Get Adobe Flash player

laitani

غالب قنديل

تروي انهارنا قصص حياة وتاريخ اجيال على مداها الممتد من المنابع إلى المصبات عبر الحقول والمزارع وفي ثنايا الرواية انتفاضات مزارعين واجتماعات طلاب وشباب واحلام مغدورة بوطن اجمل وحالات حب وانتظار وخيبات كثيرة وآمال تنامت وصارت حقيقة في الوديان والمجاري التي عبرت أرض الجنوب وتواطأت مع المقاومين فأخفتهم عن عيون الغزاة الصهاينة وفي هذه المعارج دمرت أسطورة العدو الذي لا يقهر.

عندما نراجع حال انهارنا وجداولنا من أصغرها إلى اكبرها من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب ومن رأس السلسلة الشرقية حتى البحر نجدها جميعا تفيض بالنفايات والمجاري ويجب ان نسأل من المسؤول وألا نترك التبعات مضيعة بقصد وعن عمد فكيف تراكم كل هذا العفن والقيح امام عيوننا وقد ثارت النخوة عندما وصلت الكارثة حد الفاجعة فلا مجرى مياه نظيف في كل لبنان وهكذا بكل بساطة تحول الأمر إلى نموذج للتوحش ولتدمير الثروة التي هي هبة الطبيعة لبلد الخضرة والربوع الجميلة في القصائد والأغاني المنسية.

السؤال الأول أين مجلس الإنماء والإعمار الذي جاءت به استشارات اميركية ليحل مكان وزارة التخطيط او التصميم العام ضمن خطة شاملة لتدمير فكرة الدولة المركزية ولإطلاق الخصخصة على حساب القطاع العام ومؤسساته بعد حرب السنتين عملا بمذكرة اميركية كرست لتدمير ميراث الشهابية الإصلاحي وماذا فعل هذا المجلس بموازناته الفلكية ورواتب هيئاته الخيالية غير ان يغط في سبات ثقيل عن الكارثة بينما يحضر بكل اليقظة والانتباه عند الصفقات والتلزيمات.

السؤال الثاني أين هي وزارة الموارد التي سميت بوازرة الطاقة لترجيح كفة المكتشفات النفطية التي تثير شهوات النهب الريعي لأهل النظام الطائفي بينما ترتبط فكرة الموارد المائية بتنمية الزراعة ومشاريع الري الواسعة التي تنهض بالأرياف وتتيح ترميم التفاوت بين الريف والمدينة حضاريا واجتماعيا وثقافيا وهي الوزارة المعنية بحراسة الحق اللبناني العام في المجاري والأحواض وفق قانون إنشائها وهذا ما يعني صلاحيات تتعدى سلطة الترخيص بحفر آبار ارتوازية.

السؤال الثالث أين كانت البلديات التي تنتبه اجهزتها وتستنفر معها المخافر لو جلب مواطن كمشة ترابة او رمل لبناء حوض في حديقته ويتحرك موظفوها بمؤازرة امنية لهدم المخالفات او لقبض الرشاوى تحت سيف الغرامات.

السؤال الرابع كم من الرشاوى دفع أصحاب المطاعم والمنتجعات الذين يلوثون مجاري الينابيع والانهار بينما ترتكب البلديات في سائر المناطق اللبنانية جريمة جماعية بتحويل مجاريرها إلى الوديان والمجاري او إلى البحر وهي مجالس مكونة من محازبي القوى السياسية التي استفاقت متأخرة على كارثة مكتملة.

السؤال الخامس أين وزارة البيئة وتقاريرها الدورية وهيئاتها بل وأين هي الجمعيات التي تكاثرت كالفطر بتمويل خارجي أومحلي وأين وجهاؤها الطامحون وهي لم تحرك ساكنا لتنذر البلد قبل وقوع الفاجعة أو لتوقظ النيام من الساسة والمختصين.

السؤال السادس أين هو الإعلام الذي لم يوفر وسيلة لإثارة اللبنانيين وتحريضهم ونبش الصغيرة والكبيرة بتقنيات متطورة وبعضه يعمل بالأمر السياسي لمن يدفع اكثر وحتى درجة انتهاك المحرمات وتجميل الوحوش والقتلة من عصابات داعش والقاعدة وتقديمهم كأصحاب رأي سياسي.

يمكن لنا نبش عشرات الأسئلة لنكتشف اننا في بلد أغرقه التوحش وغاص في نفاياته وفضلاته متخلفا حتى عن جموع البهائم التي تعرف بالفطرة كيف تطمر وسخها وتخفيه وفي نظام سياسي طائفي متوحش لا قيمة عنده للكرامة الإنسانية أو لهبات الطبيعة ويعيش قادته في معازلهم وقلاعهم محصنين من الروائح والأوبئة ويتجولون بسياراتهم المصفحة التي تحجب عن عيونهم مشهد الطوفان المزري لنفايات الشعب اللبناني وفضلاته العائمة التي استعصى على عباقرة النظام القائم إيجاد حل لها طيلة ثلاثة عقود بينما تجدد عقود الشركات والاستشاريين ومؤسسات التخطيط التي لم يخطط قادتها سوى لمستقبلهم الشخصي بأموال الشعب اللبناني المنهوبة والمبددة.

في بلدنا العظيم تكاثرت الجامعات الخاصة والطائفية التي تبغي الربح وتقلصت موازنة الجامعة اللبنانية ولا وجود لمختبرات عامة بل تم تدمير ما بقي منها وما تبقى من مراكز البحوث العامة هو في قبضة الاستراتيجية الأميركية خارج الأولويات الوطنية وتم تدمير الأنهار وتلويثها بالنفايات والمجارير ففي بلد الفردية المطلقة يقيم كل لبناني مجروره ومزبلته الخاصين على جزء من مرفق عام ينتهكه ويسلبه أسوة باستباحة النافذين الكبار لصخور الجبال ورمال الشواطئ.

أيها اللبنانيون إن بقيتم على ولائكم للعصبيات الطائفية والمذهبية ورضوخكم لهذا النظام البغيض سيتحول لبنان العظيم خلال سنوات إلى بلد اجرب تعشش فيه الجراثيم والأوبئة والحشرات ويكسوه الصفار واليباس والسواد وما دمتم تعتنقون التنصل الفرداني من أي مسؤولية عامة ومن موجبات التضامن الوطني ستجدون ان عباقرتكم سيقترحون على كل منكم ان يشتري جرة زجاجية يحشر فيها رأسه ليتنفس ولتذكروا يومها ان الحكاية بدأت مع اول نفاية رميت على شاطئ بحر او ضفة جدول فتلك شواطئ أرواحكم وضفاف قلوبكم التي يأكلها وحش انتم مولدوه إنها أوساخكم تطوف عليكم حتى الاختناق وما التعصب المانع لوحدتكم سوى جزء جوهري من ذلك الوسخ الكريه.