Get Adobe Flash player

trampp

غالب قنديل

هل مشكلة العالم ومآسيه هي في شخصية دونالد ترامب ومزاجه الشخصي الحاد وطباعه النزقة والتفاهة المتفاقمة في سلوكه بعد ما تراكم من حكايات وأقاويل منذ حملته الانتخابية وصولا إلى كتاب مايكل وولف نار وغضب الذي بات الحدث الدولي الأهم خلال الأيام القليلة الماضية ام هي في مكان آخر؟

بالتأكيد لم يكن الكومبارس دونالد ريغان أقل تفاهة ولا السكير المعتوه جورج دبليو بوش وكلاهما كانت تقف خلفهما آلة المحافظين الجدد وسلسلة ضخمة من وسائل الإعلام التي روجت لهما ولإدارتهما الصورة المرغوبة للرئيس القوي والمتمكن وهما لم يتعدى دور كل منهما حدود النطق بلسان الآلة الضخمة لليمين الأميركي ومجمعات الصناعة الحربية والنفطية ومراكز قيادة الاستخبارات والبنتاغون التي شكلت على الدوام جناحا هاما في المؤسسة الحاكمة.

دونالد ترامب بفجاجته البشعة حتى الفضيحة هو الوجه الكالح لإمبراطورية استعمارية فاشلة تهتكت عنها المساحيق بقدر ما لطختها الدماء البريئة المسفوكة في أكثر من سبعة وأربعين بلدا تعيش وطأة تدخلاتها العسكرية وقد أفلت مرحلة الخطب المنمقة لبيل كلينتون عن حرية التجارة وخطب باراك اوباما عن حقوق الإنسان وهي كانت تعمية على حروب بشعة خاضتها الإمبراطورية مباشرة وبالوكالة وقتلت فيها ملايين البشر واستباحت سيادة الدول واستعانت بأقذر انماط التوحش والإرهاب في التاريخ البشري المعاصر.

الناظر اليوم إلى سياسة ترامب الفعلية في العالم يستطيع ببساطة ان يرى اوباما رقم 2 مع فوارق في الشكل والتعبيرات والانتقال من اللغة المجاملة المدروسة بذكاء إلى شيء من الرعاعية التي هي حقيقة التوحش الإمبراطوري.

الجمهوري الأبيض العنصري والذكوري الذي لا يعرف الكلام في غير الصفقات والمغامرات الشخصية جلب اكياس المال بالمليارات من الرياض ونال رضا المجمع الكبير لصناعتي السلاح والنفط وباركته وول ستريت بما حصده من صفقات وهو ازاح عن كاهل البرجوازية الأميركية الكبيرة والاحتكارية كثيرا من الضرائب واستهدف ما استطاع إسقاطه من نظام التأمينات الاجتماعية وهذه جميعا علامات فارقة لصالح المزيد من التوحش الرأسمالي.

منذ وصوله إلى البيت الأبيض وبعدما عملت المؤسسة الحاكمة لاحتوائه والحد من مخاطر وعده الانتخابي بالانفتاح على روسيا جرى تطويقه بفضيحة اتصال فريقه الانتخابي بالحكومة الروسية لأن الإمبراطورية تتبنى العداء لروسيا والصين وإيران كأولوية استراتيجية وتحرص على تنفيذ توصيات مجلس الأمن القومي منذ انهيار الاتحاد السوفيتي بضرورة منع قيام قوى عظمى منافسة لها في العالم مهما كلف الأمر.

يتابع ترامب نشر القوات الأميركية حول روسيا ويوقع العقوبات المفروضة عليها وتخلى صراحة عما بشر به سابقا من واقعية التعامل مع روسيا والسعي للتعاون معها اما الصين فهي بالأصل حظيت بعدائه الحاد والاستفزازي وبدوافع فهمه الاقتصادي كرجل أعمال لما يسمى في واشنطن بالخطر الصيني داخل الولايات المتحدة وعلى الصعيد العالمي وقد أسهب ترامب في شرح التفاصيل والدوافع وأخفق في تنفيذ ما ذهب إليه من إجراءات متطرفة ضد الصين بينما تواصل حكومته حربها الباردة وخطواتها الاقتصادية والسياسية الموجهة ضد توسع النفوذ الصيني وفي هذا السياق نفذ ترامب على طريقته توجيهات المؤسسة حول كوريا الشمالية بوصفها أحد خطوط الاشتباك المستمر مع الصين.

أما عن إيران فحدث ولا حرج وآخر الغيث موقفه من الاضطرابات التي شهدتها المدن الإيرانية ناهيك عن توتره الدائم ضد الاتفاق النووي وعدائيته في مجابهة الدور الإقليمي للجمهورية الإسلامية وفي كل ذلك بصمة صهيونية تتعدى نطاق القراءات الأميركية الخالصة لخارطة المصالح والنزاعات.

هذا الرئيس حرص منذ البداية على رضى اللوبي الصهيوني وهو تبنى قرارات وسياسات تلبي المصالح الصهيونية وقدم الدولة العبرية كحليف رئيسي لحكومته كسابقيه واتخذ مبادرات عديدة مكشوفة في انحيازها المستمر للكيان الصهيوني وهو كجميع أسلافه في هذا الالتزام وقراره حول القدس ليس شطحة شخصية كما يريد البعض أن يصور الأمر بل هو تنفيذ لقانون أصدره الكونغرس منذ التسعينيات وتعهد به رؤساء اميركيون عديدون وهو استحقاق راهن على جدول أعمال الحركة الصهيونية الساعية إلى إعلان الدولة اليهودية وتدشين مرحلة اقتلاع وتهجير جديدة وواسعة ضد الشعب الفلسطيني بموافقة الحكومات العربية التابعة وتحت ستار خطط جديدة لإنعاش مشاريع التسويات الخادعة والمقتولة منذ اتفاق اوسلو.

ما يجري اليوم بشراكة مباشرة بين الإمبراطورية والكيان الصهيوني والحكومات العربية العميلة هو محاولة لاحتواء الغضب الفلسطيني واستنزاف طاقة التمرد والمقاومة لتكريس الأمر الواقع والانطلاق منه إلى خطوة اخرى لاحقه تفضي إلى الغاية المرسومة واستمرار استنزاف سورية واستهداف إيران وتهديد حزب الله خطوات تندرج في خطة احتواء شاملة لتداعيات القرار بهدف تكريسه كأمر واقع.

ما نقله مايكل وولف في كتابه عن ستيف بانون ليس بعيدا عن الخطط الأميركية الصهيونية الرجعية لتصفية قضية فلسطين وليس فلتات لسان لمعتوهين كما يحلو للبعض عندنا ان يقول فالضفة للأردن وغزة لمصر والقدس لإسرائيل هي من سلسلة معادلات طرحت سابقا حول تصفية قضية فلسطين وقد عطلتها ومنعتها المقاومة والانتفاضة الفلسطينية وحيث تراهن الإمبراطورية والكيان الصهيوني اليوم على تدجين السلطة الفلسطينية ومعارضيها معا بمعونة السعودية وقطر وتركيا لتمرير خطط التصفية وسيناريو صفقة القرن الذي سوقته إدارة ترامب هو إحدى نسخ التصفية المتداولة تحت الرعاية السعودية.

دونالد ترامب الذي تحركه المؤسسة الحاكمة بواسطة المجلس العسكري واللوبي الصهيوني هو وجه الإمبراطورية البشع بلا مساحيق خلافا لما تعوده الناس مع سابقيه من احتيال في الشكل والمضمون.