syria 18

غالب قنديل

تقول المصادر الأوروبية في حصيلة بياناتها السنوية ان مليارات الدولارات صرفت في لبنان تحت عنوان مساعدة النازحين السوريين وتطرح أرقاما ضخمة تم إنفاقها وفي كل مناسبة يذكرنا الاتحاد الأوروبي بما رصده لهذه الغاية من مبالغ تلقتها السلطات اللبنانية وجمعيات الإغاثة الناشطة في لبنان وموضوعها الافتراضي هو مساعدة النازحين المقيمين في لبنان.

في حسابات الداخل الأوروبي تتبدى هذه المساعدات بكل وضوح على انها اداة مهمة لتثبيت النازحين في اماكن إقامتهم الراهنة والحؤول دون هجرتهم إلى اوروبا وهو الهاجس الغربي الكبير الحاضر بقوة وفي ذات الوقت يستمر اعتراض الغرب لطريق مبادرات إعادة النازحين وربط الأمربما يسمى بالحل السياسي الأمر الذي رفضه الرئيسان ميشال عون ونبيه بري في جميع لقاءاتهم بالموفدين الغربيين .

يكفي سؤال بسيط عن احوال العائلات السورية في مخيمات النزوح صيفا وشتاءا وما تعانيه من مشكلات كارثية بيئية وصحية وتعليمية تحيط بظروف حياتهم ومعاينة القليل الظاهر منها في المواسم الكارثية تبعا لأحوال الطقس لرؤية الفجوة الخطيرة بين أرقام المليارات المسجلة في البيانات وحدية الكوارث المجسدة على الأرض.

يطرح مجددا السؤال الكبير عن وجهة التصرف بتلك الأموال وعمن يتخذ القرار بتوزيعها وهل هي تنفق من خلال الدولة اللبنانية ومؤسساتها ام عبر استنساب جهات حكومية متعددة ومن خلال سلسلة الجمعيات التي أقامتها جهات سياسية لبنانية لاستغلال قضية النزوح في صفقات وعمولات منذ انطلاق الحرب على سورية وهي الجهات اللبنانية نفسها التي تورطت في فصول سياسية وعسكرية وأمنية من تلك الحرب.

تلك السلسلة نفسها يتلقى بعضها الأموال مباشرة من الوكالات الأوروبية والأممية "المهتمة" بشؤون النازحين ويتضح من بعض التحقيقات الصحافية والملفات الإعلامية أنها مشوبة بشبهات سرقة ولصوصية على حساب بؤس النازحين ومعاناتهم الشاقة والصعبة.

التحدي الأبرز بعد مؤتمر بروكسيل هو الإجابة على سؤال هل يضع مجلس الوزراء يده على الهبة الأوروبية الجديدة التي اعلن عنها رئيس الحكومة سعد الحريري من بروكسيل ويقرر وجهة التصرف بها ام ان هناك شروطا اوروبية مسبقة ستتحكم بكيفية التصرف؟.

ثمة اختلاف لبناني واضح في وجهة التعامل مع النزوح كملف بالإجمال بين تيار لبناني يتصدره رئيس الجمهورية العماد ميشال عون وخلفه فريق رئيسي مشارك في الحكومة من سائر قوى الثامن من آذار وهو يعتبر ان المطلوب مساعدة النازحين على العودة إلى وطنهم وصرف المساعدات للعائدين إلى سورية داخل سورية وهو مصمم على رفض الربط بين عودة المهجرين السوريين وما يسمى بالحل السياسي.

بالمقابل يتخندق تيار متناغم مع المواقف والشروط الغربية يربط العودة بالحل السياسي ويرفض الاتصال المباشر بين لبنان وسورية.

ذلك الربط يمثل حلقة مركزية في خطاب الاتحاد الأوروبي ومواقف دوله وقد استطاع لبنان إحداث اختراق كبير للجدار الغربي في الموضوع بعد زيارة مفوض شؤون اللاجئين في الأمم المتحدة لسورية وكلامه الواضح بعدما تفقد تجمعات العائدين من لبنان الذين بلغوا عشرات الآلاف ممن عادوا بمبادرات نظمها الأمن العام اللبناني بالتنسيق مع الدولة السورية.

شهد السيد فيليبو غراندي بعد الزيارة بأن العائدين يعيشون في شروط جيدة وقد امنت لهم الدولة الوطنية السورية ما يلزم من شروط الحياة الكريمة والآمنة وهذا ما يمثل نقضا للمزاعم الغربية وللعراقيل التي تنباها فريق لبناني يلبي مشيئة خارجية للمساهمة في عرقلة العودة ضمن سياق الرهان الأميركي الغربي على الضغط ضد الدولة السورية التي كسبت جولة المصداقية بشهادة اممية في تعاملها مع الموضوع.

وجهة التصرف بمليارات النازحين التي صرفت سابقا محجوزة في علبة سوداء لا يعرف احد شيئا عن تفاصيلها وهي خارج التدقيق والمحاسبة حتى الآن فهل يتبدل السلوك الحكومي هذه المرة انسجاما مع شعارات الشفافية ومكافحة الفساد المنتشرة على ألسنة سائر الأطراف السياسية ام ستبقى سرا مكتوما لايعرف عنه شيئا إلا المستفيدون من استثمار اوجاع الأشقاء السوريين والمتاجرون بها ؟ وهي حالة الفساد الأقبح ففيها نهب سافر لأموال مخصصة لمساعدة مئات آلاف الفقراء المتروكين في أبشع الظروف.