Get Adobe Flash player

p10 20170923 pic1

غالب قنديل

كل ما حولنا يذكرنا بمشروعية الأفكار الثورية التي بشر بها الشهيد القائد ظافر الخطيب قبل ما يزيد أربعين عاما ورغم ما تحقق من حلمه الكبير في المسألة الوطنية بانتصار المقاومة وتحرير القسم الرئيسي من أرضنا المحتلة وقيام معادلة رادعة للعدوان الصهيوني فإن القضية الوطنية ما تزال راهنة تفرض نفسها بالتداخل العضوي مع قضية التغيير.

انتصار المقاومة صنعته مسيرة كفاح وطني شاركت فيها قوى وتيارات وطنية من مختلف المشارب الفكرية والسياسية وقد ساهم رفاق ظافر من رابطة الشغيلة بقسط مهم من ذلك الكفاح في مراحل متعددة فتقدموا الصفوف وسطروا البطولات في التصدي للعدوان الصهيوني 1978 وفي مقاومة الاجتياح الصهيوني 1982 وتصدروا مجابهة اتفاق 17 أيار بموقف الرفيق زاهر الخطيب وبرزوا في الصفوف الأولى لانتفاضة السادس من شباط واستمرت رابطة الشغيلة تبشر بالقيم والمباديء الثورية وتلتزم بفكرة الوحدة الوطنية للشعب وبضرورة التغيير الجذري رغم الطوفان الطائفي والمذهبي وهي سبحت عكس التيار الجارف للعصبيات وقدمت الشهداء في تجسيد نهجها الوطني والثوري المعادي للطائفية في عين الحور بإقليم الخروب ولاحقا في منطقة الشحار الغربي بعد الاجتياح الصهيوني.

ما تزال الأهداف المتعلقة بالتحرر الوطني غير مكتملة الإنجاز ورغم انتصاراتها الباهرة ودورها التاريخي في حماية لبنان والدفاع عنه في وجه التهديد الصهيوني المستمر والخطر الإرهابي التكفيري ما تزال المقاومة رغم كل ذلك موضوعا لنزاع سياسي داخلي تتمترس في وجهها قوى سياسية رجعية تتحصن بالعصبية الطائفية والمذهبية لمحاصرة المقاومة كفكرة ونهج وهي تعكس مصالح شرائح اجتماعية مرتبطة بمنظومة الهيمنة الاستعمارية الرجعية في المنطقة ولن يحسم هذا التناقض سوى تبلور تيار شعبي قوي على المستوى القومي والوطني عابر للطوائف والمناطق واضح الهوية وهذه مهمة لا تزال معلقة على جدول الأعمال الثوري والوطني.

أما المسألة السياسية والاجتماعية المتمثلة بالقضاء على التخلف وانطلاق عملية التنمية وبناء دولة وطنية تجسد السيادة والاستقلال وتقود التنمية الحقيقية للثروة الوطنية وتطلق إعادة توزيع للثروة لتنصف الطبقات الشعبية والفقيرة فما تزال وعدا مؤجلا ومعلقا وقد برهنت التجربة على صعوبة الفصل بين مشروع التغيير في لبنان ومسار الصراع العربي الصهيوني كما بشر الشهيد ظافر منذ تأسيس رابطة الشغيلة.

منذ اندلاع الحرب الأهلية حتى اليوم ظل النظام اللبناني قادرا على إعادة إنتاج نفسه وأحكمت الطبقة البرجوازية الكومبرادورية التابعة قبضتها على شتى وجوه الحياة ورسخت طغيان العصبيات الطائفية والمذهبية التي وجد فيها الشهيد ظافر منذ البداية قيدا على تطور العملية الثورية في البلاد منذ انطلاق الحرب الأهلية عام 1975 وهو التقط بقوة معنى مبادرة أحزاب النظام وميليشياته آنذاك للعنف الطائفي وخطورة استدراج القوى الوطنية إلى تبني الشعارات الطائفية وممارسة العنف الطائفي ردا على مجازر الميليشيات اليمينية التي ارتبطت بالرجعية العربية وبالعدو الصهيوني وقد قدم مساهمة نقدية جريئة في التصدي لانحرافات العمل الوطني نحو رد الفعل الطائفي سياسيا وميدانيا لأنه وجد في ذلك خطرا يقطع الطريق على تبلور الحركة الشعبية بأفق ثوري لتغيير النظام.

