كيسي، الذي كان يدير وكالة الاستخبارات المركزية في عهد رونالد ريغان، "كان يتوجه الى الرياض في كل عام "للحج" اي لطلب المال. في نهاية المطاف، وبعد الكثير من الكلام، كان الملك يجلس ونحن نستمع بأدب إلى كل ما لديه من أفكار غبية للغاية حول كيفية خوض الحرب ".

على الرغم من هذه التعليقات، يبدو أن استراتيجيات الولايات المتحدة والسعودية لا تختلف كثيرا وخصوصا عندما يتعلق الأمر بتوجيه المال للفصائل الأصولية الأكثر تطرفا، محاربة السوفييت لم تكن سوى جزء من الهدف النهائي، الداعية المصري أبو حمزة، يقضي حاليا حكما بالسجن مدى الحياة بتهمة الإرهاب، وهو زار المملكة العربية السعودية في العام 1986، وأشار في وقت لاحق الى ان الأوامر العامة ثابتة للانضمام إلى الجهاد: " للانضمام عليك ترك المدارس، وترك الأسرة". في الموضوع الافغاني كان الهدف من التجنيد هو الهاء الشعب عن المشاكل التي تعصف ببلدهم.

وافق صوفان على هذا التحليل وقال: "أعتقد أنه ليس من العدل فقط إلقاء اللوم على وكالة الاستخبارات المركزية،". "وكانت مصر سعيدة بالتخلص من الكثير من هؤلاء الرجال، الذين توجهوا الى افغانستان. وكانت المملكة العربية السعودية سعيدة للغاية في القيام بذلك أيضا"، وكان الأصوليون الإسلاميون يضربون الانظمة من الداخل: في نوفمبر تشرين الثاني العام 1979، على سبيل المثال، المتطرفون الوهابيين اقتحموا المسجد الحرام في مكة المكرمة مما اسفر عن سقوط مئات القتلى.

وبعد سنوات قصيرة بدأت الحكومات الراعية في التعرف على الخلل في المخطط: كان التنفيس في اتجاهين. وكانت الاجتماعات تتم في يخوت تجوب نهر النيل، بسبب الحملة الارهابية النشطة التي يقودها الجهاديون المصريون. أثار هذا التكتيك الدفاعي تعليق عنيف من أسامة الباز، المستشار الامني لحسني مبارك، واضاف "انه كله كان خطأ الأوباش الاغبياء في وكالة الاستخبارات المركزية" وقال عندما جنحت أضواء القاهرة "تم تدريب هؤلاء الناس، وتم الاحتفاظ بهم بعد أن غادر الروس والآن نحصل على هذا."

ووفقا للباز فقد تم انشاء مكتب الخدمات ماك المعروف أيضا باسم مكتب الخدمات الأفغاني بعد النزاع لاستهداف ايران في المستقبل. وأصر على القول ان تمويله كان يأتي من السعوديين ووكالة الاستخبارات المركزية، وكان جزء من تلك الأموال في مكتب "الكفاح" في بروكلين، تحت إشراف واحد من مساعدي عزام – الى ان تم اغتيال الامين على المركز ربما من جهادي منافس. (صوفان أكد عملية القتل، مشيرا إلى أن المبلغ المذكور كان حوالي 100000$).

  • اغتيل عزام في العام 1989 في بيشاور، باكستان، في انفجار سيارة مفخخة بمواد متطورة، على الرغم من وجود طائفة واسعة من المشتبه بهم، الا ان أرملته مقتنعة بأن وكالة الاستخبارات المركزية قد كلفت بقتله.

وقبل عام على محادثاتي مع الباز، كانت الولايات المتحدة قد تعرضت في العام 1993، لقنبلة في الطابق السفلي من أحد برجي مركز التجارة العالمي وقتل في حينها ستة أشخاص. (والمفجرون كانوا يأملون في قتل عدة آلاف) وكان عضو بارز في المؤامرة هو محمود ابو حليمة، محارب سابق في أفغانستان وعمل لسنوات كمتطوع في مركز بروكلين. وهو آخر تلاميذ عزام، ومع ذلك، ثبت أن المشكلة أكبر من ذلك بكثير: فأسامة بن لادن، اصبح يقود الان المجاهدين العرب الذين جندهم معلمه.

