Get Adobe Flash player

55a55fd3c461883b1d8b45f1

غالب قنديل

المشهد الإقليمي الذي أعقب اتفاق فيينا يتحدث عن نفسه انطلاقا مما وصفه نتنياهو وقادة الكيان الصهيوني باليوم الأسود والترحيب المتفاوت خليجيا والمتلعثم سعوديا لا يطمس مرارة الخيبة على رهانات خاطئة كلفت غاليا منذ انتصار الثورة الإيرانية وبعد سقوط نظام الشاه البائد حليف إسرائيل والوصي الغربي على حكومات الخليج لعقود .

أولا لا يمكن طمس او تغييب حقيقة ان إيران انتصرت بموجب الاتفاق ليس فحسب عبر تكريس حقوقها النووية الوطنية بل لكونها ظفرت بآلية واضحة وبجدول زمني لتفكيك تدابير الحصار والعقوبات وكسرت جدرانا وضعت حولها بقرارات أممية وبتدابير اتخذتها حكومات الغرب بزعامة الولايات المتحدة خلال العقود الماضية.

الاتفاق سيحرر القوة الاقتصادية الإيرانية ويطلقها في نهضة تشبه بالنسبة للعديد من الباحثين طفرة الصين بعد كسر الحصار الأميركي ومن النتائج الفورية ان الاتفاق يسمح لإيران باسترداد كمية ضخمة من أموالها المجمدة كما يفتح الباب امامها لمضاعفة إنتاجها النفطي ولعقد كمية ضخمة من التعاملات التجارية والنفطية والمصرفية مع العالم وتلك جميعها خطوات ستجعل من إيران مركز جذب متقدم للرساميل والشركات على النطاق العالمي وخصوصا في زمن الركود الغربي المتزايد ولا يمكن لأي كان إنكار أن هذا الإنجاز الإيراني الواضح هو حصيلة صمود عظيم وتمسك شعبي كبير بإرادة الاستقلال والتحرر وهو ثمرة التصدي للهيمنة الاستعمارية الصهيونية من خلال موقع إيران المركزي في محور المقاومة الذي كرست لبنائه ولتقويته جهودا وإمكانات طائلة منذ انتصار الثورة الإسلامية وبالشراكة مع الجمهورية العربية السورية وهو حلف توسع في السنوات الأخيرة نحو العراق واليمن وبات يضم قوى وأحزابا وطنية وشعبية تتبنى هوية تحررية مقاومة للهيمنة يتقدمها حزب الله الحركة المقاومة المنتصرة والقوة الفاعلة داخل لبنان بحلف سياسي واسع والتي باتت مؤثرة في المحيط الإقليمي.

ثانيا ساهمت تحالفات إيران الوثيقة في تغيير البيئة الدولية والإقليمية وانبثاق توازنات جديدة تتيح لها انتزاع حقوقها من براثن الحلف الاستعماري بعد تحولات كان أبرزها سحق هيبة الردع الصهيونية في المنطقة منذ العام 2000 بفضل الشراكة بين إيران وسوريا وحزب الله والمقاومة الفلسطينية وكذلك ثبات واقع التعددية القطبية الناشئة في العالم بحيث بات متعذرا منذ الفيتو الروسي الصيني حول سوريا تمرير عقوبات جديدة ضد إيران في مجلس الأمن الدولي وهذا من العناصر التي أرغمت الولايات المتحدة على الضوخ للتفاوض حول آلية تفكيك منظومة العقوبات التي أثبتت عجزها عن كبح صعود القوة الإيرانية وباتت متعذرة مع التحولات العالمية المتسارعة التي اتاح تظهيرها صمود الدولة الوطنية السورية.

حققت إيران إنجازها الثمين بانتزاع حقها في امتلاك التكنولوجيا النووية واستكمال ثورتها الصناعية وبالمقابل احتفل الغرب وأتباعه في المنطقة بما وصفوه تعطيل القنبلة النووية الإيرانية التي لم تكن يوما في اجندة طهران الفعلية وقد استعملت ذريعة لمنع إيران من امتلاك التكنولوجيا العلمية المتقدمة ومن التحول إلى دولة منتجة للطاقة النووية بفضل ما لديها من مخزونات اليورانيوم وهكذا تضمن الاتفاق بندا عن حق إيران في إنتاج وبيع الوقود النووي المستخدم في الأغراض السلمية وهو ما يدخلها في مجموعة الدولة الصناعية المتقدمة التي تبيع محطات توليد الكهرباء بالطاقة النووية للدول الأخرى كما ستغدو دولة رئيسية منتجة للوقود النووي نتيجة حجم المخزون الإيراني من اليورانيوم في ما يزيد على ألف وأربعمئة منجم مما يعطي صورة عن حجم الإنجاز الصناعي الهائل الذي يكرسه الاتفاق لصالح إيران .

ثالثا الطريق الذي سلكه الغرب في التفاهم مع إيران وفي حصيلة العقود العاصفة من تاريخ المنطقة التي شهدت حروبا وحصارات وحملات ضد إيران يكشف مجددا لمن يفهم ويحسب حقيقة ان الغرب امام مصالحه لا يقيم وزنا للقوى والحكومات التي يستعملها لخدمة أغراضه وهو لا يحفظ لها حتى ماء الوجه عندما يقرر لحساب أولوياته ومصالحه تخطي حواجز العداء والتسليم بالأمر الواقع فقد انفقت الحكومات العربية التابعة للغرب آلاف المليارات لشيطنة إيران إعلاميا ولمحاصرتها ولتمويل الحرب العراقية التي استهدفتها في فجر الثورة وقامت ادوار وسياسات ومنظومات عمل عربية امنية وإعلامية وسياسية على غاية محورية هي مجابهة إيران وتشويه مواقفها وسياساتها والتصدي لمحور المقاومة والترويج للتحالف مع الكيان الصهيوني وكل ذلك كان في خدمة الولايات المتحدة ودول الغرب الأخرى وخصوصا فرنسا وألمانيا وبريطانيا التي تحدث زعماؤها خلال ساعات بعد إشهار اتفاق فيينا بلغة متهالكة عن هرولتهم إلى طهران بحثا عن عقود واتفاقات تعاون بينما يمعن المتورطون في المنطقة وأتباعهم الصغار بترويج خطب رديئة لا تستر الخيبة والفشل وحقيقة الدونية المبتذلة في تبعيتهم للغرب امام النموذج الاستقلالي الفذ الذي قدمته التجربة الإيرانية بكل ما فيه من عزة وكرامة وطنية ووفاء للحلفاء والشركاء.

من اهم ميزات الخطاب الإيراني انه متواضع في تقديم الإنجاز وهو مبني على رؤية حكيمة لدينامية الصراع المستمر ضد الهيمنة الاستعمارية وضد الكيان الصهيوني الذي استغرق في غصة ستطول فطيلة سنوات فشلت جميع ضغوط الحركة الصهيونية المستميتة في انتزاع تنازل إيراني واحد ولو جزئي بشأن الموقف من قاعدة العدوان والاحتلال التي وصفها الإمام الخميني بالغدة السرطانية وما تزال العدو رقم واحد للجمهورية قبل الاتفاق النووي وبعده.