Get Adobe Flash player

 

ثانياً، قطاع النفط والغاز يحتل أولوية وربما أولوية موازية لإعادة إعمار البنية التحتية، بل من المفيد أن يسبقها لأسباب تتعلق بالبعد الاقتصادي.

Read more: إعادة بناء سورية: الأولويات،  مصادر التمويل، الآفاق (8)  حميدي العبدالله

ليس ما تقدم هو كل مرافق البنية الأساسية التي تحتل الأولوية في عملية إعادة الإعمار لما تلعبه البنية الأساسية أو التحتية من دورٍ هام في كل عملية إعادة الإعمار، بل إن مرافقَ أخرى هامة تستقطب الأولويات في هذه العملية، مثلاً مقرات الدوائر الحكومية تضررت على نحوٍ كبير. ومعروف أن الدوائر الحكومية في سورية، سواء ما يتبع للحكومة والإدارة المحلية، أو المنظمات الشعبية، مثل النقابات هي كثيرة وتنتشر على كل أنحاء البلاد، ولحق بها ضررٌ كبير، ويحتاج انتظام العمل وتقديم الخدمات لإعادة إعمار الأبنية التي كانت تشكل مقرات للدوائر الرسمية المختلفة المكلّفة تسيير شؤون ذات طبيعة إدارية وأخرى مرتبطة بمرافق اقتصادية وإنتاجية وخدمية.

Read more: إعادة بناء سورية: الأولويات، مصادر التمويل، الآفاق(7)  حميدي العبدالله

رابعاً، صعوبة توفر المواد التي تتطلبها عملية إعادة الإعمار دفعة واحدة, والتي يحتاجها ي بناء حوالي مليون وستمائة ألف وحدة سكنية، وهي مجموع الوحدات السكنية التي هدّمتها الحرب، هذا يحتاج إلى كميات كبيرة من الإسمنت والبلاط والرخام والحديد، وكل ما يتصل بعملية إعادة الإعمار من أخشاب وأشياء أخرى، ومن الطبيعي أن ذلك غير متوفر الآن، لأن بعض معامل الإسمنت قد تأذت بفعل الحرب، وبعضها الآخر لا يعمل بكامل طاقته، وحتى لو كانت القدرة الإنتاجية في معامل الإسمنت كما كانت عليه قبل الحرب، فإنها غير قادرة على تلبية طلبٍ استثنائي ناجمٍ عن الخراب الكبير الذي سببته حرب ثمانِ سنوات دارت في المدن والأحياء والقرى والبلدات وتسببت بخراب لم تشهده حتى الحروب العالمية الكبرى بسبب تطور الأسلحة التي استخدمت في الحرب على سورية.

Read more: إعادة بناء سورية: الأولويات، مصادر التمويل، الآفاق (5)  حميدي العبدالله

أولويات إعادة الإعمار:

إذاً عملية إعادة الإعمار لن تتم دفعةً واحدة بسبب هذه العوامل، وبالتالي فإن اختيار مبدأ الأولويات، وانتخاب قطاعات لتبدأ منها العملية ليست خياراً إرادياً، بل هو عملٌ طبيعي لمراعاة ظروف ومعطيات لا يمكن تجاهلها وإذا تم تجاهلها ستكون الكلفة عالية وباهظة وستبدد قدراتٍ كثيرة.

لا شك أن الأولويات لا بد أن تندرج حسب ترتيب بفرضه الواقع الموضوعي الذي تمّ عرضه في العوامل التي تفرض منطق الأولويات وهذا التدرج يبدأ:

أولاً، من إعطاء البنية التحتية الأولوية في عملية إعادة الإعمار. والمقصود بالبنية التحتية أو البنية الأساسية، تأمين الكهرباء، وبالتالي إعادة تشغيل محطات الكهرباء التي توقفت وتضررت بسبب الاعتداءات الإرهابية. المسألة لن تتوقف عند إعادة ترميم المحطات الحالية، لكي تعود إلى العمل على النحو الذي كانت عليه قبل الحرب الإرهابية التي شنّت على سورية، بل إن عملية إعادة إعمار واسعة النطاق بمستوى ما تحتاجه سورية تحتاج إلى قدرات على مستوى الكهرباء أعلى بكثير من تلك التي كانت قائمة قبل الحرب، وبالتالي فإن قطاع الكهرباء الذي تضررت فيه محطات التوليد، سواء تلك المقامة على السدود، أو المحطات الحرارية، أو خطوط النقل، تمثّل الأولوية ولن تكون هناك عملية إعمار ناجحة وممكنة من دون توفر الطاقة الكهربائية على نحو يلبي الطلب بشكل كامل، المسألة هنا لا تتعلق بالاستهلاك المنزلي، بل باحتياجات عملية إعادة الإعمار بكل أنواعها، وبالتالي لا بد أن تحتل الكهرباء الأولوية، وحسناً ما تقوم به الحكومة السورية الآن لجهة إيلائها قطاع الكهرباء الأولوية ليست فقط لأن المواطنين يلحون بطلب الكهرباء، بل لأن عمل جميع قطاعات الاقتصاد، وليس فقط عملية إعادة الإعمار متوقف على توفر الكهرباء بالمستوى الذي تحتاجه البلاد.

