Get Adobe Flash player

غالب قنديل

تتكرر كلمة القلق في التصريحات الأميركية والبريطانية حول لبنان على لسان الزوار المحتشدين في الطريق إلى بيروت وترتبط تلك التصريحات بما استعاره الغرب من المعجم الصهيوني وهو عبارة "تعاظم قوة حزب الله ونفوذه في لبنان" لكن هذا الشعار المضلل هو غطاء آخر لمخاوف الولايات المتحدة والمعسكر الغربي بقيادته الأميركية من التحولات اللبنانية بعد انتخاب العماد ميشال عون لرئاسة الجمهورية وتبلور غالبية داعمة للمقاومة وللتواصل مع سورية داخل مجلس النواب بعد الانتخابات الأخيرة .

في البرلمان اللبناني خمسة وأربعون نائبا من قوى الثامن من آذار التي جاهرت خلال السنوات الماضية بتمسكها بالمقاومة وشاركت بالدفاع عنها ضد الحلف الأميركي الصهيوني السعودي الذي قاد حرب تموز عام 2006 وهي جبهة سياسية تمسكت بخياراتها الواضحة رغم جميع المحاولات الغربية والخليجية لزعزعتها بالضغط والتخويف والغواية طيلة السنوات المنصرمة بالجمع وبالمفرد ومقابل هذه القوة لم يحصد "أصدقاء أميركا " وشركاؤها العرب سوى أربعة وأربعين نائبا وظهرت في الوسط كتلة التيار الوطني الحر.

يعرف المخططون الأميركيون والصهاينة حقيقة موقف التيار الوطني الحر ومؤسسه الرئيس ميشال عون منذ حرب تموز والمسألة تتصل بخيار استقلالي مبدئي وليس فحسب كما تقول الرواية الأميركية الصهيونية السعودية التي تربط ذلك الموقف بالعرفان للحزب بفضل تمسكه بترشيح العماد ميشال عون إلى رئاسة الجمهورية فالحقيقة هي ان التيار يتلاقى مبدئيا ومن منطلقاته السيادية ورؤيته السياسية الخاصة لأوضاع المنطقة مع سائر فرقاء حلف المقاومة اللبناني الذي يجمع على استعادة العلاقة بسورية ودعم المقاومة بمن في ذلك من يتخيل الموفدون الأميركيون والسعوديون ان التباعد بينهم وبين التيار في بعض العناوين المحلية قابل للتحول إلى شرخ يقوض الإجماع على هذين البندين وهو ما تثبت الأحداث ضلاله وخطله.

ما يرعب الأميركيين والصهاينة وحلفاءهم هو ان المعادلة اللبنانية الجديدة فرضت تعاملا رسيما مع ملف النازحين السوريين قاده الرئيس ميشال عون وقد ادى إلى فتح قنوات الاتصال الحكومي مع الشقيقة سورية وبالفصل التام عن مستقبل الحل السياسي في سورية وفقا لرؤية بلورها رئيس الجمهورية وساندتها غالبية حكومية موصوفة خلافا لمشيئة الوصاية الأميركية التي عبرت عن نفسها بضغوط مباشرة اميركية وفرنسية وبريطانية وسعودية لمنع التواصل اللبناني السوري خلال السنوات الأخيرة.

في السياق نفسه جاءت تحركات رئيس مجلس النواب نبيه بري الذي اطلق دبلوماسيته البرلمانية ليرجح دعوة سورية إلى مؤتمر البرلمانيين العرب كشرط لمشاركة لبنان ثم قاد داخل المؤتمر بالشراكة مع سورية والكويت والأردن حملة ضد التطبيع مع العدو وفرض صياغة في البيان الختامي تعاكس الرغبات الأميركية الصهيونية المرتبطة بما يسمى صفقة القرن لتصفية قضية فلسطين وانكفأ المتورطون العرب في هذا المسار امام المبادرة التي شقت طريقها خلافا لمشيئة المتورطين من الحكومات العربية بعلاقات علنية وسرية مع كيان العدو.

الضربة الثالثة التي تلقاها الأميركيون هي قرار الرئيس ميشال عون بزيارة موسكو واللقاء بالرئيس فلاديمير بوتين والواضح ان المخاوف الأميركية تفاقمت من نشوء تعاون لبناني روسي في جميع المجالات قد ينطلق ذلك من ملف النزوح والعمل لتنفيذ المبادرة السورية الروسية المعلنة ليشمل التنسيق في مجالات عديدة اقتصادية ودفاعية.

يقف الحلف الأميركي الصهيوني واجفا امام هذه الخطوات وعاجزا عن وقفها وهو اختبر طويلا عناد رئيس الجمهورية الذي يتمسك بالمبادئ السيادية في نهجه السياسي فهو لن يتردد في اتخاذ القرارات والتوجهات التي تنسجم والمصالح اللبنانية العليا التي قال في جلسة الحكومة إنه المؤتمن عليها دستوريا بقسمه الرئاسي وضرب يده على الطاولة في وجه من حاولوا اعتراض طريق الاتصال بالدولة السورية بعد زيارة الوزير صالح الغريب لدمشق وهم أصدقاء واشنطن وحلفاؤها في لبنان منذ امد بعيد.

من الواضح ان التوازنات اللبنانية تبلور كتلة شعبية سياسية عريضة داعمة لمبادرات الرئيسين ميشال عون ونبيه بري للتخلص من قيود الوصاية الأميركية السعودية نحو انتهاج سياسة لا تدير ظهرها للمعسكر الآخر في المنطقة والعالم بل تنادي بنهج متوازن يتمحور حول المصالح اللبنانية وسبل تحقيقها فعنوان النزوح الذي اختاره لبنان الرسمي للتحرك على الخطين السوري والروسي يلقى مساندة شعبية واسعة ويصعب اعتراض الخطوات المتخذة على الطريق من قبل أي جهة ستضع نفسها في مجابهة ما يشعره الرأي العام من وطاة هذا الملف ومن صلافة الاعتراضات الغربية التي أعاقت التحرك اللبناني في الظروف السابقة بينما هي تضمر تثبيت النزوح على شفير دعوات التوطين السافرة التي نطق بها مسؤولون غربيون جهارا والأصل هو استخدام هذا الملف في الضغط على سورية لعرقلة تعافيها السياسي والاقتصادي.

في الحصيلة بدأت السلطة السياسية اللبنانية مسيرة التخلص من قيود الوصاية والابتزاز المفروضة من سنوات وهذا هو المصدر الجدي للقلق الأميركي البريطاني والإسرائيلي ومحاولة وضع الامور في قالب التعامل مع توسع نفوذ حزب الله تنطوي على تحايل سياسي مقصود يحمل معه نوايا خبيثة للتحريض والفتنة يسعى من خلالها المخططون الغربيون والصهاينة إلى تحريك الحساسيات الطائفية والمذهبية التي خفت صوتها مؤخرا رغم جميع الجهود المبذولة لتحريكها ونبشها بمناسبة حملة مكافحة الفساد وهو ما احتوته قيادة حزب الله ونزعت فتيله بحكمة وصلابة.

المطلوب اليوم هو تظهير الدعم السياسي والشعبي لخطوات التخلص من الوصاية والتمسك بالمصالح اللبنانية العليا في صياغة الخيارات والعلاقات لانتهاج سياسة واضحة تحقق تلك المصالح وتثبيت الموقف الوطني بتلاحم شعبي داعم للخطوات الإيجابية المتخذة لشق مسار جديد اكثر توازنا والتزاما بمفهوم السيادة والاستقلال.