وفي العام 1996، تم تعيين وحدة خاصة من قبل وكالة الاستخبارات المركزية لتعقب بن لادن، بقيادة الخبير في مكافحة الإرهاب مايكل شوير. وهو مستقر في أفغانستان، زعيم تنظيم القاعدة يصبح لعبة في يد النظام السعودي بمجرد قيامه بدعمه هو وغيره من الجهاديين. ومع ذلك، بدت لدى بن لادن روابط حافظ عليها مع وطنه - والبعض في وكالة الاستخبارات المركزية كان حساسا لهذه الحقيقة. عندما قابلت شوير في العام 2014 قال لي إنه طلب من السعوديين الحصول على معلومات روتينية منهم لكن لم تكن هناك استجابة.

بعد خمس سنوات، جند تنظيم القاعدة، مجموعة انتحاريين سعوديين دمروا برجي مركز التجارة العالمي. ربما هذه الكارثة قد انتهت بشكل دائم ولكنها لقنت واشنطن درسا لعدم الخلط بين الإسلام والسياسة، لكن العادات القديمة لا تموت بسهولة.

في ربيع العام الماضي، قام تحالف يضم الجماعات المتمردة السورية تحت مسمى "جيش الفتح" باجتياح محافظة إدلب شمال غرب البلاد، مما شكل تهديدا خطيرا على النظام السوري. وقد قاد حركة التغيير فرع تنظيم القاعدة في سوريا، المعروف محليا باسم جبهة النصرة. كان العنصر الرئيسي للائتلاف "أحرار الشام" هو مجموعة شكلت خلال الانتفاضة المناهضة للنظام في وقت مبكر وبحثت عن مصدر إلهامها عند عبد الله عزام. وعقب قيام النصرة بذبح عشرين شخصا يعتنقون الديانة الدرزية، اضطر الدروز المتبقين إلى اعتناق الإسلام السني. (وعدد من السكان المسيحيين في المنطقة فروا، كما نشرت مجموعة أحرار الشام أشرطة فيديو عن الجلد العلني بحق من يتخلف عن صلاة الجمعة).

تم تشكيل هذا التحالف القوي من الميليشيات الجهادية تحت رعاية الداعمين الرئيسيين للتمرد: المملكة العربية السعودية وتركيا وقطر. ولكنه يتمتع أيضا بتأييد اثنين من اللاعبين الرئيسيين الآخرين. في بداية العام، كان زعيم تنظيم القاعدة أيمن الظواهري قد أمر أتباعه بالتعاون مع المجموعات الأخرى. وفي مارس، ووفقا لمصادر عدة، فان غرفة التنسيق السعودية الاميركية التركية كانت في جنوب تركيا وقد أمرت الجماعات المتمردة مثل جيش الفتح والمجموعات الاخرى بأن تكون جزءا لا يتجزأ من ائتلاف تنظيم القاعدة.

قبل بضعة أشهر على هجوم إدلب، اوضح عضو مجموعة مدعومة من وكالة الاستخبارات المركزية الطبيعة الحقيقية لعلاقته المميزة مع تنظيم القاعدة وقال لصحيفة نيويورك تايمز: تحاول الولايات المتحدة ان تظهر تلك الميليشيات على انها مستقلة، بحيث يمكنها الاستمرار في تلقي الإمدادات الأميركية. عندما سألت مسؤولا سابقا في البيت الأبيض وضالعا في الوضع السوري إذا كان هذا التحالف موجودا بحكم الأمر الواقع: "لن أقول أن تنظيم القاعدة هو حليفنا، ولكن دوران الأسلحة لا مفر منه".

في الحرب السورية حافظ المسؤولون الاميركيون على التظاهر بأن الأسلحة التي يجري ضخها هي الى ما يسمى بالجماعات المعارضة المعتدلة. ولكن في العام 2014، وفي خطاب ألقاه في جامعة هارفارد، أكد نائب الرئيس الأميركي جو بايدن ان واشنطن تسلح المتطرفين مرة أخرى، على الرغم من انها كانت حريصة على القاء اللوم على حلفاء أميريكا في المنطقة، مشيرا الى ان "مشكلتنا في سوريا أكبر" .

وردا على سؤال أحد الطلاب: هل تحرك حلفائنا لإسقاط الأسد ام هو أساسا بداية حرب شاملة بين السنة والشيعة، فهم سكبوا مئات الملايين من الدولارات وعشرات آلاف الأطنان من الأسلحة إلى أي شخص سيقاتل ضد الأسد، إلا أن الاشخاص الذين تزودوا بالسلاح هم جبهة النصرة وتنظيم القاعدة والعناصر المتطرفة من الجهاديين القادمين من أجزاء أخرى من العالم.

