غالب قنديل

ماذا قال الرئيس ميشال عون في حواره التلفزيوني حتى يستحق تلك الهجمات المتدحرجة بكثافة سياسيا وإعلاميا ؟ بعدما عممت حوله انطباعات تضمنت احكاما مسبقة وسلبية وكان كلامه عرضة لتحريف مقصود بدافع التعبئة والتحريض الذي ظهر فعله على ألسنة من قطعوا الطرقات في حالة هياج هستيرية عبروا عنها بالشتائم التي طبعت لغة التخاطب والمشهد الإعلامي والبث المباشر المتواصل منذ اليوم الأول للانتفاضة وعملت منابر الإعلام "الثوروي " على تعميمها وتناقل من استصرحتهم رواية محرفة لما قاله الرئيس عون في الحوار بينما اعترف بعضهم في بعض فلتات البث المباشر بأنهم لم يشاهدوا الحديث التلفزيوني برمته.

 

خلال الحوار ظهرت بقوة حقيقة لم تفلح في طمسها مقاطعات الزميلين المحاورين بدلا من تكثيفها بوضوح وهو التصرف المهني الموضوعي عندما خاطب الرئيس المتظاهرين بإيجابية واضحة فأكد لهم إنه سمع صرخاتهم وتبنى مطالبهم المعيشية وفهم شكواهم وتعاطف مع اوجاعهم وأنه يتمسك بتجسيد آمالهم بخطوات ملموسة مع الحكومة الجديدة ثم لخص ذلك بتصميم واضح على ثلاثة أهداف تعهد بالعمل لتحقيقها من موقعه الدستوري والوطني ووضعها في ثلاثة عناوين هي: معالجة الأزمة الاقتصادية الاجتماعية الخانقة بالخيارات الأفضل والأجدى والعمل لبناء الدولة المدنية ومكافحة الفساد.

الطبيعي والعفوي كان افتراض وتوقع الترحيب بكلام الرئيس الذي قوبل بالعدائية المسبقة وباستكمال لعبة صم الآذان وتعطيل الحوار التي ظهرت منذ البداية ردا على نداءات الرئيس الثلاثة المتلاحقة التي أعقبت الانتفاضة الشعبية وقوبلت بالرفض الذي يحمل بصمة مصممي الهندسة العفوية المصنعة لثورة "بلا قيادة " في مشهد الساحات والتظاهرات فالرد العفوي الطبيعي كان يفترض التفاعل الإيجابي مع كلام الرئيس والبناء عليه وترقب دعوته لمشاورات التكليف والتأليف وفق ما تعهد به.

سياسيا برزت القيادات الفعلية التي كانت تتخفى خلف الحراك بثلاثة أطراف حزبية نزلت إلى الشوارع وهي أبعد ما تكون عن العفوية ولديها خطابها السياسي المعروف الذي يستهدف رئيس الجمهورية وفريقه السياسي وهي تلح في طلب رأس المقاومة في سياق استهدافها المخطط للرئيس ميشال عون ولتوجهاته الوطنية السيادية التي تثير حنق الولايات المتحدة وسائر حكومات الغرب الاستعماري الداعمة للكيان الصهيوني وهي الحكومات التي التقت مع قادة العدو على الشكوى من "مخاطر" انتخاب الرئيس ميشال عون منذ البداية.

ما ظهر في الطرقات والشوارع لم يكن تظاهرا عفويا بل كان تحركا لمجموعات منظمة قامت بقطع الطرقات بالإطارات المشتعلة والحاويات في جميع المناطق اللبنانية مما يؤكد وجود تخطيط مسبق أخرج فرقا حزبية من المستقبل والقوات والتقدمي وأحزاب وأطراف حراكية أخرى ظهرت على الحواجز وبعضها هاجم الجيش بالحجارة واعترض السيارات العابرة وفق تعليمات قيادات سياسية وميدانية معروفة بتاريخها المشهود في التحكم بالمعابر خلال الحرب البغيضة وفي تنفيذ فورات الشغب المنظم التي مارستها في محطات سياسية عديدة خلال السنوات المنصرمة منذ الطائف.

مآثرالقيادات المنتمية لتحالف 14 آذار المختبئة في جلباب "الثورة " يذكرها جميع اللبنانيين وفي السياق وقع الحادث المؤسف الذي اوقع قتيلا في خلدة وتبين في الملابسات ان سيارة ضابط من مخابرات الجيش هو المسؤول عن الشويفات تم اعتراضها من قبل مسؤول حزبي مشارك في قطع الطريق فحصل تلاسن وتدافع أعقبه إطلاق نار اوقع قتيلا مما يعطي فكرة عن مخاطر دموية داهمة في لعبة تقطيع الأوصال ومن المصادفات التي جنبت البلد ما هو ادهى انكشاف التفاصيل بسرعة بينما تم تعميم شائعات كاذبة توخت استثمار الحادث لاستدراج فتنة مذهبية فور وقوع الحادث الدامي المؤسف.

تتكررالتساؤلات المشروعة في ظل تصريف الأعمال الحكومي حول إحجام الجيش وقوى الامن عن فتح الطرقات لحماية حق المواطنين بالانتقال إلى جانب استمرار حماية التجمعات والتظاهرات لصيانة حرية الرأي والتعبير وإفساح المجال امام استئناف دورة الحياة بدلا من منعه وإعطاء الوقت الكافي لانطلاق الاتصالات والمداولات التي تضمن مخرجا سياسيا ودستوريا آمنا من المأزق بتشكيل حكومة جديدة تتولى المسؤولية وتقر الخطوات الإنقاذية المنشودة بدلا من إطالة أمد الفراغ وفتح أبواب مخاطر الفوضى المتدحرجة التي تثير الشك بوجود خطة مرسومة بفعل ما حشد من ادوات وما ظهر وانكشف من خيوط تخطيط وتدخل اجنبية سافرة فرنسية وأميركية خصوصا من خلال سلسلة من المنصات والتجمعات والأحزاب المعروفة بتمويلها وارتباطاتها.

الظاهر للوهلة الأولى اليوم هو استهداف رئيس الجمهورية لكن الحقيقة ان المستهدف هو البلد برمته وجميع مناعاته وعناصر قوته والمطلوب إخضاعه للهيمنة الأميركية الغربية وإغراقه في خراب مديد ومقيم يخدم الهيمنة الاستعمارية الصهيونية في المنطقة ومخطيء من يتخيل سياقا آخر لكل ما يجري من احداث في لبنان.