Get Adobe Flash player

 

1 تشرين الثاني/ نوفمبر 2015

في نهاية الأسبوع الأخير من تشرين الأول/أكتوبر، ادّعى تنظيم مصري تابع لـ «الدولة الإسلامية في العراق والشام» («داعش»)/«الدولة الإسلامية» مسؤوليته عن اسقاط طائرة ركاب روسية فوق شبه جزيرة سيناء، الأمر الذي أسفر عن مقتل 224 شخصاً كانوا على متنها. وقد نفت كل من موسكو والقاهرة وجود صلة للإرهابيين بسقوط الطائرة، مدّعّيتان أن طائرة الركاب واجهت مشاكل في البداية على علو 30,000 قدم، وهو ارتفاع يتجاوز قدرات أنظمة الأسلحة أرض-جو التي تملكها الجماعة التي تطلق على نفسها اسم "محافظة سيناء." وفي حين أن هذا التقييم عن الترسانة المحلية لفرع تنظيم «الدولة الإسلامية» في سيناء قد يكون صحيحاً، إلا أنّه ليس هناك ما يدعو إلى التفاؤل. فحالياً، تنشر "محافظة سيناء" "أنظمة الدفاع الجوي المحمولة على الكتف" فضلاً عن الأسلحة المتطورة المضادة للدبابات، التي تشكل تحدياً فتاكاً على نحو متزايد لأمن مصر في شبه الجزيرة.

بيد، إن التهديد الذي يشكّله تنظيم «الدولة الإسلامية» في سيناء يتجاوز أهداف الحكومة والمناطق السياحية المصرية. ففي 2 آب/أغسطس، أصيب أربعة جنود أمريكيين بجراح في انفجار عبوة ناسفة في مصر. وكان هؤلاء يخدمون مع «القوة المتعددة الجنسيات والمراقبون» في شبه جزيرة سيناء، وهي إحدى أهم الالتزامات الأمريكية لحفظ السلام وربما الأقل معروفة [للجمهور]. فمنذ عام 1982، تساهم الولايات المتحدة بمئات من الجنود والطيارين لـ «القوة المتعددة الجنسيات والمراقبون» [«القوة المتعددة الجنسيات»]، وهي منظمة مهمتها مراقبة الأحكام الأمنية المتعلقة بمعاهدة السلام المصرية -الإسرائيلية في سيناء التي وُقّعت عام 1979. وبالإضافة إلى العمليات البرية، تستخدم «القوة المتعددة الجنسيات» طائرات مراقبة تقوم بمهمات من على شبه جزيرة سيناء لتحديد ما إذا كانت مصر تنشر قواتها بالتناسق مع التزاماتها وفقاً للمعاهدة من عام 1979. وقد أدى هذا الهجوم والبيئة الأمنية الخطيرة على نحو متزايد في سيناء في السنوات الأخيرة، إلى دفع إدارة أوباما إلى إعادة النظر في نشر «القوة المتعددة الجنسيات والمراقبون» ومهتمهم.

وقد تم أصلاً تصوّر «القوة المتعددة الجنسيات» في الأمم المتحدة في أعقاب "اتفاقيات كامب ديفيد". فبعد أن اعترضت الصين وروسيا على هذه المهمة في مجلس الأمن الدولي، وافقت واشنطن ومصر وإسرائيل على إقامة «القوة المتعددة الجنسيات» خارج اطار الأمم المتحدة ، وتحديد إدارة القوة وتمويلها من قبل هذه الدول. ووفقاً للملحق الأول من المادة الثانية من المعاهدة، كُلِّفت «القوة المتعددة الجنسيات والمراقبون» التابعون لها بمراقبة "المنطقة C"، التي تغطي ربع مساحة سيناء تقريباً وتمتد على طول الحدود مع إسرائيل. ومنذ ذلك الحين، عملت «القوة المتعددة الجنسيات»، بدعم الولايات المتحدة، كقوة عازلة في بعض الأحيان، وكمنظمة لبناء الثقة، ووسيط و"مستشار زواج" لكلا الطرفين.

