غالب قنديل

لا يمكن من الان تقديم تصور كامل حول ما سيأتي بعد انهيار أسواق النفط في العالم وداخل الولايات المتحدة بالذات ولكن الحدث شكل صدمة كبيرة زادت منسوب القلق والخوف في الدوائر المالية والاقتصادية والسياسية.

 

أولا كشف الهبوط القياسي غير المسبوق لأسعار النفط الخام في الولايات المتحدة سر تصميم الرئيس دونالد ترامب على تخطي مرحلة الإقفال التام واسترجاع دورة الحياة الاقتصادية العادية رغم مخاطر انتشار العدوى وتفشي فيروس كورونا بعد حصاد مرتفع جدا في تعداد الإصابات والضحايا وهو أثار بهذا التوجه نزاعات حادة متنقلة بين حكام الولايات الديمقراطيين والسلطات الاتحادية بلغت حد استعراض الحزب الجمهوري للميليشيات المسلحة في الشوارع.

الأولوية عند ترامب هي تلافي الوضعية البائسة التي بلغها مستثمرو المليارات في شركات التنقيب عن النفط الصخري الذي عرضوا عددا من الولايات والسواحل الأميركية لخطر اختلال جيولوجي كبير انذر العلماء معه  من زلازل وانهيارات محتملة وخطيرة في القشرة الأرضية والحافز الفعلي هو الحفاظ على معدلات أرباح مقبولة لقوة احتكارية كبرى تواجه اليوم حافة الانهيار .

ثانيا ليس الحدث عابرا بينما يتردد في مقالات ودراسات أميركية كلام كبير عن دولة فاشلة وقاصرة فضحتها جائحة كورونا مع انهيار واسع للخدمات الطبية وتبدو القضية النفطية عنوانا رئيسيا بينما الإمبراطورية الأميركية جعلت من الهيمنة على أسواق النفط وموارده محور حروبها وغزواتها خلال السنوات العشرين الماضية حيث استنزفت التريليونات التي حجبتها القليل منها عن مجالات العلوم الطبية والرعاية الاجتماعية والصحية التي كانت بعض دعائمها عرضة لهجوم جمهوري كاسح شنته إدارة ترامب الداعمة حاليا لمحاولات شركات صناعة الأدوية العملاقة لاستثمار الجائحة في تعزيز سطوتها على الأسواق من خلال ما تنفقه على الأبحاث والتجارب للوصول إلى العلاج واللقاح قبل الشركات المنافسة في فرنسا وبريطانيا وألمانيا والصين وروسيا وكوبا وإيران واليوم يصبح السؤال هل تمسك الإمبراطورية سوقا للمنتجات الطبية بينما تخسر سوقها الأهم التي شكلت ركيزة هيمنتها العالمية ومحرك غزواتها وحروبها في الشرق ؟.

ثالثا قبل استعجال الاستنتاجات والتوقعات لابد من المتابعة العلمية والدقيقة لمسارات التطور داخل الولايات المتحدة وفي سائر انحاء العالم لبلورة الاحتمالات المرجحة او لإجراء حسابات الترجيح الممكن وينبغي دراسة المعطيات المتحركة اقتصاديا وماليا في ظل توقف آلة الإنتاج في العالم ومضاعفات ما يجري في أسواق النفط.

تتلقى منظومة الهيمنة الاستعمارية اللصوصية في العالم مزيدا من الضربات والنكسات لكن هذا ليس كافيا لسقوطها ولحدوث تبدل جوهري في ميزان القوى تلقائيا وبالتالي سوف تتوقف النتائج الفعلية على طبيعة المبادرات والخطوات التي سيقدم عليها مناهضو الهيمنة ودعاة التحرر في العالم وهو امر غير متبلور حتى الساعة ولا يمكن ان يرتسم بالتمنيات وما يجري لابد من تحويله إلى محفز نوعي للقوى العالمية المناهضة للهيمنة الأميركية للبدء في تنظيم صفوفها والتحول إلى جبهة عالمية تناضل من اجل نظام دولي جديد على انقاض الهيمنة الأميركية الأحادية وهذا ما ينطوي على العديد من التحديات التي تتطلب صياغة مبادرات محددة لتخليص العالم من قبضة الإمبراطورية الأميركية الطامحة لتجديد هيمنتها بأي ثمن.