Get Adobe Flash player

مقدمة:

لا شك أن عملية إعادة بناء سورية قد بدأت بعد أن تمكّن الجيش العربي السوري من إعادة الأمن والاستقرار إلى مناطق يقطنها حوالي 90% من سكان سورية وتضم المدن الصناعية وبعض الثروات المعدنية ومصادر الطاقة, والأراضي الزراعية.

Read more: إعادة بناء سورية: الأولويات, المستثمرين والآفاق (1)  حميدي العبدالله

حميدي العبدالله

منذ انتصار الرأسمالية وتحوّلها إلى نظام اقتصادي سائد يعمّ أرجاء العالم، دار سِجال بين الاقتصاديين، وعلى مستوى الحركات السياسية والاجتماعية حول تأثير الضرائب. الأحزاب اليمينية تبنّت مواقف متناقضة من هذه المسألة، فهي مع خفض الضرائب إذا كانت هذه الضرائب تستهدف الأغنياء والشركات، ودائماً كانت تردّد مقولة إن الضرائب العالية توثر سلباً على النمو الاقتصادي دون أن توضح كيف يحدث ذلك باستثناء تكرار مقولة "آدم سميث" عن يد الاقتصاد الخفية، ولكنها في المقابل، ولاسيما في البلدان النامية، كانت الأحزاب اليمينية تسعى إلى تمويل خزينة الدولة من أموال الفقراء عن طريق الضريبة غير المباشرة، ولعل هذا ما اعتمده صندوق النقد الدولي كنهج دائم وثابت وسعى إلى فرضه على الدول النامية وكان ذلك وراء خراب اقتصاد هذه الدول وسبباً لكل الاضطرابات الاجتماعية والسياسية التي حدثت ولا تزال تحدث في البلدان النامية، ولعل ما يجري الآن في الأردن آخر تجليّات وصفات صندوق النقد الدولي. هذا مع العلم أن الاقتصادي الأمريكي الشهير والمرموق والذي خدم في عهد الرئيس بيل كلينتون بوصفه كبير الخبراء الاقتصاديين، والحائز على جائزة نوبل للاقتصاد جوزيف ستيغليتز، قد دحض هذه المقولة التي يروّج لها صندوق النقد الدولي وكرّس لها أكثر من فصل في كتابه "خيبات العولمة". ولكن بعض الاقتصاديين وقوى اليسار حاججت دائماً إلى جانب النقابات العمالية بأن خفض الضرائب عموماً يقود إلى النمو الاقتصادي ولن يترك أي انعكاسات سلبية. وبديهي كان هذا المعسكر يستند على حجج أبعد بكثير وأكثر وضوحاً من "يد الاقتصاد الخفية". كان الاعتقاد أن الاقتطاعات الضريبية الهائلة، ولاسيما إذا كانت على حساب الشرائح الأوسع من المجتمع، وهي الفئات غير تلك الأكثر ثراءً، من شأنها أن تُضعف القدرة الشرائية لدى غالبية المجتمع، وإذا ما عمّت دول العالم فإن غالبية سكان الكرة الأرضية ستتراجع قدرتهم الشرائية، وهذا بديهي سينعكس سلباً على قوة الطلب. ويحصل ما يشبه الركود الاقتصادي، وينعكس ذلك سلباً على مجمل أداء الاقتصاد، بما في ذلك معدلات النمو، فيما خفض الضرائب، وتحديداً الضرائب التي تطال أكثر شرائح المجتمع اتساعاً من شأنه تعزيز القدرة الشرائية وتقوية الطلب، وبالتالي حفز النمو الاقتصادي

Read more: خفض الضرائب يعيق النمو الاقتصادي أم يحفزه؟

tramoopp

تنفيذاً لوعوده الانتخابية وفي سياق سعيه للحفاظ على الشعبية التي نالها في الانتخابات الرئاسية، ولضمان فوز الجمهوريين في الانتخابات النصفية، يواصل الرئيس الأمريكي اتخاذ سلسلة من القرارات الاقتصادية التي أشعلت فتيل حرب تجارية واسعة النطاق، ليس فقط مع الصين الشريك التجاري الهام للولايات المتحدة، بل مع حلفاء الولايات المتحدة التقليديين وتحديداً أوروبا وكندا.

Read more: الرابح والخاسر في الحرب التجارية التي أشعلها ترامب  حميدي العبدالله

حميدي العبدالله

أدّى رفع العقوبات الاقتصادية على إيران في السنة الأولى على رفعها وقبل انتخاب دونالد ترامب رئيساً للولايات المتحدة إلى استعادة إيران (100) مليار دولار المجمّدة بالخارج، سواءً تلك المجمّدة بقرارات من دول غربية، أو التي أدت قرارات مجلس الأمن إلى تجميدها، وكانت غالبية دول العالم ملتزمةً بهذه القرارات، بما في ذلك دول مثل روسيا والصين. كما أدى رفع العقوبات، بناءً على الاتفاق النووي، إلى ارتفاع عائدات إيران من النفط بنسبة تصل إلى 60%، وقد انعكس ذلك تحسناً ملحوظاً في أداء الاقتصاد الإيراني، الأمر الذي قاد إلى ارتفاع الدخل القومي في هذه المدة القصيرة بنسبة 12%. ومع وصول ترامب إلى البيت الأبيض وإعلانه أنه سوف ينسحب من الاتفاق النووي، خسر الريال الإيراني 25% من قيمته إزاء الدولار، وغادر إيران حوالي (30) مليار دولار، وارتفع معدل التضخم ليصل إلى 8%، وارتفعت البطالة لتصل إلى نسبة 11%. هذه المعطيات والأرقام تؤكد أن العقوبات الاقتصادية التي فرضتها الولايات المتحدة وحلفاءها على إيران على خلفية ملفها النووي كان لها تأثير كبير وحاد على الاقتصاد، وفعلاً كان هذا التأثير وراء ظاهرتين سياسيتين ملحوظتين بقوة في الحسابات السياسية، الظاهرة الأولى، تتمثل في أن إيران كانت حريصة على التوصل إلى اتفاق مع الولايات المتحدة والحكومات الغربية حول ملفها النووي عبر تقديم تنازلات حقيقية للوصول إلى معادلة رابح – رابح التي تحدّث عنها وزير الخارجية الإيرانية عند التوقيع على الاتفاق بين إيران وخمسة زائد واحد. الظاهرة الثانية، نجاح وفعالية التحريض الغربي لقطاعات اجتماعية في إيران ضد النظام الحالي، بذريعة أن سياسات ونهج هذا النظام هي التي استدعت فرض العقوبات، ولاسيما تبذيره الأموال لفرض نفوذه في المنطقة عبر دعم حركات المقاومة وسورية، في حين كان ينبغي عليه صرف هذه الأموال على التنمية لتحسين مستوى معيشة الإيرانيين، وبالتالي فإن هذا الواقع الاقتصادي الصعب الناجم عن العقوبات هو الذي يفسر أن أبسط احتجاج على مظالم من مثل إفلاس شركة لتوظيف الأموال يتحول إلى احتجاجات واسعة وتلاقي القبول والترحيب من قطاعات واسعة من شرائح مهمة في المجتمع الإيراني، حيث يجري استغلال كل ذلك من قبل الولايات المتحدة وحلفائها لتهديد الاستقرار في إيران.

Read more: لماذا كانت العقوبات الاقتصادية مؤثرة على إيران أكثر من دول أخرى اُستهدفت بالعقوبات؟