غالب قنديل

يصدق بعض الساسة والمتحدثين انفسهم عندما يتكلمون عن دولة ومؤسسات في لبنان الذي تبرهن التجارب على انه كيان مخلع  بلامناعة وطنية ومستباح للهيمنة الأميركية والغربية اقتصاديا وسياسيا وأمنيا وللحالة اللبنانية الهشة ذاكرة ممتدة منذ عقود تختصر مسافات الذهول أمام تبرئة عميل صهيوني مجرم.

 

أولا يتفق اللبنانيون على أن أفضل الصفحات من تاريخ النظام السياسي القائم على التسويات كانت فيها دائما للولايات المتحدة حصة راسخة من النفوذ في رعاية السلطة القائمة وقد تبدل شركاؤها العرب والمحليون في التفاهمات المكونة للسلطات المحلية اللبنانية وهذا ينطبق على الحقبة الشهابية التي كانت ثمرة التفاهم الأميركي الناصري وكذلك في حقبة ما بعد حرب السنتين حيث أعيد تكوين السلطة بتفاهم أميركي سوري رعته قمة الرياض والمحور السعودي المصري بالذات ومن ثم بعد الطائف كان التفاهم السوري السعودي الأميركي مظلة راعية لإعادة تكوين السلطة.

ثانيا حرصت الولايات المتحدة دائما وفي جميع المراحل على توسيع نفوذها وتطويره في لبنان وهي اكتسبت منذ عام 2005 وبعد الانقلاب على الدور السوري وخروج القوات السورية من لبنان وضعية المرجعية الراعية مباشرة لحلف سياسي يرتبط بها وقد فتحت أمام السفارة الأميركية وتدخلاتها جميع المؤسسات بدءا من الجيش بذريعة الحفاظ على المساعدات الأميركية وبعثات التدريب التي استخدمت لترسيخ الصورة الافتراضية لدعم أميركي لايمكن الاستغناء عنه ولترويض العسكريين على مراعاة القواعد الأميركية للتعامل مع الوضع اللبناني.

ثالثا اهتمت معظم المرجعيات والقيادات السياسية باستثناء حزب الله وقلة قليلة من القوى والقيادات بتوطيد علاقاتها مع الأميركيين بافتراض أن الرضا الأميركي او على الأقل عدم الوقوف على ضفة العداء القطعي للسياسة الأميركية أي "عدم التطرف والاعتدال" كما تقول التسمية الرائجة هو أحد شروط الوجوب للاحتفاظ بمواقعها في معادلات التسويات وشاع في مواقع الإدارة والقضاء والجيش العليا انطباع جدي بأن عدم استفزاز الأميركي هو كفالة للصعود والترقي الوظيفي ولأي طموح سياسي.

يحتفظ الأميركيون وسائر دول الغرب بالعديد من الاختراقات في السلطة السياسية ومؤسساتها واعتمد في حاصل التوازنات اللبنانية خيارالتكيف النسبي مع الطلبات الأميركية وكان حزب الله في الحصيلة مضطرا لقبول هذا الواقع مراعاة للتوازنات السياسية والطائفية الدقيقة حتى عندما انصاع النظام بكليته للعقوبات الأميركية التي تستهدف المقاومة ومؤسساتها الاجتماعية والإعلامية حيث ارتضى الحزب تحمل النتائج منفردا ولم يضغط على حلفائه وخصومه لاستصدار قرارات حاسمة تمنع الامتثال للعقوبات لتقديره بتعذر ذلك أصلا بسب طبيعة الخيارات والمصالح وحتى اليوم وبعدما ساهمت العقوبات في الانهيار المالي والاقتصادي ما تزال الأمور على حالها من هذه الزاوية.

رابعا ثابتة اعتبار وجود المقاومة ركنا أساسيا وحاسما في التسويات والحكومات حقيقة خارج الاختلاف ولافضل لأحد في الاعتراف بها ورضوخ الأميركين تم بقوة المعادلات القاهرة وباعتراف فريقهم المحلي بجميع تلاوينه ولكن تحت سقوف التسويات وتقاليد المساكنة الاضطرارية يجري تنفيذ عملية التفاف وتجويف متدرجة يقودها المخططون الأميركيون لضرب المناعات والسدود الحامية لخيار المقاومة ودورها عبر التصميم على توهين الحلف السياسي الداعم لها وفق خطة التعرية السياسية التي عرضها فيلتمان في الكونغرس والاستهداف هنا يطال قوتين رئيسيتين هما حركة أمل والتيار الوطني الحر ومن خلال محاولات متكررة للاختراق والتطويق بواسطة جماعات الحراك الممسوكة أميركيا التي أتيحت لها مساحات الحضور اعلاميا وميدانيا وحظيت بالحماية المعنوية باشراف عوكر مباشرة.

خامسا قضية عامر الفاخوري تعبر عن بلوغ التمادي الأميركي درجة تنذر بخطر كبير ومغزاها شل المقاومة وحلفائها في ملف يطال الصراع مع العدو الصهيوني ومسألة ارتباط جماعات من المرتزقة اللبنانيين بالكيان الصهيوني وعملهم في خدمته لسنوات.

هذه الرسالة تعني عمليا تقديم الحصانة الأميركية للعملاء وإثبات القدرة الأميركية على إخضاع السلطات السياسية والقضائية للمشيئة الأميركية والقدرة على تخطيها عند اللزوم لحماية قاتل ومجرم حرب كعامر الفاخوري ولهذا رمزيته وتأثيره المعنوي وينبغي اخذه على هذا المستوى من التحدي كما ينبغي اخذ العبرة منه سياسيا على صعيد المقاومة في العلاقة والتفاهم مع الحلفاء الأقربين وفي التعاطي مع جميع مظاهر النفوذ الأميركي الذي يتوسع في المجتمع اللبناني وليس عجزه المتأصل عن اختراق قاعدة المقاومة وجمهورها كافيا لإفشال المحاولات الأميركية الناشطة في خدمة الصهاينة.

إن التنصل من مسؤولية التدخل السياسي في ترك الفاخوري يكشف مصيبة أكبر من الخلل في التقدير السياسي فهو يعني انحلال السلطات وسقوطها أمام استباحة أجنبية ووصاية استعمارية هي شكل وقح لاختراق صهيوني خطير.