غالب قنديل

كشف الرئيس فلاديمير بوتين في خطابه امام الجمعية الوطنية لروسيا الاتحادية اواخر الشهر الماضي عن تحولات اقتصادية ضخمة حققتها الدولة الروسية وقهرت بها العقوبات الأميركية فقد أعلن بوتين عن أرقام ومعطيات تبرز ارتفاع معدل تنويع موارد الثروة وعن النمو الزراعي والصناعي وانطلاق التحول نحو هيكلية اقتصادية جديدة لا تعتمد فحسب على قطاع الطاقة وصادرات النفط والغاز بل من الواضح ان روسيا حققت وثبة ضخمة في التغيير الهيكلي لاقتصادها الحديث وباتت تمتلك مزايا تنافسية في أسواق العالم لمنتجاتها الزراعية وهي تركز في إنتاجها الصناعي على حاجات مواطنيها في الوقت الراهن ولا يمكن التنبؤ بموعد انتقالها إلى التصدير العالمي بينما ذكر الرئيس الروسي ان الفوائض المالية المجمعة لدى الدولة تغطي جميع الديون العامة والخاصة وتحقق توازنا ماليا يدعم التجارة الروسية مع العالم متباهيا بأن بلاده هي المصدر العالمي الوحيد الموثوق لمنتجات زراعية غير معدلة جينيا. ومن العناصر التنافسية لهذا النموذج الروسي بعض العلامات الفارقة التي كشف عنها الرئيس بوتين كالربط المباشر بين هياكل النظام التعليمي وأسواق العمل وحوافز المشاريع الصغيرة والانتقال إلى خطة متكاملة لتنمية التزايد السكاني خلال الأعوام المقبلة عبر حوافز اقتصادية ومزايا لتكوين عائلات شابة صغيرة.

كل هذه الحصيلة تمت في ظل وثبة موازية واستراتيجية في صناعات السلاح الروسي وفي توازن الردع النووي فقد سبق للرئيس بوتين ان كشف عن تحول دراماتيكي في التفوق الدفاعي الروسي على صعيد الصواريخ ما فوق صوتية ومجالات متعددة من التصنيع العسكري والتكنولوجيا الحربية وهو سبق ان قدم القرائن ميدانيا في نتائج الانخراط الروسي بالقتال دفاعا عن سورية وعندما عرض القدرات التكنولوجية المتطورة للصناعات العسكرية الروسية خاطب القادة الأميركيين بعبارة : تعلموا القليل من الرياضيات لتفهموا.

هذا كله جرى وسط حملات صراخ أميركية واوروبية لشيطنة روسيا ولتحميلها مسؤولية شرور العالم لمجرد رفضها مجاراة الولايات المتحدة في نزعتها العدوانية وفي حروبها الاستعمارية التي تجوب القارات الخمس وتخلف وراءها ملايين الضحايا من القتلى والجرحى والمشردين الذين اقتلعوا من مناطق سكنهم .

كلمة الرئيس الروسي كشفت مرارة شديدة اتجاه الموقف الأوروبي الذي لم يكن على قدر المسؤولية وانساق خلف القرارات الأميركية دون سؤال في جميع الحروب والغزوات التي تشنها الولايات المتحدة العسكرية وحملاتها العدوانية الاقتصادية على السواء ومثالها الأشد وضوحا هو معاقبة الأوروبيين لشركاتهم ولمصالحهم في روسيا رغم حجمها غير البسيط لمجرد طاعة الأوامر الأميركية ولم يتردد بوتين في استخدام اوصاف قاسية لسلوك النخب الغربية التي تنفذ الإملاءات الأميركية بصورة عمياء " الخنازير" مثلا.

خلا خطاب بوتين الأخير من عبارة " شركائنا " الأوروبيين ولكنه لم يخل من استعمال تعبير اوراسيا ومن مواصلة محاولاته الحثيثة لمخاطبة العقول الغربية بالأرقام والمعطيات عندما عرض عناصر القوة الروسية الاقتصادية والعسكرية التي تحدت العقوبات والخطب العدائية التي يضج بها الإعلام الغربي في أرجاء العالم ضد روسيا.

روسيا تنهض من جديد ليس فحسب بفرض وجودها على المسرح العالمي بعدما حققته من دعمها للصمود السوري وشراكاتها المتينة مع الصين وإيران بل أيضا بمبادراتها التي تقدم الدعم لكل قوة استقلال واعتراض تواجه الهيمنة الأميركية على العالم وهو ما يختصره المشهد الفنزويلي الأخير في عقر الدار الأميركي.

العالم الجديد يولد في مخاض صعب وشاق تخضبه دماء الأحرار وتضحيات الشعوب والهيمنة الاستعمارية الأميركية لم تعد قدرا أعمى يفترض الرضوخ لمشيئته فثمة فرص اخرى عديدة وخيارات واعدة امام الشعوب الحرة.

لم يتطرق الرئيس الروسي إلى مفاعيل التحولات الجارية في تحالفات روسيا السياسية وشراكاتها الاقتصادية في العالم ولكن الباحثين في الغرب نفسه يعترفون بفاعلية التشبيك الروسي للشراكات وبجاذبية النهج الروسي في التعامل باحترام مع الدول الصغيرة والكبيرة على النقيض من الصلافة الأميركية الاستعمارية التي لم يكن ينقصها سوى سلوكيات ولغة الرئيس دونالد ترامب الفظة التي عممها باستقطاب غلاة المحافظين الجدد واجلافهم من امثال جون بولتون ومايكل بومبيو .