Get Adobe Flash player

غالب قنديل

تواجه سائر الدول والشعوب في العالم التحدّي الوجودي المتمثّل بوباء كورونا. ويصلح اعتماد طريقة تعاملها مع هذا التهديد الخطير للبشرية كمؤشر لمدى تحضّرها، وتقدّم أنظمتها السياسية والصحية والاجتماعية.

أولا: قد لا يطول وقت انتظار الوصول الى لقاحات موثوقة مجرّبة، وتعميم استخدامها بصورة تحقّق الوقاية للناس. وهذا حدث سيولّد إقبالا واسعا من سائر دول العالم للحصول على اللقاحات اللازمة، وبذلك ستطوي البشرية، في سنة على الأقل، صفحة أهوال كورونا وما سبّبته من ذعر كوني.

سيصبح الوباء من الماضي بعد أشهر من ذلك التحوّل، ولكنها صفحة لا يجب أن تُطوى في حساب الدراسة والعلّم، وأخذ العبر من هذه التجربة، بناء على تقييم تجارب الدول والشعوب، وكيفية استجابتها للتحدّي، ومدى مرونة وقابلية أنظمتها ومؤسساتها لحماية الحياة الإنسانية، ومحاربة الوباء الفتّاك، ومنع تهديده. وهذا التحدّي قابل للتكرار مع أوبئة أخرى، قد تظهر لاحقا، وتثير هلعا جديدا في صفوف الناس. كما أن خطرا مقيما يهدّد دولا عديدة، له صفة سياسية وأمنية كارثية، هو الإرهاب التكفيري، الذي لم تخمد بؤره المشتعلة رغم كل الجهود، التي بُذلت خلال السنوات الأخيرة. وبالتالي تواجه البشرية استحقاق التعلّم، ومراكمة الخبرة في التعامل مع الكوارث والتهديدات.

ثانيا: تتوقف فاعلية الإجراءات والتدابير ضد الأوبئة، أو ضد الإرهاب التكفيري أيضا، على قيام أنماط من التعاون الدولي، والشراكة العالمية في إدراك المخاطر، وتوحيد الجهود في مجابهتها. وإذا كانت البشرية قد اختبرت مع كورونا تهديدا بلا هوية، وخطرا أعمى، يحتّم التعاون بين سائر الدول والأنظمة، فإن دولا وأنظمة هي مع التصميم المسبق، والجهد المُدرِك فعل دول بعينها لا تريد الخير للآخرين. وهذا ما يجعل التصدّي للإرهاب أصعب، بما لا يُقاس، من مجابهة جائحة وبائية. ورغم ذلك تُظهر لنا التجربة أن تخلّف مستويات الوعي الشعبي، هي الخطر الأدهى من جميع التهديات والأوبئة. فعلى تخلّف الناس يبني الإرهابيون أوكارهم وشبكاتهم، وكذلك على جهلهم تتفشّى الأوبئة وتنتشر، فتفتك بالضحايا، وتُحيل الحياة الإنسانية الى جحيم.

ما تقدّم يجعل دور الإعلام وأهميته عنصرا رئيسيا في التصدّي للخطر، أيا كانت طبيعته سياسية أم وبائية. وهذا يلقي بمسؤوليات كبيرة على وسائل الإعلام الحديثة والتقليدية، وعلى الإعلاميين كذلك. وقد أثبتت التجربة الوبائية في مختلف البلدان أن ضعف اليقظة الشعبية، قد يورث كوارث، ويضاعف الخسائر البشرية ذات الكلفة العالية.

ثالثا: التجربة التي خضناها في لبنان مع وباء كورونا فضحت، وبقوة، حقيقة تخلّف مستوى الوعي الاجتماعي، وسطحية الانطباعات المجتمعية، التي تقود الى سلوكيات خطرة، تهدّد سلامة الناس. وكما تبني المنظمات الإرهابية والتكفيرية خلاياها على ممالك الجهل والتخلّف، فإن الأوبئة تعشّش في ذات البيئة، التي تتجاهل المخاطر. والأمر على هذا النسق، يلقي مسؤوليات مضاعفة على عاتق الإعلام، وكذلك المؤسسات الرسمية المسؤولة عن إدارة دفّة التصدّي للجائحة الوبائية، والتي هي بالتحديد المصدر المعتمد للمعلومات المكرّسة لتنوير الجمهور، ولوضع الناس أمام مسؤولياتهم في الحماية من الوباء. وقد أظهرت التجربة اللبنانية مؤخرا عيوبا كثيرة، لا تتركّز فقط حول أداء المؤسسات الرسمية القاصر والمعيوب في معظمه، بل أيضا في تخلّف مستوى الوعي الشعبي وتحلّله من المسؤولية، ومن حمل الهمّ العام ومشاعر التضامن البديهية في أي مجتمع. وهذا يعني أن اللبنانيين، وخلافا لما يدّعونه شعبيا ورسميا، من وعي وفهم، هم متخلفون وقاصرون عن التصدّي للمخاطر. وهذه حقيقة مؤلمة ومفجعة، لا يمكن إنكارها، وبكل أسف، فهي مصدر تهديد حياة هذا الشعب، ولن تفيد أبدا، بعد فوات الأوان، أيّ بكائيات، أو خطب النّدب والعويل.