غالب قنديل

أفظع من السذاجة والخبل وقلة الفطنة افتراض إمكانية الفصل بين الاقتصادي والسياسي في العالم المعاصر وبمثل ذلك يبدو الفك الافتراضي بين الضغوط الأميركية الاقتصادية والمالية والسياسية وبين العرقلة المقصودة وحملات التهويل الخارجية والداخلية التي تعترض حكومة الرئيس حسان دياب وهي تعكس خلفيات غير بعيدة عن خطط الهيمنة الأميركية ومعادلات الصراع الكبرى في المنطقة.

 

أولا على الرغم من كلامها المعسول اتجاه الحكومة الجديدة تهدد الإمبراطوية الأميركية بموجة جديدة من عقوباتها القاسية ضد لبنان بعدما كان لتلك العقوبات  دور حاسم في فرض توقيت الانهيار بعد تجفيف سيولة العملة الصعبة بحرمان لبنان من تحويلات العاملين في الخارج وفي تصفية مصرفين محليين يضمان اموال عشرات آلاف المودعين الصغار.

 هذه العقوبات منذ فرضها على لبنان تجندت في الداخل  لتنفيذها شبكة مصرفية مالية وقوى سياسية محلية روجت لضرورة الإذعان للمشيئة الأميركية بمضمونها ومترباتها السياسية والمالية وهي تآمرت على كل من يمت بصلة إلى المقاومة ولعب سياسيون ومصرفيون لبنانيون دورا مهما في استهداف مؤسساتها ورموزها وحلفائها بالعقوبات.

إن بديهيات السيادة الوطنية تفترض معاينة جميع الملفات بمعايير المصالح اللبنانية وعدم إخضاعها لموجبات استرضاء الغرب والولايات المتحدة بالذات وحيث تتيح قواعد التعامل الدولي فرصا لمخارج ممكنة تحد من استمرار لعبة لحس المبرد فتقديم اولوية السداد على تمويل الاحتياجات الملحة في زمن شديد الصعوبة على اللبنانيين هو خيار غير حكيم يرفع من وتيرة التأزم الاقتصادي والاجتماعي.

ثانيا كشف الجدل حول استحقاق سندات اليوروبوند ان مصارف محلية كبرى شاركت في بيع تلك السندات وتسويقها لقاء عمولات كبيرة وحصدت أرباحا لايستهان بها وهي تقيم سدا من التهويل والترويع امام احتمال اتخاذ قرار سيادي بعدم تسديدها تعليقا او تأجيلا والسعي إلى إيجاد مخرج عملي لمثل هذا الخيار لكسب بعض الوقت الذي يمكن خلاله المباشرة باتخاذ إجراءات وتدابير داخلية وخارجية تحد من الانهيار وتداعياته الاقتصادية والاجتماعية.

يمثل مالكو المصارف الفريق الرئيسي الذي حصد الأرباح والغنائم من ثمار النهج الذي أدخل لبنان في حلقة المديونية والريعية وهم الجهة الرئيسية التي تقاضت الفوائد الربوية على سندان الدين العام لسنوات وواصلت تجميع أرباحها وضاعفت رساميلها ونقلت أموالها إلى الخارج بينما البلاد مستنزفة وجميع قطاعاتها الاقتصادية تختنق وتمنى بالخسائر هذه القوة الريعية هي التي ارتهنت معظم العقارات المعروضة في مشاريع البناء طيلة عقود وأبقتها مغلقة امام الباحثين عن مساكن وساندها حاكم المصرف المركزي بالقضاء على سلة القروض السكنية المدعومة بعدما جفت مصادر الريوع المالية العقارية والمصرفية.

ثالثا تركز الحملات الأميركية على شعار الفساد لتبقي الواقع السياسي تحت الضغط وهي تشن حملة كثيفة من خلال شبكاتها وعملائها  لاستهداف حلفاء المقاومة في الداخل وتصرف الانتباه عن مسؤولية عملائها وهم يتربعون على رأس  القوى الاحتكارية الرئيسية القابضة على الحياة الاقتصادية والتي تضم كبار مالكي المصارف ومحتكري استيراد المحروقات وكبار وكلاء السلع الأجنبية المحصنين ضد تنويع مصادر الاستيراد ولحظر الحصول على غالبية السلع الاستهلاكية من مصادر جديدة ومن هذه القوى يتشكل اخطبوط الهيمنة.

 هذا ما ينطبق بقوة على الحصانة الاحتكارية لكبار مستوردي الأدوية وجميع الماركات العالمية للسلع الاستهلاكية وأي تدقيق في احوال السوق اللبناني يظهر درجة الخضوع لهيمنة الغرب وتحكم الوكلاء التجاريين بالشاردة والواردة لمنع دخول بدائل منافسة في النوعية والسعر تكسر سيطرتهم وتحكمهم وفي قلب هذا الأخطبوط المالي التجاري التابع للهيمنة الغربية سياسيون شركاء وداعمون وبعضهم مالكون لحصص في قلب التشكيلات القابضة او يتقاضون منها عمولات كبيرة.

رابعا يبدو واضحا أن القرار الأميركي الغربي يستهدف إدامة حلقة الاستنزاف وإحكام الضغوط والقيود  المانعة للخيارات الاقتصادية والمالية الجديدة والممكنة من خارج سلة الخضوع للهيمنة وللعقوبات ولقطع الطريق على أي توجه لبناني سيادي في التعامل مع عبء الديون المتراكم داخليا وخارجيا.

إن وضع الخيارات البديلة على الطاولة يعزز القدرة التفاوضية اللبنانية ومباشرة اتصالات ومفاوضات مع الجهات الدولية والإقليمية من محور الشرق تحصن الموقف اللبناني وتوسع من دائرة فرص الخروج من الحلقة الخانقة وثمة بوادر مشجعة من الشركاء الشرقيين المحتملين ولذلك يمكن للحكومة تطوير الاتصالات مع روسيا والصين وإيران وسورية والعراق ووضع جدول بالاقتراحات والخطوات الممكنة في الحصول على تمويل جديد بشروط مناسبة لإعادة جدولة الديون والمساعدة في تنمية الإنتاج الصناعي والزراعي بشراكات تعزز الصادرات وعائداتها.

ليست أبواب المخارج مسدودة لكن إيجادها وفتحها مرتبط بالتصدي لأخطبوط الهيمنة الذي لم يمانع يوما في تكسير البلد وسحق مقدراته لعيون السيد الأميركي بينما تستدعي حالة الانهيار قرارات غير تقليدية وشجاعة غير عادية في تحدي الهيمنة وكسر محرماتها والتمرد على أدواتها السياسية والاقتصادية والمالية وفي قلب المعركة التصدي لأبواقها الإعلامية.