غالب قنديل

يتربص التهويل بالغضب الأميركي بكل فكرة او اقتراح او محاولة للبحث عن مصلحة لبنان خارج شرنقة الهيمنة الأميركية ويمتنع وزراء الحكومة جهارا عن مجرد النظر في الخيارات البديلة الجاهزة والمضمونة والموضوعة في التداول.

 

اولا تضج يوميات البلد بما يردده أيتام فيلتمان ومسوخ السياسة والصحافة الذين ترعاهم الاستخبارات والسفارات الغربية بالويل والثبور وعظائم الأمورعلى أي همسة بشأن تطوير العلاقة بسورية وإيران والعراق وفي نوبات الذعر يغلق وزراء من الحكومة جوارير مكاتبهم على العروض الصينية المناسبة بإحكام ويكملون انتظاراتهم المملة والكسيحة لهزة رأس من بعثة صندوق النقد الدولي عبر التفاوض الافتراضي وهي حالة انتظار ترشحها التوقعات المتحفظة لسنة كاملة من اللاشيء واللاخطوات عملية واللاحراك ولن تفتح قبل إشارة الصندوق ملفات قروض سيدر وتسهيلات حلف شايلوك الباريسي المتخصص في إخضاع بلدان العالم الثالث واستنزافها ونهبها وفقا لتقنيات الاستعمار الجديد وأجهزته المعولمة وأخطرها صندوق النقد الدولي وأزلامه من الخبراء.

ثانيا إن لبنان الغريق يغلق على نفسه المنافذ داخل القفص الأميركي ويحبس قراره في علبة الذعر من إغضاب السيد الأميركي الذي تهتك جبروته في كل انحاء العالم وتشرشحت حكومته في معقله إلا في مجلس الوزراء اللبناني وسائر الاندية السياسية اللبنانية المضبوعة والمفزوعة من تبعات الذهاب إلى دمشق وبغداد وطهران وبكين وموسكو ومن نتائج سيرتبها في خطب طابور التهويل أي عمل يحقق مصلحة لبنان وليس لدى جميع فطاحلهم من خبراء واكاديميين ما يدحض الحقائق الدامغة فهم لم يستطيعوا ان يقدموا برهانا واحدا على الضرر من انهاء ملف الكهرباء في ستة أشهر وفق العرض الصيني وعلى طريقة استيفاء الكلفة من معادلة الشراكة في الأرباح وهم يعلكون التهريج القائل بأن ديون الكهرباء لا تحل بغير الخصخصة ويسيل لذلك لعاب سماسرة الداخل وشركة الكهرباء الفرنسية وبالطبع ليس لديهم حجة مقنعة لعدم السير في مشروع سكك الحديد والقطارات الصيني إلا مراعاة الشركات المحتكرة لاستيراد المحروقات ووكالات السيارات ووسائط النقل التي توقفت عن البيع ومعظمها ذاهب نحو الإغلاق.

ثالثا مفارقتان غريبتان يثيرهما واقع الحال وتطرحان أسئلة باقية دون إجابة مقنعة فماذا يمنع الحكومة عن التجاوب مع نداءات السيد المقاوم المتلاحقة لاتخاذ مبادرات إنقاذية كرر النصح بها علانية وظلت أصداؤها في الأثير كأنما لم تسمع في السراي وبينما الحكومة تنعت ليل نهار بأنها حكومة الحزب لإحكام امتناعها.

في حاصل الاستجابة للنداءات مخارج فعلية من المأزق وفرص جدية للإنقاذ ومنطقيا هي طريق الرئيس حسان دياب وفريقه للفوز على خصومه ومناكفيه بشجاعة اختيار السبل التي تمنع تمادي الانهيار وتحتوي النتائج وتشق طريقا جديدا في إعادة بناء الاقتصاد على النقيض من طريق القروض والتبعية أما المفارقة الثانية فهي اكتفاء الحكومة بالانتظار حتى الحصول على ختم صندوق النقد على خطتها لتدشن دروب الفرج المالي الموعود عبر قروض سيدر والسنة المتوقعة في هذا المنوال تنذر بتداعيات كثيرة وخطيرة عدا عن إمكانية تحويلها إلى فرصة باستثمار تلك المهلة لتحريك عجلة الإنتاج ورد الروح للزراعة والصناعة وحتى للسياحة وهو أضعف الإيمان الذي لم تدل عليه أي مبادرة ولومتواضعة.

رابعا تستهلك الحكومة وقتها ووقت اللبنانيين في مسائل هامشية واجبة لكنها تتعلق بالنتائج وليس بجوهر الأزمة وما زال خبراؤها يناقشون توزيع كلفة الانهيار بينما شعبهم دفع الكلفة مسبقا من قدرته الشرائية التي خسرت اكثر من نصف قيمتها وبعدما قادت أسعار الصرف المتعددة والتدابير المصرفية المرتبكة إلى "قص شعور" الناس الفقراء ومتوسطي الحال فيما نجا أصحاب الثروات والودائع الضخمة من المقصات التي تعملها آلة المال والمنافع في رقاب الفقراء والشرائح الوسطى فأي عدالة تلك ؟ وهذا الذي يجري هو ظلم شامل للناس الذين ضاقت احوالهم وذابت مدخراتهم امام اعينهم وتكرست حصانة من هربوا ودائعهم عشية الانهيار ويروى ان تلك العمليات تمت بنصائح شبه رسمية قدمت للمحظيين النافذين وبتسهيلات مكتومة للبنوك المتورطة في المضاربة ضد الليرة ويلف التحقيق ويدور بحثا عن "راجح" ويبقى بدون نتائج ملموسة وربما لن يكتشف اسمه ولن ينشر رسمه.

خامسا في جميع مذاهب الاقتصاد السياسي يعتبر حجم الثروة الوطنية أبرز قواعد التكوين الرئيسية لقيمة النقد التبادلية بل هو الرئيسي بلا منازع سواء كانت مصادر تلك الثروة معبرا عنها بتحويلات مالية من الخارج وقد أوقفت عمليا في معظمها بقهرية العقوبات الأميركية نتيجة الخضوع السياسي اللبناني وصار تسقط الدولارات الوافدة في حوالات الدفع السريع القادمة من اللبنانيين العاملين في الخارج إلى عائلاتهم سبيلا شبه وحيد للحصول على البنكنوت الأميركي او سواء كان المصدر هو عائدات تصدير السلع المنتجة وطنيا من المحاصيل الزراعية وعائدات الصناعة اللبنانية المسوقة في الخارج وهذا يعني ان على الحكومة إن أرادت ترميم الميزان التجاري وميزان المدفوعات ان تخصص ما يجب من المال لأولوية إنعاش الزراعة والصناعة وان تستدعي الشركات الصينية المهتمة بخطط تنقية الأنهار وبناء شبكات الصرف الصحي والري معا إلى جانب حل معضلة الكهرباء وهما ضرورة لخفض كلفة الإنتاج وتعظيم مردود الصادرات.