Get Adobe Flash player

يتساءل عديدون عن هوية الاقتصاد السوري في مرحلة إعادة الإعمار، ويعتقد هؤلاء أنه من دون تحديد هذه الهوية لن تنجح عملية إعادة البناء، ودائماً كان السؤال عن هوية الاقتصاد السوري، سواء قبل الحرب الإرهابية التي شنت على سورية أو بعد هذه الحرب، يضمر قضايا تتصل بالبعد الاجتماعي للاقتصاد السوري، هل هو اقتصاد ليبرالي بالمفهوم الغربي، هل هو اقتصاد موجه، هل هو اقتصاد اجتماعي وفقاً لما جاء في خطاب الرئيس بشار الأسد في المؤتمر القطري الذي عقد في حزيران عام 2005، واليوم يطرح السؤال امتداداً للأسئلة ذاتها التي كانت تطرح في المرحلة السابقة، مع فارق وحيد يضيف سؤالاً جديداً هل تخطيط مرحلة إعادة الإعمار يتم بمنظور ليبرالي بحت، أم أن له محتوىً اجتماعي؟، عملية إعادة الإعمار، ولاسيما المدن والاحياء والبلدات التي هدمتها الحرب، هل ستكون عملية تأخذ بعين الاعتبار قدرات أصحاب الدخل المحدود، والفئات المعدمة، أم أنها ستكون محصورة في أعمال بناء المدن الحديثة المزودة بخدمات متكاملة والتي لا تستطيع الحصول على سكن فيها إلا الفئات الثرية؟, عملية التنمية التي سترافق إعادة الإعمار هل ستحافظ على طابعها قبل الحرب الذي شهد إنجازاً بشكل ما لصالح الفئات الأكثر ثراءً في المجتمع، أو على الأقل لم تأخذ بعين الاعتبار الأعراض الجانبية المترتبة على منح القطاع الخاص المزيد من التسهيلات، ولا سيما لجهة الانفتاح على الخارج، حيث كان لهذا الانفتاح تأثيرات سلبية عميقة على بعض النشاط الاقتصادي لأصحاب المنشآت الصغيرة، وهذا ما عكسه على وجه الخصوص الانفتاح على تركيا، حيث غزت المنتجات التركية الأسواق السورية على حساب تأمين الحماية للصناعات والزراعات وحتى الخدمات المتضررة جراء المنافسة التركية؟. أيضاً هناك سؤال حول هوية إعادة الإعمار، وبالتالي التنمية لها صلة بدروس الحرب ونتائجها، إذ من المعروف أن الدول الغربية وحكومات المنطقة المرتبطة بالغرب، سياسياً واقتصادياً، دعمت الحرب الإرهابية على سورية، ويندرج في هذا الإطار الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وكندا ودول في المنطقة مثل تركيا والسعودية، وهذا يؤثر على دور ومشاركة هذه الدول في عملية إعادة الإعمار، والحفاظ على استثماراتها التي كانت موجودة قبل الحرب الإرهابية، سواء كانت هذه الاستثمارات في مجال الطاقة والمعادن أو في مجال الخدمات والصناعة، وصرح كبار المسؤولين في الدولة السورية، أن دمشق لن ترحب بأي دورٍ لهذه الدول في إعادة إعمار سورية أو المشاركة في التنمية الاقتصادية.

بالمقابل هناك توجهٌ واضح لدى الدولة السورية لإيلاء أهميةٍ أكبر للاستثمارات وأعمال الشركات التي تتبع للدول التي دعمت سورية في الحرب على الإرهاب مثل روسيا وإيران والصين، ومعروف أن هذه الدولة تتبنى نهجاً وفلسفةً اقتصادية تختلف عن النهج والفلسفة الاقتصادية السائدة في الغرب, سيكون لهذا التحول الذي فرضته ظروف الحرب ومواقف الدول منها تأثيرٌ أكيدٌ على فلسفة ونهج سورية الاقتصادي، وبالتالي التأثير على هوية الاقتصاد السوري.