جاء تفسير بايدن ليذكرنا بالأعذار الرسمية التي اطلقت حول تسليح الأصوليين في أفغانستان خلال العام 1980، التي ذكرت أن الباكستانيين سيطروا وبشكل كامل على توزيع الاسلحة التي تقدمها الولايات المتحدة والتي كانت وكالة الاستخبارات المركزية غير قادرة على التدخل عندما وصلت معظم تلك الأسلحة الى أمثال قلب الدين حكمتيار.

وردا على سؤال لماذا كانت الولايات المتحدة الأميركية عاجزة عن توقيف دول مثل قطر التي يبلغ عدد سكانها 2 مليون، من ارسال الأسلحة الى جبهة النصرة اجاب مستشار سابق لإحدى دول الخليج بهدوء: "انهم لا يريدون ذلك."

ادت الحرب السورية حتى الآن الى مقتل ما يزيد عن 200 الف شخص، وهي بدأت بعد احتجاجات مارس 2011، عندما كانت تحركات مماثلة تجتاح الدول العربية الأخرى. التصاعد الصاخب كان موضع ترحيب. ويبدو أنه كان يمثل الهزيمة النهائية لتنظيم القاعدة والفكر الجهادي المتطرف، وهو رأي صحيفة نيويورك تايمز التي نشرت تقريرا في فبراير بعنوان "بينما تقع الانظمة في العالم العربي القاعدة ترى التاريخ يتطاير". الرئيس ينظر إلى مقتل أسامة بن لادن في مايو الـ 2011 على انه فوز توج حياته السياسية. بيتر بيرغن، الناقد في "سي إن إن" قال ان الربيع العربي ووفاة بن لادن هما "الدفتين النهائيتين" للحرب العالمية على الإرهاب.

تنظيم القاعدة، كان يتبنى تفسيرا مختلفا عن الربيع العربي، واصفا الاخير بأنه تحول إيجابي تماما للقضية الجهادية. وفي هذا الوقت كان الظواهري متفائلا، وهو يرى "الطغاة" المدعومين من الولايات المتحدة، وهم يسقطون عن عروشهم وفي نفس الوقت "سيدهم" ينهزم. "المشروع الإسلامي"، كما اعلن حامد بن عبد الله العلي، وهو جامع للتبرعات في الكويت بان القاعدة ستكون "المستفيدة الأكبر من البيئة الحرة."

في حين كانت الثورات جارية، قررت إدارة أوباما ان "الإسلام المعتدل" هو الخيار السياسي الانسب للديمقراطيات العربية الناشئة - وخلصت إلى أن جماعة الإخوان المسلمين سوف تشغل الاماكن الفارغة.. وكانت بريطانيا هي من رعت هذه المنظمة الاسلامية كوسيلة لمواجهة الحركات اليسارية والقومية في الامبراطورية. كما كانت السلطة البريطانية، ووكالة الاستخبارات المركزية والسعودية، سعداء في رعاية المجموعة لنفس الغرض، غافلين عن جدول أعمالها الطويل. (السعوديون، دائما راعوا تلك المجموعة لمنعها من العمل داخل مملكتهم).

كانت جماعة الإخوان في الواقع تتبع السلف الايديولوجي للحركات الإسلامية الأكثر عنفا في العصر الحديث. سيد قطب، روح هذه المنظمة تم اعدامه في مصر العام 1966، كان بمثابة مصدر إلهام للشاب الظواهري كما انه شرع في مسيرته الإرهاب. وقد دعا سيد قطب إلى الخلافة في جميع أنحاء العالم الإسلامي.

إدارة أوباما لم تفعل شيئا لإيقاف جماعة الإخوان باعتبارها الممثل الرئيسي للإسلام المعتدل، وهي لا تختلف كثيرا عن العروض التي يقدمها حزب العدالة والتنمية في تركيا، فتركيا ديمقراطية ومزدهرة و الاقتصاد مزدهر. وهذا ما شجع المسؤولين الاميركيين على ترجيح كفة الاخوان في مصر بعد سقوط مبارك ، حيث قامت سفيرة الولايات المتحدة، آن باترسون، بعقد اجتماعات منتظمة مع قيادة الجماعة، وقال مسؤول سابق في البيت الأبيض: "كانت لدى الادارة دوافع لإظهار كيفية تعامل الولايات المتحدة مع الإسلاميين" "على الرغم من أن الجانب السلبي للإخوان كان مفهوما بشكل جيد."

