11927

غالب قنديل

قبيل وصول الوفد القيادي السوري برئاسة الوزير وليد المعلم إلى روسيا وعلى مدى أسابيع انشغلت وسائل إعلامية عديدة صديقة ومعادية لسورية على السواء بالترويج لروايات وتكهنات سياسية عن ضغوط روسية يحكى انها ستمارس على دمشق لدفعها في طريق جولات حوارية جديدة مع تشكيلات معارضة تتولى روسيا إعادة توضيبها ولم شتاتها من بقايا الواجهات المعارضة المستكينة في أحضان حكومات العدوان على سورية وقد حار المؤلفون في التسميات من موسكو واحد إلى جنيف ثلاثة اكثر مما اشتغلوا على التمحيص في الوقائع والمعطيات التي يمكن بها تبين الاتجاه المرجح للأحداث والتطورات وفحص الأخبار المنقولة والمتداولة للتعرف على نصيبها من الصحة .

الخلاصات التي انتهت إليها مباحثات الوفد السوري في موسكو تبدد الصورة الافتراضية وتناقضها فهي أسقطت توقعات كثيرة عن ممارسة ضغط روسي على دمشق لصالح أي شيء كان وأكدت متانة التحالف الروسي السوري ووحدة الرؤية والقراءة دون إلغاء اي من هوامش الحركة الروسية او تضييقها وبرهنت على التعامل الروسي باحترام مع آراء وتقديرات القيادة السورية التي جددت تثبيت نهجها الاستقلالي الحر في تحالفاتها ورسخت الثقة المتبادلة مع القيادة الروسية التي ضاعفت من حجم التزاماتها بدعم الدولة الوطنية السورية في جميع المجالات بدءا من الشكل باستقبال الرئيس بوتين شخصيا للوفد الذي رئسه الوزير وليد المعلم .ترى ما هي مصادر قوة الإقناع السورية التي أدت لنتيجة تعاكس كثيرا من التوقعات التي توغل أصحابها في سيناريوهات تفصيلية لم يصدر شيء عن مباحثات الصديقين الروسي والسوري ما يتصل بها.

أولا بقدر ما يمكن القول إن روسيا توفر للدولة الوطنية السورية دعما سياسيا وعسكريا واقتصاديا يعزز قدرتها على الصمود ومقاومة العدوان الاستعماري فالأكيد ان ذلك الصمود السوري                      اتاح لروسيا استعادة مكانتها الفاعلة دوليا كقوة عظمى ووفر لها الكثير من الفرص الاستراتيجية                    وهذا الصمود السوري شكل عنصرا حاسما في تكوين التوازنات الدولية الجديدة.                                                                                                  إن سورية اليوم هي خط الدفاع العالمي الأول عن جميع القوى المناهضة للهيمنة الأحادية وبالتالي فالعلاقة التفاعلية المتكافئة بين سورية وروسيا ليست علاقة تبعية وإمرة بل هي شراكة كاملة كما هي حال التحالف السوري الوثيق مع كل من إيران والصين والحاجة إلى سورية هي ما يجتمع عليه شركاؤها الكبار كمثل حاجة سورية إليهم وهذا ما يحصن السوية التي أرادها الرئيس بشار الأسد وعمل عليها في تكوين التحالفات والشراكات السورية وواهم من يظن غير ذلك .

ثانيا خبرة التجربة المشتركة خلال السنوات الماضية برهنت على صحة التقديرات السورية التي خالفت التوقعات الروسية أحيانا بشأن حقيقة الموقف الأميركي وقد اكتفت القيادة السورية بعرض تحفظاتها في حينه داخل الغرف المغلقة ولم تخرجها إلى العلن وتعرف القيادة الروسية ان التجاوب السوري مع آلية جنيف برمتها بني رغم الاختلاف في التقدير على مبدأ عدم إحراج الحليف الروسي ورغم قيام القيادة السورية مباشرة بإظهار العوامل والمؤشرات الداعية للشك في مدى التزام الإدارة الأميركية بتعهداتها المعلنة خلال المباحثات الثنائية مع المسؤولين الروس وحيث أنه لدى القيادة السورية في حصيلة التجارب السابقة كمية ضخمة من البراهين وحصاد ضخم من التكاليف الباهظة التي نجمت عن مجاراة مبادرات سابقة نجحت القيادة السورية بذكاء في فضح المسعى الأميركي لتحويلها إلى فرص لتطوير العدوان على سورية وهذا ما حصل مع المراقبين العرب ومهمة كوفي عنان والمراقبين الأمميين وآخرها مهمة الأخضر الابراهيمي ومباحثات جنيف وهو حصاد دفع الرئيس بوتين في خريف العام الماضي إلى إصدار توجيه حاسم للدبلوماسيين الروس نقله مراسلون من موسكو في حينه : لا تطلبوا بعد اليوم تنازلات من أصدقائنا السوريين لاسترضاء الولايات المتحدة !.

ثالثا التجربة الروسية في أوكرانيا أكدت صواب الرؤية السورية التي تجد الضمانة الجدية في توازن القوى وفي معادلات الردع وبفرض الخطوات العملية على الخصوم في أي تفاهمات أو تسويات وهنا أي في التعامل مع الولايات المتحدة ما تزال الأولوية السورية هي لتجفيف منابع الإرهاب ولتطبيق قرارات مجلس الأمن التي أصرت عليها سورية بدعم من روسيا وإيران والصين منذ انطلاق العدوان الكوني ولم تتوقف الولايات المتحدة عن عرقلتها إلا مؤخرا بعدما استشعرت خطر ارتداد الإرهاب إلى عقر دارها فالقيادة السورية تخضع للفحص جميع المبادرات والطروحات السياسية بعين الشك وليس بحسن النوايا وهذا ما خبرته القيادة الروسية بنفسها فرغم التكرار الروسي للتصريح وللتصرف بفرضية الشراكة مع الولايات المتحدة ما تزال الإدارة الأميركية تعامل دولة عظمى كروسيا بالعقوبات وبالحملات الإعلامية والسياسية العدائية وتحشد التحالفات لمحاصرتها ولتطويقها اقتصاديا وسياسيا وعسكريا رغم كل ما أظهرته موسكو من استعداد للتنازل أحيانا لصالح الرهان على التعاون والعمل المشترك مع واشنطن .