وعلى الرغم أن للاقتصاد منطقه الخاص، وأن العوامل الجيواقتصادية لها تأثير على التبادلات التجارية، مهما بلغ مستوى الخصومات السياسية، وهذا ما تعكسه أرقام تصدير منتجات وبضائع سورية خلال سنوات الحرب، إلا أنه بعد توقف الحرب وانطلاق عملية إعادة الإعمار، لا بد من أن يطرأ تغيير حقيقي على تركيبة الصادرات والواردات السورية تبعاً لما أفرزته الحرب من تحالفات. مثلاً على الرغم من مستوى الخصومة بين سورية من جهة وتركيا والسعودية من جهة أخرى بفعل دور أنقرة والرياض في الحرب الإرهابية على سورية، إلا أن وجهة الصادرات السورية وفقاً لبيانات وزارة الاقتصاد والتجارة الخارجية، والمكتب المركزي للإحصاء ظلت باتجاه الدول الأكثر خصومة مع سورية. إذ كانت تركيا الوجهة الثانية للصادرات السورية خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2017 وبقيمة تصل إلى نحو 43 مليون يورو، ولم تحدد الإحصاءات ما إذا كان ذلك عبر التعامل بين المناطق التي خرجت عن سيطرة الدولة أم كل المناطق السورية، وعلى الأرجح أن هذه الأرقام محصورة بالمناطق الخاضعة لسيطرة الدولة، حيث تستطيع الجهات المعنية تقديم إحصاءات دقيقة، في حين يصعب عليها تقديم مثل هذه الإحصاءات حول مستوى الصادرات إلى تركيا من المناطق التي لا تسيطر عليها، يؤكد ذلك الإحصاءات المرتبطة بالسعودية، حيث شكلت الوجهة الثالثة للصادرات السورية باستقبالها نحو 42 مليون يورو من قيمة الصادرات السورية. في حين أن أهم حليفَين لسورية، هما روسيا وإيران لم يكن لهما وجود ضمن قائمة أهم (20) شريكاً تجارياً للصادرات السورية خلال الفترة المقابلة لفترة حصر مستوى الصادرات السورية إلى أسواق المملكة العربية السعودية وتركيا، حيث جاءت إيران في المرتبة 23 وروسيا في المرتبة 32.

لكن مع توقف الحرب، وبدء عملية إعادة الإعمار بدأت الموازين والمعادلات تتغير بقوة، ولعل الاتفاقات التي وقعت بين سورية وإيران، وبين سورية وروسيا, بدأت تحدث انقلاباً واسعاً في المعادلات، وفعلاً وبعد العقوبات التي فرضت على سورية ابتداءاً من عام 2011, على خلفية دعم الحكومات الغربية للحرب الإرهابية على سورية, ارتفعت حصة إيران من الصادرات السورية «إن حصة إيران من السلع الآسيوية المتجهة نحو الأسواق السورية وصلت عام 2016 إلى 10.9% هي نسبة ما استقبلته طهران من الصادرات السورية المتجهة نحو البلدان الآسيوية», ويؤكد «مصدر حكومي» سوري على هذه التحولات قبل القفزة الكبيرة التي تمثلت في اتفاقات عام 2019 بالقول إن «ظروف الحرب والحصار الاقتصادي أثرت بشكل مباشر على تركيبة التجارة الخارجية السورية، ومع زوال تلك المسببات، فإن الأولوية ستكون لأسواق الدول الصديقة، وتلك التي لم تتخذ مواقف عدائية ضد البلاد». لا شك أن تطبيع العلاقات مع العراق بعد قطيعةٍ دامت عقوداً طويلة، وفتح طرق نقل برية عبر العراق إلى إيران ودول آسيا، والتفاعل الإيجابي المتوقع والمرجح من قبل سورية مع مشروع الصين «مبادرات الحزام والطريق» استناداً إلى دور الصين الإيجابي ووقوفها إلى جانب سورية، ومشاركتها القوية في إعادة الإعمار، كل ذلك سوف يساهم بقوة كبيرة بتغيير المعادلات لصالح انخراط سورية بقوة أكبر بالاقتصادات الشرقية، وتراجع روابطه مع الاقتصادات الغربية، سيما وأن العقوبات الغربية المفروضة على سورية قبل وأثناء الحرب والتي يتوقع أن تستمر طالما استمر الصراع العربي الإسرائيلي لا تترك فرصةً للتطور مع الغرب حتى لو أرادات ذلك، ومضطرة لتكييف أوضاعها باتجاه التوجه نحو الشرق، حتى لو أن ذلك لا يحقق للاقتصاد السوري كل ما يرجوه ويتطلع إليه.

لن تنعدم علاقات سورية الاقتصادية مع الغرب ومع الدول التي تدور في الفلك الغربي في المنطقة تحت تأثير عوامل أبرزها الخبرات التكنولوجية، والعامل الجيواقتصادي، ولكن سيحدث تغييرٌ كبيرٌ في ترتيب هذه العلاقة يجعل الأرجحية في مصلحة التوجه شرقاً، وهذا يعني أن هوية الاقتصاد السوري في مرحلة إعادة الإعمار ستحمل الكثير من السمات التي تعكس هوية الانتماء الجديد، سيما وأن هوية الاقتصاد السوري بالأساس هي أقرب موضوعياً إلى الهوية الشرقية، كما سيتم عرضه لاحقاً.