p01-01-25542 527944 large

 

غالب قنديل

الحصيلة التي انتهت إليها مفاوضات فيينا حول الملف النووي الإيراني شكلت تعبيرا عن توازن القوى الجديد في العالم والمنطقة وتأكيدا لقرار المؤسسة الحاكمة الأميركية بمواصلة التكيف الصعب مع الحقائق الجديدة وحيث تبدو المهلة الممددة للتوصل إلى الاتفاق النهائي أقرب إلى فاصل تمهيدي تحتاجه الولايات المتحدة لتجرع فشل ممتد لأكثر من ثلاثين عاما وهضم نتائجه واحتواء غضب الشركاء الخائبين ولإعداد مناخ عالمي وإقليمي يكون الاتفاق مطلع الصيف المقبل تتويجا له وفق ما ألمحت إليه التصريحات الأميركية وإلإيرانية على السواء .

أولا أكدت إيران حقها بتخصيب اليورانيوم وبامتلاك التكنولوجيا النووية المتقدمة واحتفاظها بالبناء التحتي الكامل لبرنامجها النووي بما في ذلك الأجيال المتطورة من اجهزة الطرد المركزي التي تمتلك الآلاف منها وفي جميع المنشآت النووية الإيرانية وقد بات هذا الأمر خارج النقاش.

بالمقابل تواصل إيران التزامها بالتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة النووية وهي بذلك تظهر للعالم بطلان الأكاذيب والاتهامات عن نيتها امتلاك السلاح النووي فما تريده إيران هو امتلاك التكنولوجيا وتحولها إلى دولة صناعية قوية ومنتجة للطاقة النووية السلمية التي هي القوة الدافعة للصناعة الحديثة المتقدمة في العقود المقبلة وحيث يتسنى لإيران تحقيق إنجازات عظيمة في هذا المجال بالاستناد إلى ثروتها الكامنة من اليورانيوم الخام وما لديها من إنتاج معدني متنوع .

انتزعت إيران مباشرة التنفيذ العملي لآلية تفكيك العقوبات من خلال الإفراج عن كتلة من أموالها المحجوزة بحيث سوف تتلقى حتى نهاية حزيران من العام المقبل سبعمئة مليون دولار شهريا كما أعلن امس بعد انتهاء مفاوضات فيينا .

ثانيا تحتاج الولايات المتحدة إلى استثمار المهلة الجديدة في إعداد شركائها للتكيف الصعب مع الاعتراف المقبل بالقوة الإيرانية والانتقال الأميركي من مرحلة الاشتباك المستمر مع إيران منذ 35 عاما إلى المساكنة والبحث في الشراكات الاقتصادية والسياسية الممكنة في مناخ الحرب الباردة الجديدة في العالم والمنطقة .

الضغوط التي أجريت المفاوضات في ظلها كانت إسرائيلية سعودية وتركية وقد شكلت رسالة اوباما الموجهة إلى مرشد الجمهورية الإسلامية السيد علي الخامنئي محركا لهواجس كثيرة في هذه الجبهة الثلاثية ( تركيا وإسرائيل والسعودية ) وفي باريس التي تتملكها الخيبة حول حجم الاندفاع الأميركي نحو تطبيع العلاقات مع إيران والرهان على الشراكة معها في العديد من الملفات وقد تكفل وزير الخارجية الفرنسي بالوكالة عن حكومته البليدة وعن ثلاثي القلق والتخريب الإقليمي بآخر محاولات نسف المفاوضات وبدا فعليا ان بريطانيا وحدها تعرف كلمة السر الأميركية من الخطوات الجارية لإعادة فتح السفارة البريطانية في طهران وفي ظل الوفود الاقتصادية الضخمة القادمة من عاصمة الضباب إلى عاصمة الجمهورية الإسلامية بل إن الزوار البريطانيين هم كشافون للشركات الأميركية العملاقة يحضرون التقارير والملفات لشركائهم الأنكلوسكسون عبر المحيط .

ثالثا توضح التصريحات الأميركية والإيرانية أن الاهتمام سيتركز بعد فيينا على مواصلة التفاوض في الملفات السياسية المشتركة وهي ملفات صراع ومواجهة واشتباك مما يعني تكريس الاعتراف بالقوة الإيرانية الفاعلة على مساحة المنطقة والعالم وحيث لم يتردد وزير الخارجية الأميركية بالقول ان منطقة الشرق الأوسط ستكون اكثر استقرارا وامنا بعد اليوم وهو كلام متفائل بشان تفاهمات محتملة سياسيا قد تفتح مسارات التسويات على خطوط الأزمات في أفغانستان وباكستان واليمن والعراق ولبنان والبحرين وسورية .

من الواضح ان الولايات المتحدة تتلمس طرق التكيف مع المعادلات الجديدة الناتجة عن فشل حروبها ومغامراتها الاستعمارية في المنطقة وإخفاق حصارها ضد إيران وهي في مشاريع التسويات تسعى للحفاظ على ما يمكن الحفاظ عليه من حضور لشركائها من الحكومات الموالية للغرب بينما تستثمر إيران لصالح منظومة المقاومة مجتمعة في التوازنات الجديدة إقليميا ومحليا على مستوى جيمع الساحات والجبهات وهذا إنجاز إيراني ثمين لصالح شعوب المنطقة وقواها التحررية ولمعسكر مقاومة الهيمنة الأميركية الأحادية في العالم.