في نفس الوقت كان قطر مثالا اخر على نجاح حكم الاخوان. فكانت حريصة على تأكيد استقلالها بين دول مثل المملكة العربية السعودية وإيران، وهي تستضيف الجيش الأميركي في قاعدة جوية خارج الدوحة، وقال مسؤول سابق في البيت الأبيض: "إن المستقبل يكمن حقا في أيدي الإسلاميين"، حيث رأوا أنفسهم "على الجانب الصحيح من التاريخ."

ويبدو أن المعارضة السورية كانت مرشحة مثالية لتحل مكان الرئيس الأسد الذي اصبح في مرمى الولايات المتحدة. في ديسمبر 2006، ارسل وليام روبوك، المستشار السياسي في السفارة الأميركية في دمشق، برقية سرية إلى واشنطن، -كشفت في وقت لاحق من قبل ويكيليكس-، مقترحا بعض "الإجراءات والبيانات والإشارات" التي يمكن أن تساعد في زعزعة استقرار نظام الأسد. ومن بين المبادرات الموصى بها قيام بحملة، بالتنسيق مع الحكومتين المصرية والسعودية، لتحريض السنة السوريين على النفوذ الإيراني في البلاد.

وقبل ذلك بشهر، كانت كوندوليزا رايس، وزيرة الخارجية قد اعلنت من الكابيتول هيل أن هناك "تحالف استراتيجي جديد" في الشرق الأوسط، لفصل "المتطرفين" (إيران وسوريا)                           و"المعتدلين" (المملكة العربية السعودية والدول السنية الأخرى ). هذه العبارات الملطفة والدبلوماسية كان وراءها شيء جوهري.

الأمير بندر بن سلطان، الذي عاد إلى الرياض في العام 2005 بعد سنوات عديدة له في واشنطن، قال بصراحة في محادثة مع ريتشارد ديرلوف، رئيس الاستخبارات البريطاني ان "الوقت ليس بعيدا في الشرق الاوسط" " وقال حرفيا "الله يكون في عون الشيعة". كان بندر يتحدث عن تدمير الكتل الشيعية في إيران والعراق، فضلا عن الطائفة العلوية في سوريا.

ومع ذلك يعي الحكام السعوديون تماما انه عليهم ايضا الحد من الفساد لديهم والممارسات الاحادية الأخرى وإبعاد الجهاديين، وكانت هذه المخاوف واضحة لديرلوف عندما زار الرياض توني بلير بعد احداث 11/9. كما أشار في وقت لاحق، الى ان رئيس الاستخبارات السعودي صاح في وجهه قائلا إن الهجمات الأخيرة في مانهاتن وواشنطن كانت "مجرد نزهة" مقارنة مع الفوضى التي يخطط لها المتطرفون في المنطقة: "هؤلاء الإرهابيون يريدون تدمير بيت سعود وإعادة تشكيل الشرق الأوسط! ".

مع بداية العام 2012، شاركت المملكة العربية السعودية وقطر وتركيا والولايات المتحدة بشكل كبير في دعم المتمردين المسلحين ضد الأسد. من الناحية النظرية، الدعم الأميركي للجيش السوري الحر اقتصر على "الامدادات غير القاتلة" من كل من وزارة الخارجية ووكالة الاستخبارات المركزية.

قطر، التي عبأت ودعمت المجلس الوطني السوري المعارض مع أعضاء من جماعة الإخوان المسلمين، والتي تعمل تحت شروطها. بينما كانت طائرات النقل القطرية المحملة بالأسلحة والمواد القاتلة تخرج وتدخل إلى تركيا، وتنقل حمولاتها القاتلة الى سوريا.

وقال مسؤول سابق في البيت الأبيض إن القطريين لا يميزون على الإطلاق بين الجهات التي يصلها السلاح. "بل كانوا يلقون الاشياء على المستفيدين منهم"، وفي معظم الاحيان المستفيدون كانوا جبهة النصرة وأحرار الشام، وكلاهما استفاد من استراتيجية إطلاق العلامة التجارية الجديدة التي أنشأها أسامة بن لادن.

قبل مقتله، كان بن لادن يعترض على تصرفات فروع التنظيم في العراق، من قطع رؤوس وقتل، معتبرا ان ذلك يشوه صورة منظمته. وقد دفع الادارة الإعلامية لديه لإعداد استراتيجية جديدة من شأنها تجنب "كل ما له تأثير سلبي على صورة " تنظيم القاعدة. ومن بين المقترحات التي نوقشت تغيير اسم المنظمة.

