Get Adobe Flash player

غالب قنديل

تطغى على المشهد السياسي الداخلي المحتدم صراعات الأحجام والمواقع والطموحات على مستوى تقاسم السلطة السياسية في بلد تحت الوصاية تشح موارده ويمنع جيشه من الحصول على شفرة من مصدر خارج الهيمنة الأميركية والوصاية الأميركية.

 

لقد تم في السنوات الأخيرة صد هبات عسكرية للجيش اللبناني عرضت من روسيا وإيران والصين واغلقت أبواب الحصول على إمكانات كثيرة مفيدة لتعزيز قدرات الدفاع الوطني خضوعا للمشيئة الأميركية وليست العقوبات المالية على نظامنا المصرفي شكلا حصريا للاستعمار الأميركي فالأخطر هو ان ما يجري واقعيا جعل من الشروط الأميركية عنصرا تكوينيا في معادلات القرار السياسي اللبناني وباتت السلطات اللبنانية تقيس الأمور بميزان ما يغضب واشنطن وما تقبله واشنطن فتؤخر مثلا تلبية دعوات إلى دمشق او طهران او غيرهما لعدم إغضاب الولايات المتحدة ويتعامل الأشقاء والأصدقاء بتفهم للموقف اللبناني لكن ذلك لا يبدل من طبيعة الأمر سياسيا وبالتشخيص العلمي.

تتحول زيارة شركة صينية واحتمال نيلها لمشروع اقتصادي إلى قضية امن قومي اميركي وتثير زيارة رئيس الجمهورية إلى موسكو غضبا اميركيا وتوترا وابتزازا سياسيا متواصلا بينما يتربص بالبلاد شبح انهيار اقتصادي ناتج عن سلسلة الدين العام واسترسال السلطة القائمة منذ الطائف في حلقة لعق المبرد الكارثية.

هذا بذاته يستدعي انفعالات طبيعية بدافع الكرامة والاستقلال لأن القيود والممنوعات الأميركية تحول دون البحث عن مخارج للأزمة من خارج نادي ديون باريس ووصفات صندوق النقد الدولي وقد سدت السلطات اللبنانية تلك المنافذ بمحض إرادتها لاسترضاء الاميركيين او لتحاشي إغضابهم.

يجري التحايل على معضلة الوصاية الأميركية وينظر البعض لتوصيفنا لها باستغراب واحيانا بغضب فيعتبرون الكلام تشكيكا بوطنيتهم وهو ما لانتوخاه أبدا فلسنا في موقع التصنيف والحكم بل في مجال الحرص والنصح.

للأسف هذا هو واقع الحال الذي لا يمكن لنا علميا توصيفه بغير طبيعته وحقيقته والأسئلة القاهرة حاضرة فماذا يمنع التوجه إلى الصين؟ بكامل سلتنا المالية ومديونيتنا وبمشاريع البناء الاقتصادي التي نطمح إليها ولن نجد عند بكين غير الكثير الكثير مما نحتاجه وبشروط تحصن استقلالنا بدلا من شايلوك الأميركي الأوروبي الذي يقتطع من لحومنا كلفة السداد.

من يمنع على لبنان المشاركة في مشاريع السكك الحديد العملاقة التي ربطت بين سورية والعراق وإيران؟ ومن يخرب مبادراتنا لعودة الأشقاء النازحين إلى سورية ومن يعرقل أي مبادرة إيجابية لبنانية في العلاقة مع سورية وإيران والعراق وروسيا؟ الجواب واحد على جميع الأسئلة وهو مراعاة حكومتنا للمشيئة الأميركية الحامية للكيان الصهيوني ولمصالحه ولخططه واطماعه التي لم تغب يوما من المشهد الفعلي للتطورات المتصلة بالصراع العربي الصهيوني وآخر حلقاتها ملف الترسيم البحري والبري الذي يحاول ساترفيلد اخذه بعيدا عن الأمم المتحدة ونصب فخ تطبيع بالتفاوض المباشر تحت الرعاية الأميركية التي كانت دوما وما تزال طرفا شديد الانحياز للعدو.

صحيح إن تلك التوجهات هي موضع انقسام لبناني لأن فريقا في السلطة مرتهن كليا للمعسكر الغربي وحلفه في المنطقة وهذا الحلف يقف خلف مشاريع تصفية قضية فلسطين التي تطال لبنان مباشرة وهو ما يوجب خوض معركة سياسية حول الخيارات اللبنانية بدلا من الوقوع في قبضة ابتزاز الحلف المعادي بواسطة المرتبطين به.

ليس ادل على هذه المعضلة الخطيرة سوى تكرار الغارات الصهيونية من الأجواء اللبنانية ضد سورية وقد ساد الخرس المطبق حولها وكأنما تحولت شأنا عاديا ومألوفا لا يهز أي رمش في لبنان حتى لأصدقاء سورية المعروفين وهذا مفجع ومذهل بجميع المعايير السيادية والقومية والأخلاقية وهو دليل جديد على ضعف المناعة الوطنية وغياب معايير الكرامة في صياغة المواقف.

من غير مقدمات ندعو الوطنيين الملتزمين حقا بالمقاومة والتحرر الوطني إلى انتفاضة كرامة وعدم الاتكاء من جديد على انتظار طلب صريح من قيادة حزب الله الذي فاضت دماء شهدائه وأرواحهم على تراب لبنان وسورية وفلسطين دفاعا عن الكرامة وينبغي التفكير جديا بأشكال من العمل المباشر والمبادرة لحمل جزء من بعض الأعباء الثقيلة والمرهقة التي يتحملها حزب الله دفاعا عن آمال التحرر الوطني والاستقلال الحقيقي وكفى...