Get Adobe Flash player

غالب قنديل

ارتسمت معالم الخطر الوجودي على البشرية من تفشي فيروس كورونا في جميع أنحاء العالم وتكشفت عيوب كارثية في الدول الكبيرة والصغيرة وأنظمتها السياسية وهياكلها المرتبطة بشؤون الصحة العامة والوقاية ومدى مرونة مؤسساتها في التصدي للكوارث وفي درجة الاستجابة الشعبية.

 

اولا ظهرت مفارقات ومقارنات في نمط التفاعل السياسي والإداري وفي طرق محاصرة الوباء المجهول علميا حتى الساعة لتظهر أن الدول المركزية القوية التي أعطت اهتماما للخدمة العامة في شؤون الصحة العامة وعملت على تنمية البحوث العلمية هي التي تبدو الأجدر في حماية شعوبها ومحاصرة الوباء والحد من انتشاره واعترف العالم للصين الشيوعية بالتفوق كنموذج لدولة رعاية متصلة بشعبها تحظى بثقته وهي قادرة على الاحتواء والحماية امام هول الكارثة وقد انخرطت قيادتها في تفاصيل الخطوات والتدابير الصارمة وسط انضباط جماعي مذهل ينم عن ثقة شعبية في الاستجابة للقرارات الحكومية وبتكيف سلوكي دقيق في المجتمع برهنت عليه التغطيات الإعلامية التي تناقلتها وسائل إعلامية ضخمة وواسعة الانتشار عملت لعقود على شيطنة الصين ونعتها بالنظام الشمولي والبيرقراطي والمتكلس وهو ما تكذبه الوقائع المعترف بها اليوم عن دينامية هائلة وقدرات عالية إعلامية وتقنية وطبية وخبرات مستجدة يتسابق المهددون للاستعانة بها في قلب الغرب الصناعي الذي تخلت بعض دوله عن العنجهية الإيديولوجية والاستعلاء السياسي امام الكارثة الزاحفة لتطلب المساعدة الصينية.

ثانيا  النموذج الاقتصادي التابع في لبنان وحزبه السياسي تكفلا بتدمير مفهوم الخدمة العامة ومحاصرة المستشفيات الحكومية وقطاع التعليم العام على مدى العقود الماضية وهو ما كان نسخة رثة وسخيفة تابعة للهيمنة عن النيوليبرالية التي تضعف بنتائجها قدرة الدول الغربية الصناعية المتقدمة على مواجهة التحدي الوجودي الخطير كما تبين الوقائع العملية فكيف بنموذجنا الريعي الركيك المخلع وفي غياب دولة وطنية حقيقية ومع النظام السياسي الذي اهلك فكرة الخدمة العامة وأعدم العافية لجميع المؤسسات العامة.

نشر المنظر الاقتصادي الأميركي جوزيف ستيغلز الذي كان المستشار الاقتصادي الأبرز في إدارة بيل كلينتون مقالا نشره منذ أيام في موقع بروجيكت سانديكيت وأوضح فيه تبعات بلوى الترامبية على الولايات المتحدة في مجابهة كورونا بعدما نهش المحافظون الأميركيون منذ ولاية ريغان في موازنات البحث العلمي ودمروا مفهوم الخدمة العامة وفي ظل تعبئة سياسية متواصلة ضد كل ما يتعلق بدور الحكومة اقتصاديا واجتماعيا وصحيا واعتباره عبئا على الاقتصاد الأميركي والشركات الكبرى التي هي قدس النظام وقد اختصروا اطروحاتهم بعبارة "الحكومة هي المشكلة" وعلى الرغم من كل ما يحكى عن فعالية المجال الصحي الأميركي فهو يقف اليوم مربكا امام الفيروس.

ثالثا المحن والكوارث تقدم فرصا للتعلم وللمراجعة عند أي عاقل او حصيف يتحمل مسؤولية الموقف والكلمة ويقيس مردودها وفعلها في مجابهة محنة وطنية شاملة يحملها خطر وبائي قاتل وهي تفترض إظهار حمية شاملة وشراكة واسعة في سبيل حماية الناس من التبعات والنتائج المميتة لتفشي الفيروس الذي برهنت التجربة انه قد يشكل خطرا جديا على من يصيبهم  بتمكنه من تدمير اجهزة المناعة وإتلاف الجهاز التنفسي البشري ودفع المرضى نحو حتوفهم وإذا كان ستيغلز قد اعتبر الترامبية كمذهب سياسي خطرا على المناعة الأميركية في مجتمع تملك دولته قدرات عملاقة وتجد نفسها مضطرة للاستنفار بعد الإنكار الرئاسي للخطر الذي اجتاز عتبة البيت الأبيض وفرض الاعتراف والانتقال نحو المجابهة والطواريء الوقائية على إدارة ترامب ففي لبنان المنهك والمستنزف تكابد الحكومة لمواجهة الخطر في مناخ سياسي وإعلامي مريض والمرض اللبناني المقيم هو العبث والنكاية والتحلل من المسؤولية الذي بينته الأحداث المتلاحقة في الأسابيع الماضية.

رابعا أمس ظهر العبث الخطير على كورنيش المنارة في احتشاد بررته عبارات أشخاص لامبالين كشفوا عن تشوه خطير في الوعي الشعبي وعن تحلل من المسؤولية عن صحتهم وصحة سواهم القريب والبعيد وبعدما تلاحقت التحذيرات على لسان المسؤولين والخبراء عن درجة الخطر وعن كون العزل المنزلي سبيلا للحماية الفردية والجماعية من مخاطر الاختلاط والتجمعات والحشود.

تبدى العبث نفسه في العقلية السياسية والإعلامية التي ظهرت من خلال استغلال الأزمة وخطر الكارثة في نكايات سياسية وتصفية حسابات ضد الحكومة على طريقة "عنزة لو طارت" وقد لاحق العابثون إعلان التعبئة العامة بالتشكيك وبشيطنة سياسية وإعلامية خبيثة تنم عن مقامرة خطيرة بسلامة الناس وبدوافع سياسية صغيرة يتحلل أصحابها من أي حس مسؤول فكل تبخيس لإجراءات الوقاية ولمتانة الالتزام بالتدابير الحكومية هو فتح لثغرة قد ينفذ منها الفيروس إلى بعض اللبنانيين وقد يفلت من السيطرة والمسألة لاتقابل بخطب الشجاعة الفارغة ولا بنفث أحقاد سياسية دفينة للتنكيل بالحكومة وداعميها أو محاولة النيل من المقاومة وحلفائها الداعمين للحكومة فالوباء لايتوقف عند أي حاجز سياسي أو جغرافي أو طائفي أو إقليمي بين السكان وهو لايدقق في هويات المقيمين وميولهم قبل أن ينقض عليهم ويدخل خشومهم وحناجرهم وهو سريع الانتشار يبحث عن أجساد بشرية يستوطن فيها بغض النظرعن جميع التفاصيل التي تشغل اليوميات السياسية والإعلامية وتصنيفاتها المريضة أصلا فالإنسان هو المهدد والعابثون في مجابهة الكارثة هم خطر قاتل على الإنسان ..."كفى انضبوا" فإما أن تساعدوا الحكومة في جهودها أو دعوها تعمل إن لم تكن لديكم كلمة طيبة أو مشورة مفيدة.