وتضم «القوة المتعددة الجنسيات والمراقبون» 1667 عسكرياً من اثني عشر بلداً و 17 مسؤولاً مدنياً. ولكن الولايات المتحدة هي قلب المنظمة وروحها. فبين ثنايا "القوة الخاصة المؤلفة من كتيبة مشاة"، ووحدة الخدمات اللوجيستية التي توفر الطائرات وتقوم بالعمليات الجوية، وغيرهما من الوحدات والمهمات، تساهم الولايات المتحدة بما يقرب من 700 شخص لـ «القوة المتعددة الجنسيات والمراقبون». كما تغطّي واشنطن أيضاً ما يقرب من ثلث الميزانية السنوية للمنظمة التي تبلغ 86 مليون دولار.

وعلى مدى السنوات الست والثلاثين الماضية، شهدت العلاقات الإسرائيلية المصرية مداً وجزراً. ففي عهد مبارك، على سبيل المثال، أدانت القاهرة بصورة متكررة العمليات العسكرية الإسرائيلية في الضفة الغربية وقطاع غزة. وفي عام 2003، ذكرت بعض التقارير أن إسرائيل هددت بإسقاط طائرة استطلاع مصرية بدون طيار كانت تراقب قاعدة جوية إسرائيلية. وفي الآونة الأخيرة، شكلت فترة حكم الرئيس محمد مرسي من «الإخوان المسلمين» - والتي دامت عاماً كاملاً بين 2012-2013 - اختباراً للعلاقة - حيث تعهدت «الجماعة» بإلغاء معاهدة السلام. وخلال كل ذلك، كان لـ «القوة المتعددة الجنسيات» وجوداً ثابتاً ومطمئناً في في شبه الجزيرة، حافظت خلاله «القوة» على السلام البارد.

وفي الوقت الحالي، على الأقل على المستوى الرسمي، لم تكن العلاقات بين مصر وإسرائيل أفضل مما هي عليه الآن بتاتاً. ويُعزى هذا التطور المفيد إلى حد كبير إلى ظهور التمرد المستمر المدعوم من قبل تنظيم «داعش» في سيناء. وفي السنوات الأخيرة، وحيث اتسع التمرد الإسلامي، وصل التعاون الأستراتيجي بين إسرائيل ومصر ضد المسلحين إلى مستويات لا مثيل لها. وقد بلغ الأمر قيام إسرائيل باستهداف 5 متشددين إسلاميين بطائرات مسلحة بدون طيار فوق أجواء سيناء في نيسان/أبريل 2013، كما أفادت بعض التقارير.

ومن المفارقات، أنه في الوقت الذي أدّت الفائدة المتبادلة في احتواء تنظيم «الدولة الإسلامية» في شبه الجزيرة، إلى دفع إسرائيل ومصر على التعاون سوية، إلا أن التمرد هدّد استمرارية وجود «القوة المتعددة الجنسيات والمراقبون». وفي تموز/يوليو الماضي وحيث كان القلق يساور إدارة أوباما من سلامة القوات الأمريكية المتمركزة في سيناء، أفادت بعض التقارير أن الإدارة بدأت تُراجع السياسة المتعلقة بـ «القوة المتعددة الجنسيات»، بهدف سحب الوحدات الأمريكية منها.

ويقيناً، فحتى قبل تدهور الوضع الأمني الحالي، شهدت «القوة المتعددة الجنسيات» وقوع إصابات في صفوفها. ففي عام 2007، على سبيل المثال، تحطمت طائرة تابعة لوحدة ثابتة الجناح في «القوة المتعددة الجنسيات» في سيناء، وأسفر الحادث عن مقتل ثمانية فرنسيين وجندياً كندياً. إلا أنه خلال ثلاثة وثلاثين عاماً، لم تقع «القوة المتعددة الجنسيات» تحت وطأة النيران إلا على نحو دوري فقط.