وقد تم تنفيذ هذه الاستراتيجية تدريجيا لأحدث الفروع كجبهة النصرة وأحرار الشام.

وساعد البرنامج على صعود الدولة الإسلامية، وهي المجموعة التي انشقت عن تنظيم القاعدة جزئيا لمخالفتها اوامر الظواهري وعدم موافقتها على تليين صورتها . على الرغم من أن الدولة الإسلامية جذبت العديد من المنشقين واكتسبت الأراضي على حساب شركائها السابقين في جبهة النصرة، فهي اكتسبت روحا قاسية وشديدة جعلت من المجموعات الأخرى تبدو اكثر إنسانية منها . (ووفقا لدافيد غارتنستاين وهو زميل بارز في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، وبحسب كثير من أعضاء جبهة النصرة فإن الدولة الإسلامية تم إنشاؤها من قبل الأميركيين "لتشويه سمعة الجهاد.")

المملكة العربية السعودية، وفي الوقت نفسه، مدفوعة بشكل رئيسي بالعداوة الشرسة تجاه إيران، الداعم الرئيسي الأسد، كانت حريصة على رمي ثقلها وراء الحملة المناهضة للأسد. وبحلول ديسمبر 2012، ارسلت وكالة الاستخبارات المركزية كميات كبيرة من الأسلحة دفع ثمنها السعوديون، ونقلتها من كرواتيا إلى الأردن إلى سوريا.

وأوضح مسؤول سابق في البيت الأبيض بان "السعوديين يفضلون العمل من خلال الاميركيين"، "لم يكن لدى السعودية القدرة الذاتية على تامين الاسلحة، فقد كنا الوسطاء، والمسؤولين عن عملية التوزيع". كان هناك وهم ضمني من جانب الولايات المتحدة بأن الأسلحة السعودية كانت في طريقها لمجموعة مؤيدة للغرب".

وكان هذا وهما نظرا لادراك واشنطن بالحس الوهابي للمملكة العربية السعودية وكانت وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون، قد ذكرت في برقية سرية من العام 2009، أن "الجهات المانحة في المملكة العربية السعودية تشكل أهم مصدر لتمويل الجماعات الارهابية السنية في جميع أنحاء العالم."

بعض دوائر الاستخبارات تظن أن هذا التمويل مستمر. "كم من المال السعودي والقطري يقدم الى الارهابيين وتنظيم داعش- أنا لا اتحدث عن التمويل الحكومي المباشر؟" فقد طلب ديرلوف في يوليو 2014 أن تكون داعش قادرة على السيطرة على المناطق السنية في العراق وذلك يتطلب الاستمرار في التمويل. وردا على سؤال عما يمكن القيام به لمساعدة العراق في أعقاب اعتداءات صيف العام 2014، أجاب دبلوماسي عراقي: "انها قنبلة المملكة العربية السعودية."

لكن المال كان يتدفق، انتهى السعوديون بالتأكيد من صياغة تحالفهم الاسلامي الخاص. "السعوديون بدأوا بتسليح جبهة النصرة"، بحسب ما أشار مستشار دولة خليجية، واضاف: "لقد قاموا بحساباتهم المطلوبة لفتح شهية الميليشيات ذات الميول الإسلامية، حتى أنهم شكلوا مظلة منافسة تدعى جيش الاسلام. وهو البديل السعودي - للإسلاميين ولكن ليس للاخوان المسلمين".

جيش الاسلام الذي يمتلكه الأمير بندر، وقد أصبح رئيس الاستخبارات السعودية في العام 2012، لم يكن يمتلك الكثير من القيم الغربية في جدول أعماله. زعيمه زهران علوش من مواليد دوما بريف دمشق عام 1970، نقل أفكار محمد عبد الوهاب عبر الخطابة في المساجد، وذاع صيت لواء علوش في ريف دمشق، نظرا لامتلاكه أفضل المعدات والتجهيزات التقنية والعسكرية من بين كل الجماعات المسلحة في سوريا، وألقيت على عاتقه "المهمة المستحيلة" بالسيطرة على دمشق، بحسب تقارير أمنية وإعلامية عديدة.

