Get Adobe Flash player

  غالب قنديل

 تعامل النموذج اللبناني الريعي التابع مع أزمته الهيكلية المتصاعدة منذ التسعينيات بمنطق شراء الوقت ومن خلال تسول القروض واستدعاء مؤتمرات دولية إقليمية عقدت في باريس لضخ مزيد من القروض التي تحرك السيولة المالية في القطاع المصرفي وتم بالتوازي تثبيت النموذج الذي قاد تصاعديا إلى خراب القطاعات المنتجة وسحقها بعد حرمانها من أي فرص للنمو بينما جرت حماية منظومة إعلامية ترويجية في خدمة هذا النهج.

 

 

أولا كانت أولى الأضاليل التي روجتها الحكومات الحريرية هي اعتبار الدين الداخلي عبئا يمكن احتواء نتائجه مهما تضخم بينما جرت رشوة شرائح اجتماعية واسعة بلعبة المضاربة المالية والعقارية من خلال ورم ريعي وانتعاش وهمي بني على الفوائد المرتفعة والأسعار الخيالية وسوق بدعاية خادعة تحت شعارات النهوض المالي والإعماري وترويج الرهان على استعادة أمجاد حقبة ازدهار الخدمات السابقة والتي ولى زمانها وقامت بدائلها الإقليمية.

 

ثانيا جرى الانتقال عن طريق مؤتمرات المانحين إلى مرحلة مراكمة الديون الخارجية مع تورم الدين الداخلي وتم رهن الاقتصاد اللبناني للمشيئة السياسية الخارجية بقوة الدين العام المتضخم ورعت الحكومات المتعاقبة عملية شراء الوقت بالقروض لتؤجل خطر انفجار الأزمة بوقوع الانهيار المالي والاقتصادي والنقدي الذي جرى تعجيله بسلاح العقوبات الأميركية الخانقة.

 

ثالثا خنق نظام التقاسم الريعي الخاضع أمام الوصاية الأميركية والغربية جميع المبادرات لنقد النموذج البائس وحارب المنتقدين وأقام نظاما إعلاميا يروج لأوهامه ولوعوده وكرس جهوده لحجب الآراء المخالفة والناقدة ولشيطنتها فتم بتدبير سياسي تعطيل الآليات القانونية الناظمة للإعلام وجرى شل المرجعية التي نص عليها القانون لإباحة الارتهان السياسي والمالي لقطاع الإعلام داخليا وخارجيا واليوم سترتكب الحكومة خطأ منهجيا إن قبلت التخلي عن تطبيق القانون النافذ بانتظار صدور قانون جديد فهذا سيعني دوام الفلتان وسيادة الجهات الخارجية والداخلية التي تديره وتتحكم به.

 

رابعا بينما استنزفت سائر القطاعات الاقتصادية وسيطر الركود راكمت المصارف ارباحا خيالية في لعبة الدين العام وتورمت رساميلها في ظل الفوائد المرتفعة على سندات الخزينة بالليرة وبالعملات الأجنبية التي حصلتها من الخزينة ومولتها الحكومات بديون متعاظمة وهي فوائد ربوية مركبة بتراكم الزمن تشكل اليوم عشرات مليارات الدولارات من إجمالي قيمة الدين العام غير المحددة بوضوح وهي ما ينبغي وضعه على لوائح الشطب في أي إعادة هيكلة منصفة وعادلة بحق لبنان يخشاها من تربحوا من المرحلة السابقة.

 

خامسا منذ انطلاق مرحلة ما بعد الطائف ارتهنت المصارف للوصاية الأميركية الغربية في ظل قرار سياسي اتخذته الحكومات المتعاقبة بالخضوع للعقوبات المالية والمصرفية التي استهدفت لبنان وقد فتح الباب لذلك بتشريعات فرضتها الوصاية الأميركية الأوروبية تحت عناوين مكافحة الإرهاب وتبييض الأموال وجرى الإذعان للنتائج التي قادت إلى خنق التحويلات المصرفية الوافدة من الخارج وتمت الاستجابة لوسم المقاومة بالإرهاب ولاستهداف مؤسساتها الاجتماعية والصحية والتعليمية والإعلامية وتكفل المصرف المركزي بتنفيذ تعليمات مفوض العقوبات الأميركية التي استجابت لها بقرار سياسي جميع الوزارات والمؤسسات اللبنانية دون قيد اوشرط.

 

سادسا تقود اوركسترا سياسية وإعلامية حملة ترهيب ضد توجه الحكومة لممارسة الحق السيادي اللبناني بإعادة هيكلة الدين العام ويهول على الحكومة طابور إعلامي مرتبط بجبهة اعتراض سياسية حراكية تتوخى مفاقمة الأزمة واستثارة اضطرابات وهذا الطابوريقود حملة تيئيس شاملة من جدوى البحث عن المساعدة الخارجية المحتملة وعمم سيناريوهات التهديد بمضاعفات خطيرة لعدم دفع استحقاق اليوروبوند في حين تحتاج البلاد لكل دولار متوافر في القطاع المصرفي أو لدى المصرف المركزي لسد احتياجاتها ولإنعاش دورة الإنتاج بدافع التصدير والحد من الحاجة للاستيراد ولاستئناف النشاط الاقتصادي الداخلي الذي عطله قطاع الطرق وشلته الإضرابات وانزلت به حالة الشلل خسائر باهظة.

 

سابعا تمثل الحملة التحريضية ضد الحكومة امتدادا خطيرا لهذه الجهود التخريبية المدمرة التي تضر بجميع اللبنانيين وهي تضاف إلى الضغوط الاقتصادية والمالية التي يفرضها واقع المضاربة ضد الليرة واستمرار الدولرة وفلتان الأسعار في الأسواق المحلية التي يتحكم بها محتكرو استيراد السلع الأساسية مع ضعف اجهزة المراقبة والحماية كامتداد لنهج اليد المرفوعة الذي فرضه النموذج المنهار.

 

إن الأزمة غير العادية تفترض معالجات استثنائية وتتطلب من سائر الحريصين دعم جهود الحكومة للحد من نتائج الانهيار وفضح جميع المتلاعبين واتخاذ التدابير الرادعة التي تقتضي اقداما سياسيا وحكوميا في منع التلاعب بالعقول والمتاجرة بأوجاع الناس على يد الأخطبوط الذي يرعى محاولة تدمير شاملة ليست بعيدة عن المشيئة الأجنبية المعادية للبنان ولشعبه.