كان الشهيد ظافر الخطيب المبادر للدعوة إلى توجيه ضربة رادعة بأفق غير طائفي رافضا رضوخ القوى الوطنية لحرب المواقع عبر خطوط التماس الطائفية وباشر قيادة العمل الميداني مع عدد من القوى الوطنية الجذرية في هذا الاتجاه وكان استشهاده في سياق الإعداد لعملية عسكرية رادعة بأفق غير طائفي لمنع التقسيم ولتقديم نموذج وطني ثوري في كيفية حسم الصراع بنهج يناقض أسلوب المذابح الطائفية المتبادلة الذي أغرق البلاد بالدماء وبالسعار الطائفي وأسس للتوحش الطائفي والمذهبي الذي أدخل لبنان بعد ذلك في دوامة تآكل خطير أطال أمد الحرب الأهلية لسنوات طويلة وقطع الطريق على التغيير الحقيقي بل أفسح المجال لتسوية جديدة تحقق السلم الهلي وتحيي هياكل الدولة في نهاية النفق وبعدما بات وقف الحرب مطلبا شعبيا طاغيا على جانبي خطوط التماس حققت تلك التسوية تغييرات وطنية مهمة لجهة تثبيت عروبة لبنان وعلاقاته المميزة مع سورية وإعادة توحيد الجيش بعقيدة قتالية وطنية وكانت لرابطة الشغيلة مساهمة سياسية مهمة في انتزاع تلك التغييرات من خلال دور الرفيق زاهر الخطيب في مؤتمر الطائف حيث كان مفوضا بتمثيل الفريق الوطني لكن هذه التسوية التي منع استكمالها أعادت إنتاج النظام السياسي الطائفي وجددت هيمنة الطبقة الرأسمالية التابعة التي شهدت تغييرات بنيوية وبدلت من ممثليها السياسيين ومن معادلات شراكتها في الحكم لمواكبة الوضع الجديد وللتكيف مع المزاج الشعبي الذي خلفته الحرب الأهلية.

الوعي النقدي في التعامل مع الوقائع السياسية والميدانية هو النهج الذي تبناه الشهيد ظافر ورفاقه منذ البداية وقد أماطوا اللثام عن الأقنعة الطائفية الزائفة لصالح الحقائق الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي تجسد جوهر التناقضات التي يمثل فيها الحلف الاستعماري الصهيوني الرجعي قطبا رئيسيا في مجابهة القوى الوطنية والحركة الشعبية.

ما تزال الرأسمالية الرثة التابعة للغرب الاستعماري قوة قهر منظم للشعب الممزق بالعصبيات الطائفية والمذهبية التي كانت منذ عقود وسيلة الاستتباع المفضلة عند القوى الاستعمارية المهيمنة وأدواتها من الخارج والداخل وبها تم تاريخيا اعتراض طريق التغيير في لبنان كلما لاحت بوادر التمرد الشعبي بالدوافع الوطنية والاجتماعية على السواء وقد رمت تلك القوى المهيمنة بثقلها بعد اتفاق الطائف لتعليق البنود الإصلاحية المتعلقة بتجاوز الطائفية السياسية حفاظا على مصالحها وقدمت رابطة الشغيلة نموذجا مميزا في تصديها منذ اتفاق الطائف لمنظومة التوحش الرأسمالي التابعة خلال ما عرف بالمشروع الإعماري وكان نقدها الجريء واعتراضها الجسور لهذا المشروع علامة فارقة في البرلمان عبر مساهمات نوعية في المناقشات العامة للحكومة قدمها الرفيق زاهر الخطيب وكذلك في تحرك الرابطة السياسي والإعلامي.

تؤكد التجربة التاريخية الممتدة منذ استشهاد القائد والمناضل الثوري ظافر الخطيب صحة ما بشر به حول الحاجة إلى حركة ثورية عربية قادرة على قيادة النضال القومي للتغيير والتحرير وثبتت صحة ما آمن به حول قضية فلسطين ومخاطر نهج التسويات والتفاوض الذي توسله الحلف الإمبريالي الصهيوني الرجعي لتدجين قيادة المقاومة الفلسطينية ولاحتوائها ولمنع التطور الثوري لكفاح الشعب الفلسطيني في سبيل تحرير وطنه والدفاع عن وجوده ولقطع الطريق على نشوء أي روافد تحررية مقاومة قوميا ولاسيما في دول الطوق وهذا ما كسرته المقاومة اللبنانية عمليا ويتأكد بالتجربة نفسها أن التغيير الحقيقي لابد ان يكون حصيلة عملية نهوض على المستوى القومي وها هي تجربة سورية ولبنان والعراق في مجابهة الغزوة الاستعمارية الصهيونية التي استهدفت تمزيق الدول والمجتمعات والجيوش الوطنية بواسطة عصابات التكفير الإرهابية وحشدها العالمي متعدد الجنسيات تؤكد أن مجابهة العدوان العابر للحدود استدعت كفاحا عابرا للحدود وفرضت تواصلا قوميا بين القوى الشعبية المقاومة والجيوش الوطنية في الدول الثلاث وهي اليوم تؤسس لنواة قومية في مجابهة الكيان الصهيوني.

مايزال راهنا نداء الشهيد ظافر الخطيب لتوحيد جهود الثوريين في التصدي لجميع تلك المهام غير المنجزة ولاستكمال ما تكفلت بإنجازه حركات وأحزاب سياسية أخرى تستحق الاحترام والتقدير دون اعتبار للفوارق العقائدية والحواجز الحزبية وهذا ما ميز نهج رابطة الشغيلة في المواقف والتحالفات منذ تأسيسها إلى اليوم إضافة لما راكمته خلال العقود الماضية من تطوير لفكرها السياسي الثوري وهي تواجه استحقاق تطوير التجربة نفسها فلا يكفيها إنجازا نجاحها في الاحتفاظ بنقاء مبدئي والتبشير بالأفكار الثورية وهذا يقتضي قراءة نقدية جريئة لما اجتازته وما واجهته لتعيين العقبات والعقد منها الذاتية والموضوعية التي يمثل التعرف عليها شرطا لبلورة سبيل التصدي لها وهذا هو المنهج الذي أرساه الشهيد ظافر منذ إعلان تأسيس رابطة الشغيلة.