Get Adobe Flash player

النظام «الاقتصادي المختلط» الذي «تتغير فيه الأدوار بين الحكومة والقطاع الخاص» الذي برهن على فعاليته الاستثنائية في «حل المسائل الأكثر إلحاحاً» كما برهنت تجارب الحكومات والدول التي تتبنى النظام الرأسمالي

أو النظام الاشتراكي، هو الذي يمثل هوية الاقتصاد السوري منذ الحركة التصحيحية عام 1970. منذ ذلك الوقت أدركت سورية أن النظام الاشتراكي السائد في دول أوروبا الشرقية والاتحاد السوفيتي ودول أخرى مثل كوبا لا يلائم وضع سورية الاقتصادي وغير قادر على تعبئة كل الموارد والإمكانيات لتحقيق التنمية وتحمل عبء الدفاع عن سورية التي احتل جزء من أراضيها من إسرائيل عام 1967.بعد انهيار الاتحاد السوفيتي والمنظومة الاشتراكية وبدء التحول في اقتصاد دول تلك المنظومة، سُئِل الرئيس حافظ الأسد عما إذا كانت سورية ستلجأ إلى تغيير بنية اقتصادها، فأجاب أن كثيراً من التغييرات التي تشهدها اقتصادات الدول الاشتراكية أقدمت عليها سورية منذ بداية عقد السبعينات في القرن الماضي.

 

منذ ذلك التاريخ كان الاقتصاد السوري اقتصاداً مختلطاً، أي هناك دور للقطاع العام في إدارة الاقتصاد، وهناك أيضاً دور للقطاع الخاص للاستفادة من قدراته وما لديه من ادّخارات، وأضافت سورية إلى تجربة الاقتصاد المختلط بعداً إضافياً تمثل بالقطاع المشترك، أي التعاون بين القطاع الحكومي والقطاع الخاص في بعض المجالات، حيث لا يستطيع القطاع الحكومي وحده توفير متطلبات النهوض بهذا القطاع، كما لا يستطيع القطاع الخاص أداء هذه المهمة أيضاً.

وعندما تسلم الرئيس بشار الأسد مقاليد الدولة لم يحدّ عن هذا النهج، وحتى عندما وضعت التشريعات التي تتيح للرأسمال الخاص، المحلي وحتى الأجنبي، الاستثمار في المجالات الاقتصادية، فإن ذلك لم يكن على حساب المرافق التي يديرها القطاع العام، سواء كانت هذه المرافق إنتاجية أو خدمية، وحافظ الاقتصاد على هويته، التي ترتكز على «الاقتصاد المختلط». بهذا المعنى، وفي ضوء التجربة الطويلة، وفي ضوء ما يحدث عالمياً، فإن سورية تسير على الطريق الصحيح، أي أن هوية اقتصادها هوية واضحة هي الاقتصاد المختلط، القائم على استثمار وتوظيف أفضل مزايا النظام الرأسمالي، وأفضل مزايا النظام الاشتراكي. وما يصلح للتنمية يصلح في عملية إعادة الإعمار التي تشكل حلقة من حلقات عملية التنمية الاقتصادية.

لكل ما تقدم فإن النقاش حول هوية الاقتصاد السوري لا معنى له، فهوية هذا الاقتصاد واضحة، فهو يقوم على الاقتصاد المختلط، ويرفض التبعية والهيمنة والاندماج بأي نظام اقتصادي لا يراعي ظروف وخصوصية الأوضاع السورية، ولا يأخذ بعين الاعتبار إصرار سورية على استقلالية قراراها سياسياً واقتصادياً، وأنها لا تقبل أي تعاون اقتصادي مع أي جهة كانت إلا على أساس المنفعة المتبادلة وتكافؤ المصالح.

أما بشأن النقاش حول عملية إعادة الإعمار وأين يتركز ثقل هذه العملية بالارتباط مع التساؤلات حول هوية الاقتصاد السوري، وما إذا كان المطلوب بناء مدن حديثة لا يستطيع الاستفادة منها إلا الأغنياء، أو بناء وحدات سكنية بمتناول يد أصحاب الدخل المحدود، فهذه أيضاً قضية النقاش فيها مفتعل إلى حد كبير.

الحرب دمرت بيوت أصحاب الدخل المحدود كما دمرت بيوت أغنياء، وشرائح المجتمع السوري على اختلاف تركيبها تحتاج في عملية إعادة الإعمار إلى تنوع في هذه العملية يلبي احتياجات كافة الشرائح.

الأغنياء يحتاجون إلى أبنية حديثة مصحوبة بمرافق خدمية متكاملة، وهذا الطلب تلبيه المدن الحديثة التي تم الترخيص لها، وبعضها بوشر العمل فيه.

ولكن ليس هذا هو السبيل الوحيد لإعمار ما هدمته الحرب، بل ثمة طرق أخرى لعملية إعادة الإعمار، بعضها يقوم على المبادرات الخاصة للمواطنين في بعض القرى والبلدات والأحياء التي لم تتضرر بشكل كبير. وبعضها الآخر تقوم به جمعيات سكنية من خلال اكتتاب محدودي الدخل منها، ومن خلال تقدم عملية إعادة الإعمار عبر هذه المحاور المختلفة يكون هناك عمل متكامل يعكس هوية الاقتصاد السوري ذاته، أي تعاون بين القطاع الحكومي والقطاع الخاص في مجالات محددة من عملية إعادة الإعمار، وتحمل القطاع الحكومي بمفرده أعباء إعادة الإعمار في مجالات أخرى مثل البنية التحتية والاستثمار في قطاع الطاقة. ونهوض القطاع الخاص بعملية إعادة الإعمار في الصناعة والزراعة والخدمات، وبناء وترميم مدن وأحياء وبلدات وفق الاحتياجات المتنوعة لشرائح المجتمع السوري المختلفة.

عملية إعادة الإعمار ببعدها الاقتصادي وفي بعدها المتعلق بإعادة بناء البلدات والأحياء التي هدمتها الحرب لها ديناميات تعزز هوية الاقتصاد السوري التي تكرست منذ الحركة التصحيحية عام 1970، واستمرت في الحقبة التي سبقت اندلاع الحرب الإرهابية، وسوف تستمر في فترة إعادة الإعمار وإطلاق مسيرة التنمية الاقتصادية.