علوش اختار تزعم ما يقارب من50 كتيبة ولواء، جمعها تحت عنوان "جيش الاسلام" وبتمويل موحد مصدره السعودية، وهو ذراع بندر بن سلطان في ريف دمشق، ويحمل فكرا سلفيا وهابيا.

أصبح عزم تركيا (عضو حلف الناتو) وقطر (المضيف أكبر قاعدة أمريكية في الشرق الأوسط) على دعم الجماعات الجهادية المتطرفة واضحا بشكل صارخ في أواخر العام 2013. في 6 ديسمبر داهم المقاتلون المسلحون من أحرار الشام وغيرهم من الميليشيات مستودعات الاسلحة في باب الهوى على الحدود التركية، واستولوا على الإمدادات التابعة للجيش السوري الحر. وعند معرفة ما حدث، تقرر عقد اجتماع لمجموعة التنسيق الدولية حول سوريا، ما يسمى بمؤتمر لندن 11 في الأسبوع التالي. وكان مندوبون من الولايات المتحدة وأوروبا، والشرق الأوسط قد اصدروا إدانة صارمة للجماعة الجهادية المخالفة.

رفض الأتراك والقطريون، ذلك،. باعتبارهم من المشاركين وقالت جميع الدول المشاركة في المؤتمر ان معارضة تركيا جاءت لدعمها مجموعة أحرار الشام، وأصر الممثل القطري على عدم وصف هذه الجماعات بالإرهابية.

فكانوا يقولون: "إذا تمت تسمية تلك المجموعات بالإرهابية، فنحن اذن عائدون الى الوطن". وقال مندوب الولايات المتحدة أن الجبهة الإسلامية، وهي منظمة مظلة، ستكون موضع ترحيب على طاولة المفاوضات - ولكن أحرار الشام، لن يسمح لها بذلك، ولكن الدبلوماسيين وخلال بيانهم، لم يذكروا أي إدانة، أو حتى ذكر لأحرار الشام.

بعد ذلك بعامين، اتهم ليون بانيتا، مدير وكالة المخابرات المركزية السابق، الولايات المتحدة بالفشل في تسليح أولئك المعتدلين. نادرا ما يتم ذكر العواقب الكارثية لهذا النهج الذي تم اتباعه في ليبيا. واضاف "اذا كنا قد تدخلنا بسرعة أكبر في سوريا".

وبينما يتم قضف الدولة الاسلامية يحظى أحرار الشام وجبهة النصرة بالاحترام . وبعد شهر من اجتماع لندن 11، نشرت افتتاحية في معهد بروكينغز ذكرت : "ان وضع مجموعة إرهابية مثل احرارا الشام على لائحة الارهاب قد يأتي بنتائج عكسية من خلال دفعه تماما نحو معسكر تنظيم القاعدة. "(هذا الاستسلام دفع قطر الى منح الارهابين 15 مليون $ وذلك ليس من قبيل الصدفة بلا شك).

خلال العام الماضي، عبرت شخصيات بارزة عن دعم العلاقة مع ملحقات تنظيم القاعدة من خلال اعادة تسميتهم. ديفيد بتريوس، رئيس سابق لوكالة الاستخبارات المركزية، دعا الى تسليح الأجزاء "الاكثر اعتدالا" من النصرة. روبرت فورد، السفير السابق في سوريا والمؤيد الصاخب للمتمردين، دعا أميركا إلى "فتح قنوات حوار" مع أحرار الشام، حتى ولو كان أفرادها في بعض الأحيان ممن ذبحوا العلويين ودنسوا المواقع المسيحية.

دعونا نكون منصفين قالت بينظير بوتو، رئيسة الوزراء الباكستانية، في العام 1993، "تعزيز الجهاد أصبح واضحا بالفعل ولكن هم لا يعرفون أبدا أن هؤلاء الناس الذين تدربوا لمحاربة السوفييت في أفغانستان سياتي يوم ويعضوا فيه من اطعمهم".

الأمور أكثر وضوحا على أرض الواقع. منذ وقت ليس ببعيد، بعيدا عن مراكز البحوث وغرف صياغة ونسج السياسات، قال صبي صغير من جبهة النصرة لاحد المخرجين انه خليفة أسامة بن لادن. مضيفا: " يجب مقاتلة الأميركان". وقال شقيقه، وهو أصغر سنا، انه يتطلع ليصبح مقاتلا في سبيل الله".

انفورميشين كليرينغ هاوس

ترجمة: وكالة اخبار الشرق الجديد: ناديا حمدان

http://www.informationclearinghouse.info/article43724.htm