أيضاً في إطار البنية الأساسية التي يتوجب أن تحتل الصدارة في أولويات إعادة الإعمار عودة سكك الحديد، ومعروف أن سكك الحديد تضررت بشكلٍ كامل بسبب العبث الإرهابي وسرقة الحديد، وتخريب كل المنشآت المتعلقة بهذه السكك وكامل الشبكة تقريباً مخربة. ولكن عملية إعادة الإعمار، بما تعنيه بالدرجة الأولى من نقل مستلزمات إعادة الإعمار، بالإضافة إلى نقل البضائع والحاصلات الزراعية يجعل العمل بسرعة على إعادة بناء هذه الشبكة أمراً بغاية الأهمية، والأرجح أن هذا سيكون عملاً مكلفاً لأن التخريب كان شاملاً، ولحق بشبكة سكك الحديد خراب فاق ما لحق بغيره من قطاعات البنية التحتية، ولكن لا يمكن تأجيله، ولا يمكن تقديم قطاعات أو مرافق أخرى على عملية إعادة بناء هذه الشبكة التي ستلعب دوراً حيوياً وأساسياً في تخديم عملية البناء.

الطرق السريعة التي تشكل جزءاً من البنية الأساسية طالها هي الأخرى تخريبٌ واسع النطاق، وبالتالي تحتاج إلى إعادة تأهيل. صحيحٌ أن الدولة السورية بمؤسساتها المختلفة تقوم الآن بتأهيل هذه الطرق بصورة متدرجة وتتناسب مع الواقع الميداني، وربما مع نهاية الحرب تكون الدولة قد أنجزت عملية إعادة التأهيل على نحو يساعد على تخديم عملية إعادة الإعمار، ولكن هذه العملية هي جزء لا يتجزأ من الأولويات الملحة التي لا يمكن تأجيلها إلى وقت آخر لما يترتب على مثل هذا التأجيل من آثار سلبية.

شبكة السدود وإيصال المياه إلى المدن والبلدات والقرى والمزارع التي تعتمد على الري هي الأخرى تحتل مرتبةً متقدمة في عملية إعادة البناء، ليس فقط لأن ملايين السوريين يطالبون بتوفر المياه ويعتبر ذلك أمراً ملحاً للنزول عند حاجات ومتطلبات السوريين، بل وأيضاً لأن إنهاض القطاع الزراعي، وعودته إلى العمل بكامل طاقته لتوفير احتياجات المواطنين والمصانع، مرتبطٌ هو الآخر بوصول المياه إلى الحقول والبساتين. ويلاحظ منذ تحرير أجزاء واسعة من محافظتي دير الزور والرقة، فإن المطلب الملح الذي كان يؤكد عليه الفلاحون، أثناء لقاءاتهم مع المسؤولين في الدولة, هو ضرورة أن تتوفر المياه، وتعود شبكة الري إلى العمل على النحو الذي كانت عليه قبل الحرب، ولكن الاستجابة لهذه المطالب تستوجب أن يُدرج قطاع المياه ليس فقط لأنه جزء من البنية الأساسية، بل وأيضاً لهذه الاعتبارات الاقتصادية ضمن أولويات الدولة، وإذا لم يتم إعادة بناء هذا القطاع فإن ضرراً كبيراً سوف يلحق بعملية إعادة الإعمار، وبأداء قطاع اقتصادي مهم هو القطاع الزراعي. وأهمية إعادة بناء هذا القطاع لا تقل أولوية عن إعادة إعمار قطاع الكهرباء وشبكة سكك الحديد، ومن الخطأ التعامل مع هذه القضية وكأنها مجرد توفير مياه الشرب للمواطنين، المياه هنا عامل مهم من عوامل إنهاض الزراعة وعودة القطاع الزراعي للعمل بمستوى ما كان عليه قبل الحرب، وتوفير المواد التي تحتاجها الكثير من المصانع.

ثالثاً، ليس كل ما تقدّم وحده يفرض على الدولة السورية وضع أولويات في عملية إعادة الإعمار، إضافةً إلى ما تقدّم ثمّة عوامل إضافية وربما تشكل خصوصية تميّز عملية إعادة الإعمار في سورية، والمقصود بذلك توفر العمالة. معروف أن جميع المناطق الصناعية تشكو الآن في سورية من نقص العمالة، وفي جميع عمليات المسح والاستطلاع والتحقيقات التي جرت مع أصحاب المصانع، فإن مطلبهم الأول توفر العمالة. ومعروف أن العمالة المطلوبة هي من الأعمار التي تقع ما فوق العشرين عاماً وما دون الخمسين عاماً. لكن العمال المصنفين في هذه المدة العمرية، بعضهم لا يزال يدرس ولم يصل بعد إلى سن العمل إلا من تسرب من الدراسة، وهم أقلية ولا يمثلون أكثرية هذه الفئة العمرية، وبعضهم الآخر التحق بالجيش العربي السوري، إما لأداء خدمة العلم، أو الخدمة الاحتياطية، وجزء ثالث من هذه الفئة العمرية, إما أنه التحق بالمجموعات الإرهابية المسلحة، وغالبية هذه الفئة هاجرت إما إلى دول الجوار مثل لبنان والأردن وتركيا وإما إلى أوروبا. وغالبية هؤلاء لا يريدون العودة في وقت مبكر لأن بعضهم حصل على فرص عمل تدر له عائداً مقبولاً، وحتى بعض الأسر تعود بعد تحرير الجيش العربي السوري لغالبية المناطق السورية، ولكن البعض الآخر من أبناء هذه الأسر، ولاسيما الذين هم في سن العمل, يفضلون البقاء في الخارج لأنهم يحصلون على عائد أعلى من العائد المتوقع في سورية الآن، سيما وأن عملية إعادة البناء لم تنطلق بعد بكل زخمها، وبالتالي لم تتحدد بعد مستويات الأجور لمعرفة ما إذا كان فيها جاذبية تدفع من هم في سن العمل لترك أعمالهم في لبنان والأردن وتركيا، وبالتالي العودة إلى سورية.

Read more: إعادة بناء سورية: الأولويات، مصادر التمويل، الآفاق(4)  حميدي العبدالله