ومع ذلك، ففي الآونة الأخيرة وجدت قوات «القوة المتعددة الجنسيات» على نحو متزايد بأنها معرضة للخطر. فقبل عامين في أيلول/سبتمبر، قامت مجموعة من البدو بمهاجمة "المعسكر الشمالي" لـ «القوة المتعددة الجنسيات» واختراقه واجتياحه، بإطلاقها نيران أسلحة آلية وقذفها قنابل يدوية، مما أسفر عن إصابة أربعة من قوات حفظ السلام قبل أن يتم التفاوض على انسحابها. وفي آب/أغسطس 2014، تم إطلاق النار على أحد أفراد الوحدة الأمريكية وإصابته بجراح من قبل مسلح مجهول بالقرب من المعسكر. وفي حزيران/يونيو 2015، تم قصف مطار «القوة المتعددة الجنسيات» المجاور لـ "المعسكر الشمالي"، وفي المدة الأخيرة في آب/أغسطس، أسفر انفجار عبوة ناسفة يدوية زرعها تنظيم «الدولة الإسلامية» عن جرح 6 جنود - أربعة أمريكيين واثنين من فيجي - تابعين لـ «القوة المتعددة الجنسيات والمراقبون».

وعلى الرغم من أن القاهرة قد نشرت الآلاف من القوات الإضافية والمعدات الثقيلة - بما فيها مقاتلات من طراز " F-16" ومروحيات هجومية من طراز "أباتشي" - في سيناء، إلا أن مصر لم تتمكن من احتواء العنف. فقد قُتل حتى الآن أكثر من 1000 جندي وشرطي مصري في شبه الجزيرة، من بينهم أربعة وستين جندياً قتلوا في يوم واحد فقط في الصيف الماضي. وفي العام الماضي، أسقط متشددون إسلاميون مروحية عسكرية مصرية فوق صحراء سيناء. وفي تموز/يوليو الماضي، أغرقوا سفينة دورية تابعة للبحرية قبالة الساحل المصري. وفي آب/أغسطس 2013، استهدف هؤلاء الإرهابيين سفينة كانت تعبر قناة السويس بقذيفة صاروخية.

وفي الوقت نفسه، وحيث ينمو التمرد الذي يقوده تنظيم «داعش» في سيناء، فإن الأمر سيان بالنسبة إلى التهديد الذي تشكله هذه الجماعة لـ «القوة المتعددة الجنسيات والمراقبون» ومهمتها. وحالياً، ترافق أرتال مدرعة مصرية دوريات «القوة المتعددة الجنسيات»، وقد قلصت «القوة» من عملياتها الجوية، كما تحد من نشرالمراقبين في المناطق النائية.

وعلى الرغم من هذه القيود، لا تزال القوات الأمريكية تشكل عاملاً حاسماً. فرحيل الوحدة الأمريكية سوف لا يؤدي حتماً إلى انهيار «القوة المتعددة الجنسيات» فحسب، بل سيؤكد تقليص التزام واشنطن لحلفائها في المنطقة الأمر الذي سيوفر نصراً معنوياً وعملياتياً كبيراً لـ تنظيم «الدولة الإسلامية» في الوقت غير المناسب تماماً. وستعارض مصر وإسرائيل هذا القرار أيضاً، وستتعاونان على الأرجح لوضع حد له.

وإذا قررت إدارة أوباما تقليص الوجود الأمريكي في «القوة المتعددة الجنسيات»، فلن تكون هذه المرة الأولى التي تتخذ فيها هذه الخطوة. ففي التسعينيات، طرحت وزارة الدفاع الأمريكية مبادرة لسحب الوحدة، ولكنها أُلغيت من قبل وزارة الخارجية في وقت لاحق. وفي الآونة الأخيرة، في عام 2002 خلال الأيام الأولى من "الحرب العالمية على الإرهاب"، سعى "البنتاغون" أثناء فترة إدارة الرئيس جورج دبليو بوش إلى تقليل المزيد من القوى البشرية العاملة من خلال تقليص حجم الوحدات التي كانت تضم آنذاك 865 جندياً وجعلها مساهمة رمزية تشمل 27 جندياً فقط. وفي آب/أغسطس 2002، استضافت وزارة الدفاع الأمريكية اجتماعاً ثلاثياً لمناقشة الخفض المزمع. وكان رد الفعل المصري والإسرائيلي شديداً لدرجة أنه تم تقليص عدد أفراد الوحدة الأمريكية بنسبة تقل عن 20 في المائة.

