Get Adobe Flash player

غالب قنديل

رغم الهالة السوداء والغِلال القاتمة، اللتين تخيمان على يوميات الشرق العربي، فإن الأمل الفعلي بولادة جديدة يتشكّل في الفضاء السوري، حيث توجد دولة وطنية صامدة ومستقلة منتجة وقابلة للتطوّر.

 

أولا: خلف الصورة القاتمة يتشكّل نهوض جديد لبلدان المنطقة محوره سورية وإيران والشراكة المتقدّمة بينهما في جميع المجالات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. وهاتان الدولتان تمثّلان نواة الشرق الجديد، الذي سيخلف عهودا من الضعف والاستكانة والهيمنة، وسيطلق مسارا جديدا كانت نواته إرادة المقاومة والتحرّر، التي جمعت دمشق وطهران منذ عقود.

لم تلتفت سورية وإيران منذ البداية الى ما يتعدّى الحلف السياسي والعسكري في علاقاتهما كمحور دفاعي في وجه الغزوة الاستعمارية الصهيونية. ولكن الزمن والتجارب فرضتا عليهما أن تفكِّرا سويا في شراكات زراعية وصناعية وتجارية وعسكرية وتكنولوجية، ضمن منظومة الدفاع عن الشرق في وجه الهيمنة الاستعمارية وحروبها الإجرامية، التي دفعت سورية بالذات ومعها حزب الله، ثمنا باهضا لها دفاعا عن الشرق كلّه، واستحق لها في ذمة حلفائها الكثير من الدّعم والمساندة الاقتصادية والمالية والعسكرية. فخلال الأعوام العشرين الأخيرة لعبت سورية دور خطّ الدفاع الأول عن الشرق كلّه، وكلّ ما قُدِّم لها من دعم ومساندة كان جزءا من مجهود حربي مشترك في الدفاع عن هذا الشرق. واليوم يمكن القول للأخوة الإيرانيين ولجميع الأحرار، الذين قدّموا الدعم لسورية: شكرا لجهودكم، التي ساهمت في توفير مستلزمات الصمود السوري، وهيا بنا نفكّر معا بالشرق الجديد، الذي آن أوان العمل على بنائه كما حلم به شهداؤنا، الذين قدّمناهم بطيبة خاطر دفاعا عن هذا الشرق.

ثانيا: قد يستغرب كثيرون هذه اللغة، وهذه النبرة في توصيف ما يجري، لأن سنواتٍ كثيرة تراكمت على جرح الشرق النازف، وصارت معها كثيرٌ من الجراحات والتضحيات ذكرياتٍ مضت، لكن ما يجب أن يبقى حيّا في ذاكرة الشرق وعند كلّ مواطن عربي، هو أن أرواحا عزيزة بُذلت ودماءً غالية اُهدرت في مجابهة الهيمنة الاستعمارية الصهيونية، ويجب أن تكون حاضرة في أذهان الجميع لا يطويها النسيان، ولا يجبُّها تقادم الأمر الواقع في طواحين يوميات الحدث السياسي وصخبه.

لقد خاض أبطالٌ شرفاء لسنواتٍ طويلة معارك الشرف في لبنان وفلسطين وسورية والعراق واليمن دفاعا عن الشرق كلّه، وعن شعبنا العربي ومصيره وحريته واستقلاله. ويمكن لأيٍّ كان تخيُّل الجواب الافتراضي على سؤال: ماذا لو لم ينهض شرفاء الشرق الى معركة الواجب والدفاع ضدّ الهيمنة الاستعمارية وأدواتها؟. ويمكن لنا أن نتخيّل سيول الدماء وأنياب النّهب اللصوصي، التي كانت ستشغل يوميات بلادنا لو تقاعد الأحرار عن واجب المقاومة، التي خاضوها ببسالة في وجه أعتى الرجعيات وأشدّها توحشا. فسنوات الدم والتكفير والمذابح التي لم تعد خطرا داهما، كانت آخر ما هدّدنا به الناب الصهيوني السّام في المخطط الأميركي الاستعماري لاستعبادنا.

ثالثا: يجب أن تعرف الأجيال أن عشرات السنين من النضال التحرّري والمقاومة الشعبية كسّرت أسنان الاستعمار الغربي والصهيوني، الذي استهدف المنطقة العربية، وأن ما نقوم به اليوم هو التّتمة لبطولات الصمود ولمعركة التحرّر الوطني، التي خاضتها أجيالنا على امتداد العقود الماضية، وأننا مؤتمنون على أنهار من الدماء العزيزة والأرواح الشريفة، وعلى قافلة من الشهداء ووصاياهم وأحلامهم ببناء هذا الوطن العربي على صورة النقاء والوضوح، الذي تحدّث به أبطالنا الكبار، الشهداء منهم والأحياء.

ما نحتاجه اليوم هو التعامل مع الظرف السياسي الصعب والمعقّد بالحزم، الذي يستدعيه الحسم في وجه القوى الرجعية المعادية لفكرة التحرّر الوطني، والتمسّك بالوحدة الوطنية وبنقاء أحلام التحرّر، وإعادة البناء على أسس جديدة اقتصاديا وسياسيا، وتقديم النموذج من كلّ رقعة حرّة تنتصر على الهيمنة. ومن هنا، وكما اعتبرنا إيران الحرة قلعة نموذجية، ينبغي النضال والتضحية لتحصينها والدفاع عنها، فإن سورية اليوم هي قلعتنا التي تستحق الدعم والتحصين والتضحية بالغالي والنفيس لأنها لم تبخل يوما في دعم الأخوة والأشقاء أو في مساندة أي نسمة تحرّر في المنطقة برمّتها. فعلى الدوام كانت سورية قوة إسناد ودعم لإرادة التحرّر في المنطقة، والشراكة بينها وبين إيران سطّرت صفحاتٍ مجيدة لحركة التحرّر العربي. وهذا ما يجب أن يترسّخ ويشمخ كمدماك رئيسي وحاسم لمنظومة المقاومة في المنطقة، وعليه سيُبنى مستقبل الشرق العربي.