غالب قنديل

 في صخب السجالات والجدليات السياسية تختفي قضيتان جوهريتان هما حقيقة عجز النموذج الريعي القائم على المديونية والهيمنة الأميركية الغربية عن تجديد نفسه بالوسائل ذاتها التي اعتمدت منذ التسعينيات أي بالمزيد من الديون وهوية البديل القادر على توفير المخارج من هذا المأزق الذي خلفته صيغة التقاسم منذ انطلاق الحريرية بعد الطائف.

 

 أولا في ترتيب الأولويات ينبغي الالتفات إلى ان الريعية والتبعية توأمان والتحرر الوطني والانتقال إلى الاقتصاد الإنتاجي توأمان كذلك لأنه يستحيل تطوير القطاعات المنتجة  في بلد كلبنان دون التحرر من قبضة الهيمنة الاستعمارية ومن النمط الاستهلاكي التابع  وهو ما يفرض إسقاط وصاية المستعمر الأميركي التي تمنع السلطة السياسية من أي خطوات جدية في طريق الشراكات الإقليمية والدولية المجدية وهي تفرض العقوبات الخانقة لتجفيف الموارد المالية والمسألة هنا سياسية بقدر ما هي اقتصادية واستراتيجية باستهداف المقاومة وبمحاصرة التوجه للشراكة مع محورها الإقليمي.

 لقد أرست الهيمنة الغربية الاستعمارية منذ عقود وظائف للنظام اللبناني وفرت له فرص انتعاش مالي ومصرفي وخدماتي لكن تراجع الفرص بات ظاهرا منذ ما يزيد على أربعين عاما وتفاقم  مع انتشار الركود ونشوء البدائل الإقليمية المنافسة للاقتصاد اللبناني في مجالات عديدة بما فيها الخدمات والسياحة والترانزيت ورغم توافر فرص فعلية في الشراكة مع سورية والعراق وإيران فإن الحظر الأميركي يحاصرها ويخنقها سياسيا بكل وضوح وهو ما يجعل المخرج الحقيقي من الكارثة مرتبطا بالتحرر من الهيمنة الأميركية وكسر قيودها.

 ثانيا من الوهم تخيل فرصة للخروج من الأزمة الراهنة ولتحاشي خطر الانهيار المالي من خلال خطة اقتراض جديدة في ملفات سيدر التي ليست سوى حلقة اخرى من مسلسل شراء الوقت الذي انطلق في العقود الأخيرة أو بورقة الخصخصة الشاملة التي طرحها الرئيس سعد الحريري وأبرز ما فيها تلزيم الخدمات والمرافق العامة لشركات اجنبية ومحلية بوهم تقليص النفقات العامة وفي غياب أي خطة جدية لتنمية الزراعة والصناعة والسياحة ورفع قدرتها التنافسية في ظل التغييرات الكبرى الإقليمية والدولية.

 الشراكة في خطة الحزام والطريق الصينية والسوق المشتركة في المشرق العربي أي مع سورية والعراق والأردن والشراكة مع إيران وروسيا هي الفرصة الفعلية لإحداث تغييرات جدية في الواقع لاقتصادي وتأمين موارد وفرص تسويق للمنتجات والخدمات اللبنانية ولتطوير ميزاتها التفاضلية.

 ثالثا يقف لبنان على المفترق السياسي اليوم والأفق مفتوح لخيارين لا ثالث لهما:

 الخيار الأول تجديد المساكنة السياسية بين محوري المقاومة والهيمنة في حكومة وحدة وطنية وهذا يتطلب الانتقال بهذه الصيغة وشروطها من الرضوخ للممنوعات الأميركية إلى نهج متوازن يسمح بتعديل الأولويات وتوسيع الشراكات الاقتصادية بالانفتاح على الشرق القريب والبعيد إلى جانب تعديل قواعد الشراكة مع الغرب والخليج وتعديل النصاب السياسي للحكومة بإضافة من يمثلون الحراك الشعبي من خارج قوى السلطة التي دخلت على خط الركوب والتوجيه.

 الخيار الثاني تشكيل حكومة سيادية وطنية من الأكثرية النيابية بالشراكة مع قوى الحراك الشعبي غير المرتهنة للخارج لتقود التوجه شرقا وتحرر البلد من الهيمنة الاستعمارية الأميركية وهو الخيار الذي يضمن مواجهة التحديات وتوسيع الفرص المتاحة للتنمية وللتطور اقتصاديا واجتماعيا في ورشة إعادة بناء وطني شاملة.

 إن لكل من الخيارين كلفته واحتمالاته وهو رهن طريقة إدارة الصراع السياسي من جانب الفريق الوطني الذي يضم حلف المقاومة بجميع اطرافه وقواه.