Get Adobe Flash player

saray1

غالب قنديل

لا تكشف السجالات حول تأليف الحكومة امورا جديدة او مجهولة عن عقم النظام السياسي الطائفي ومأزقه التكويني وعجزه عن توليد آلية لبناء الاستقرار او لإقامة دولة مؤسسات او لتكريس الاستقلال السياسي والعيش بمعزل عن التدخلات والإملاءات المتضمنة في كل موقف وبادرة عن اطراف منظومة الهيمنة الاستعمارية الغربية تتعلق بالوضع اللبناني في جميع المجالات.

يواجه تشكيل الحكومة مخاضا صعبا في الموالفة بين المصالح والطموحات المتعارضة والمتناقضة لسائر الكتل التي تمثل التركيبة الطائفية للنظام وفقا لما أفرزته نتائج الانتخابات التي يصر فريق من النظام على تخطيها وتجاوزها وهو يضم ثلاثي المستقبل والقوات والتقدمي بينما يتمسك رئيس الجمهورية بمعيار تمثيلي يكون أقرب إلى نتائج الانتخابات وفي حين يتواضع فريق الثامن من آذار وينطوي على تطلعات خجولة هي أقل مما يتيحه وزنه النيابي المكون من خمسة وأربعين نائبا ويبدو بتواضعه وعدم استعراض قوته الفعلية متحصنا بمنطق التسهيل والابتعاد عن شبهات العرقلة.

كل الغبار المتصاعد من صولات التنافس الداخلي على الأحجام والحقائب لا يحجب حقيقة أن الغاية الفعلية لجميع الضغوط هي محاولة الحد من المساندة التي قد يحظى بها حزب الله وخيار العلاقة بسورية ومحور المقاومة عموما داخل الحكومة اللبنانية الجديدة وسواء قدمت هذه الرغبة مغلفة بالحساسيات المحلية ام تحت قناع ما يسمى بموقف المجتمع الدولي فالغاية هي ذاتها أي الحد قدر الإمكان من تشكل مناخ داخل مجلس الوزراء يضم متعاطفين مع المقاومة ومع محورها قد ينعكس لدى مناقشة التوجهات والقضايا المختلف عليها بين المحورين داخل لبنان وفي المنطقة.

إنه عض الأصابع ذاته الذي صاحب تشكيل حكومات المساكنة بين المحورين في لبنان منذ العام 2005 والفارق اليوم هو تبلور عوامل جديدة لصالح محور المقاومة في المنطقة بعد دحر غزوة التكفير وتحولات التوازن العراقي وتغييرات الميدان السوري وفي ظل المأزق السعودي متعدد المستويات سواء في اليمن ام في الصراعات التي تجتاح الأسرة المالكة وتهزها وكذلك بفعل التوازن السياسي الذي أسفرت عنه الانتخابات النيابية في لبنان والعراق.

يعتبر المخططون الأميركيون انهم يوازنون تلك التحولات بتصعيد الضغوط الاقتصادية على إيران ولبنان وباستمرار وجودهم العسكري في شرقي سورية وقدرتهم على منع التواصل الجغرافي في الشرق من مواقعهم على الحدود السورية العراقية وعبر هيمنتهم على القرار الأردني.

لكن الأميركيين مكرهون بحكم الواقع على الرضوخ لخيار المساكنة بين المحورين بعدما فشلت جميع محاولاتهم لكسر التوازن الداخلي في لبنان والعراق وهم يعرفون ان النفوذ الأميركي سيصبح برمته عرضة للخطر الوجودي إن هم غامروا ودفعوا حلفاءهم في حركة انتحارية جديدة وقد جاءت آخر محاولاتهم في البصرة بنتائج عكسية فسقط انقلابهم وانقلبت المعادلة السياسية دون حذف النفوذ الأميركي وممثليه فالمساكنة استمرت وفقا لمعادلات عراقية جديدة وهذا ما سيكون عليه التوازن اللبناني المرتقب.

سبق لواشنطن ان واجهت استحقاق الاختيار في لبنان عشية مؤتمر الدوحة ثم في مخاض ولادة حكومة الرئيس تمام سلام وفي المرتين كانت حصيلة التحدي والتصعيد مخيبة للمخططين الأميركيين الذين وجهوا رسائل معلنة إلى جماعاتهم بضرورة الخضوع للتسوية الممكنة.

التركيبة الطائفية للنظام اللبناني تتيح التدخل الخارجي وهي نفسها وبحكم استعصائها تجبر المتدخلين على خفض توقعاتهم والرضوخ للتسويات فبقدر ما ان التركيبة الطائفية تبدو عبئا على التوجه الوطني التحرري المناوئ للهيمنة الأميركية ولمنظومتها الإقليمية فهي تقدم حصانات لخيار المقاومة تجعل التخلص منه مستحيلا بأي ثمن.

السؤال المتعلق بموعد ولادة الحكومة بات مرتبطا بالمدى الزمني لنضج قرار أميركي ملزم بالخضوع لمعادلات التسوية التي يقبلها رئيس الجمهورية ومعه فريق المقاومة وحلفاؤها من قوى الثامن من آذار وهذا ما يتخطى توزيع الحقائب والأحجام إلى الخيار الإقليمي.

ثمة حرص سعودي اميركي على منع التواصل اللبناني السوري إلى حين تبلور خيار واشنطن والرياض اللتين ما زالتا في مراحل جس النبض في دمشق بواسطة الكشافين العرب والأجانب رغم اتضاح هزيمة حلف العدوان وتبلور معالم النصر الذي تحرزه سورية وحلفاؤها ولكن يجب الانتباه إلى ان حسم الوضع في إدلب الذي يقترب أجل تحقيقه لصالح الجيش العربي السوري ومحوره سيكون فاتحة المعركة حول الوجود الأميركي الذي يجاهر الرئيس بشار الأسد باعتباره احتلالا متوجب الإزالة بكل الوسائل.

يستبعد ان تسهل الولايات المتحدة الأميركية ولادة حكومة تقضي غالبيتها بالتواصل مع الدولة السورية قبل ان ترغم على قرار الانكفاء من الجغرافية السورية وهو امر سوف يستغرق بعض الوقت والمعارك والدماء قبل ان يحسم سياسيا دون أن نستبعد احتمال ظهور مفاجأة أميركية بالإفراج عن الحكومة اللبنانية قبل تنفيذ الانكفاء عن سورية حتى لا تبدو الهزيمة مبرمة وعلى مستوى المنطقة وطالما التسوية الأميركية الإيرانية ما تزال بعيدة المنال رغم الحماس الفرنسي للوساطة.