وعلى الرغم من تحسُّن المناخ بين البلدين في الوقت الحالي، تدرك كل من إسرائيل ومصر هشاشة العلاقة بينهما. وللعلم، في أيلول/سبتمبر 2011، ردّت إسرائيل على هجوم إرهابي كبير عبر الحدود من سيناء عن طريق قتلها خطأً خمسة جنود مصريين على الحدود. وفي أعقاب ذلك الحادث، اقتحم بعض الغوغاء السفارة الإسرائيلية في القاهرة، وحاصروا ستة دبلوماسيين اسرائيليين في الغرفة الآمنة. ولولا باب الغرفة المعزّز الذي سمكه ستة بوصات [15.24 سنتمتر]، لم يكن هناك شك بأنه كان سيتم قتل المبعوثين، وتعريض معاهدة السلام الإسرائيلية المصرية للخطر.

ومن المحتمل أن باب السفارة الإسرائيلية الذي سمكه ستة بوصات كان قد حافظ على المعاهدة قبل ثلاث سنوات، ولكن حتى في يومنا هذا، يَعتبر عدد كبير من المصريين أن إسرائيل عدوهم. ويقيناً، أن المعاهدة راسخة على المستوى الرسمي، ولكن بعد مرور ستة وثلاثين عاماً، لم تتحول إلى سلام بين الشعبين. ولنتأمل أنه في آب/أغسطس، رُفعت دعوى قضائية في محكمة مصرية تتهم طالب مصري أمريكي أنهى دراسته العليا في جامعة تل أبيب بـ "الخيانة العظمى" وتُطالب بتجريده من جنسيته المصرية.

وفي أعقاب قيام الحكومة الأمريكية بمراجعة سياستها في المنطقة، قامت إدارة اوباما في أيلول/سبتمبر الأخير بنشر 75 جندياً إضافياً في «القوة المتعددة الجنسيات» في سيناء لتعزيز قدرات حماية «القوة». وفي حين يمثل ذلك خطوة أولى جيدة، إلا أنه ينبغي عمل المزيد - بما في ذلك توفير ما يسمى بـ المركبات المدرعة "المقاومة للألغام المحمية من الكمائن" للوحدات الأمريكية التابعة لـ «القوة المتعددة الجنسيات والمراقبون» ولوحدات أخرى في «القوة». وفي الوقت نفسه، ينبغي على وزارة الدفاع الأمريكية النظر في تعديل إجراءات الرصد الحالي لـ «القوة المتعددة الجنسيات» لتشمل نشر المزيد من الأدوات المستترة وأدوات المواجهة مثل طائرات الاستطلاع بدون طيار. والأهم من ذلك، ينبغي على واشنطن الضغط أيضاً على مصر لقبول التدريب التي توفره الولايات المتحدة لمكافحة التمرد واعتماد تكتيكات مكافحة التمرد الحديثة للمساعدة في دحر مكاسب تنظيم «داعش» في سيناء.

وحيث أن هناك خمس دول فاشلة في الشرق الأوسط واثنتان آخرتان معرضتان للخطر، وفي الوقت الذي يُحرز تنظيم «الدولة الإسلامية» تقدماً ثابتاً، تُعتبر معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية واحدة من آخر ما تبقى من إنجازات سياسة واشنطن الإقليمية. ونظراً لهشاشة هذا السلام، فإن التزام الولايات المتحدة المستمر عبر وجود «القوة المتعددة الجنسيات والمراقبون» لضمان استمرار "اتفاقيات كامب ديفيد" هو [الآن] أكثر أهمية من أي وقت مضى.

ديفيد شينكر هو ومدير برنامج السياسة العربية في معهد واشنطن.