غالب قنديل

تظهر الأزمة السياسية التي عصفت بالحكومة ان التسويات اللغوية الدارجة في الحياة السياسية اللبنانية لا تعني شيئا وانها مجرد تلفيقات لفظية قد يسعى المتوافقون عليها إلى نسفها وتخطيها حال تقديرهم ان اللحظة مواتية للتنصل من تعهداتهم واللحظة غالبا ما تأتي على توقيت الخارج وبالتحديد كل من الولايات المتحدة ومعسكرها الغربي والمملكة السعودية .

منذ زيارة الوزير صالح الغريب إلى دمشق ساد الغليان صفوف تحالف 14 آذار المتورط في الحرب على سورية وقد اشتد الحنق والغيظ السياسي عند هذا الفريق كما توضح التصريحات والخطب المتزايدة الحدة في قضية النزوح وبالذات بعد إعلان مفوض شؤون اللاجئين في الأمم المتحدة فيليبو غراندي حصيلة جولته الميدانية التفقدية على تجمعات العائدين إلى وطنهم داخل سورية وقد أكد السيد غراندي من بيروت اطمئنانه إلى توافر شروط امنية واجتماعية واقتصادية مناسبة للعائدين وتمثل شهادة المفوض الأممي نسفا من الجذور لترهات خصوم سورية الذين يرددون خلف الغرب ذرائع شتى كما اختلقوا اكاذيب بائسة ونشروها في صفوف النازحين وعمموها في وسائلهم الإعلامية وتصريحاتهم السياسية عن اعتقالات واغتيالات ونزع ملكيات للتأثيرعلى رغبتهم بالعودة إلى وطنهم ولعرقلة المبادرات المتلاحقة للعودة التي شملت عشرات الآلاف والتي ينظمها الأمن العام اللبناني بالتنسيق مع المؤسسات السورية المعنية.

بات واضحا في هذا المناخ ان تحرك رئيس الجمهورية أدى إلى انعطافة اممية لا يمكن تجاوزها في حين يستعد الرئيس ميشال عون لزيارة موسكو حيث يتوقع ان يكون إطلاق آلية تنفيذية مشتركة للمبادرة الروسية السورية الخاصة بعودة النازحين إلى بلدهم من أهم مواضيع البحث بين الرئيسين الروسي واللبناني وبالتالي يأتي إبعاد الوزير صالح الغريب عن بروكسيل بهدف حجب الموقف المنسجم مع المصلحة اللبنانية في التنسيق مع الشقيقة سورية حول ملف عودة المهجرين السوريين بينما تريد الدول الأوروبية بتوجيه اميركي عكس الاتجاه تحت يافطة ربط العودة بالحل السياسي واستعمال النازحين كورقة ضغط على الدولة الوطنية السورية.

على ما يبدو لم يكن كافيا بنظر الرئيس الحريري ما دار من نقاش في مجلس الوزراء خلال الجلسة التي أعقبت عودة الوزيرالغريب من زيارته والتي حدد فيها رئيس الجمهورية الموقف واكد مرجعية الرئاسة الأولى في تحديد ورسم السياسات ذات الطابع السيادي ضمن مفهوم المصالح العليا للدولة وتبعا للقسم الدستوري ويبدو واضحا أن رئيس الحكومة ينقلب على توقيعه لمراسيم التشكيل عندما وافق على تسمية هذا الوزير بالذات لشؤون النازحين وهو يعرف انتماءه السياسي مسبقا .

فإذابه سعى إلى تغييبه وتهميشه والخشية ان تكون الحصيلة تسهيلا لتظهير موقف رسمي لبنان اكثر طواعية للغرب خلال مؤتمر بروكسيل وللأسف سيهدد ذلك إن حصل مصلحة لبنان باستعجال عودة الأشقاء السورييين وكذلك سيفتح شهية الدول الغربية على طلب تنازلات جديدة من لبنان سياسية وغير سياسية في هذا الخصوص وانخراط لبنان في التلاعب بقضية النزوح ضمن سياق الضغط على سورية كما يقود هذا الازدواج بذاته إلى تقديم صورة انفصامية للسلطة اللبنانية تضر بسمعة البلد في الخارج وهي أيضا أبعد ما تكون عن تسمية الحكومة بالوحدة الوطنية.

ساهمت روسيا في تعديل الموقف الأممي وكذلك المواقف التي أبلغها الرئيسان ميشال عون ونبيه بري لمن التقوهم من السفراء والموفدين والزوار بينما يصمم الرئيس الحريري على فرملة المبادرات التي تنسجم مع مصلحة لبنان العليا منفردا ودون مراعاة الحد الأدنى من موجبات التوافق المحكي عنه.

السؤال البديهي ألا يفترض مناقشة موقف لبنان الذي سيعرض في بروكسيل وإقراره داخل مؤسسة مجلس الوزراء ثم أليس الحري بمجلس الوزراء مجتمعا ان يقر تسمية الوفد الحكومي إلى المؤتمر بدلا من الاستنساب السياسي والشخصي الذي يعرض الحكومة للاهتزاز وينسف مصداقية التوافقات السياسية الحاصلة؟ وهل يجوز ان تستمر الازدواجية بدلا من العمل بروحية الخلاصات التي تم التوافق عليها حفظا لسمعة البلد ولمصداقية الحكم ؟