Get Adobe Flash player

عدم الاستقرار السياسي في تركيا والذي ينجم عن نشاط حزب العمال الكردي التركي والذي يتركز ثقله في المحافظات الجنوبية والشرقية وفي مدينتي اسطنبول ومرسين، مرشح أيضاً لأن يشمل البلاد بأجمعها، بفعل تعمق الصراع بين حزب العدالة والتنمية من جهة، وأحزاب المعارضة وعلى رأسها «حزب الشعب الجمهوري» وحزب «الجيد» من جهة أخرى. إذا اشتد الصراع بين الطرفين وتحول إلى مسار جديد بعد الانتخابات المحلية التي جرت في تركيا بتاريخ 31/3/2019, حيث سيطر الحزبيين مدعومين من ناخبي حزب الشعوب الديمقراطي على البلديات في المدن الكبرى.

من الطبيعي أن تعطي هذه السيطرة سلاحاً خدماتياً واقتصادياً ودفعاً سياسياً لحزب المعارضة لتقليص الفارق بينها وبين حزب العدالة والتنمية وحليفه حزب الحركة القومية، قد يقود إلى فوز مرشحها المقبل في الانتخابات الرئاسية عام 2023، وحتى لو لم يفز مرشح هذا التحالف، واعتباراً من لحظة فوز هذا التحالف بالسيطرة على بلديات المدن الكبرى، فإن حالةً من اللايقين بدأت تحكم المشهد في تركيا، ولعل هذا هو السبب وراء الأزمات الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، وتدهور سعر الليرة التركية ونزوح الاستثمارات الأجنبية خارج تركيا.

إذا كانت هذه الأوضاع المضطربة في تركيا، وحال اللايقين دفعت بعددٍ كبير من المستثمرين الأتراك والأجانب الذين استثمروا في تركيا طوعاً بحثاً عن الأرباح بدأ بعضهم النزوح خارجاً، والبحث عن أماكن أكثر استقراراً، فمن المنطقي جداً أن المستثمرين السوريين الذين جاؤوا إلى تركيا تحت ضغط ظروف الحرب الإرهابية التي شنت على سورية وعرضت نشاطهم الاقتصادي للخطر، واضطرتهم للجوء إلى تركيا، من المنطقي مع عودة الأمان والاستقرار إلى سورية أن يعودوا إليها هرباً من الواقع غير المستقر في تركيا وتأثيره السلبي على أعمالهم.

ليس بالضرورة أن يعود جميع النازحين الاقتصاديين السوريين إلى سورية، ربما بعضهم توفرت له فرص للاستثمار في تركيا لا تؤثر عليها سلباً لا المضايقات الحاصلة عن قيود اللغة ومعرفة القوانين والتحديات الأخرى، ولا حال الاضطراب، وبالتالي لن يعودوا إلى سورية، وبعضهم قد يوزع أعماله واستثماراته بين سورية وتركيا، والبعض الآخر سيعود تدريجياً، ولكن في مطلق الأحوال فإن كثيراً من المستثمرين السوريين في تركيا سيعود وسوف يساهم بعملية إعادة إعمار سورية، لأن البيئة الاستثمارية في تركيا لم تعد بيئةً إيجابية، وأن البيئة الاستثمارية في سورية، ولاسيما في إطار عملية إعادة الإعمار، باتت بيئة أكثر إغراءاً لشركات ومستثمرين في المنطقة وعلى مستوى العالم، ومن البديهي أن لا يترك المستثمرون السوريون النازحون عن ضغط الحرب هذه الفرصة، وبالتالي سيعودون إلى سورية بالتدريج وسوف يساهمون بعملية إعادة الإعمار وربما تساعدهم نتائج أعمالهم في تركيا، إن لجهة تراكم رأسمال أو الخبرة لديهم لتطوير منشآتهم التي تضررت بالحرب، وإعادة إعمارها على نحو أفضل مما كانت عليه.

أيضاً في إطار الآفاق المفتوحة والممكنة أمام مساهمات رأسمال المال السوري الذي اضطرته الحرب إلى الهجرة للخارج في عملية إعادة الإعمار, يمكن الإشارة إلى المستثمرين السوريين الذين نزحوا إلى السودان، فقد ذكرت إحصائيات صادرة عن الحكومة السودانية أن عدد المؤسسات السورية العاملة في السودان كان بين أعوام 1995-2011 تاريخ بدء الحرب الإرهابية على سورية حوالي 200 مؤسسة، لكن العدد بعد الحرب على سورية ارتفع إلى 3000 مؤسسة، وبديهي أن غالبية هذه المؤسسات التي نزحت عن سورية بفعل الحرب سوف تعود من جديد، لأن السودان بدأ الآن يعيش اضطرابات أكثر قوة مما كان عليه الوضع ما بين أعوام 1995 و2011, وطبيعي أن تؤدي هذه الاضطرابات إلى تقويض البيئة الاستثمارية الإيجابية التي دفعت بعض المستثمرين السوريين، سواء الذين نزحوا قبل الحرب بحثاً عن الأرباح، أو الذين اضطرتهم الحرب إلى التفتيش على أماكن ملائمة لاستئناف أعمالهم للحفاظ على السواق التي كانوا يصدرون إليها، طبيعي أن تدفع هؤلاء، أو على الأقل بعضهم للعودة إلى سورية، وتحديداً بعد انطلاق عملية إعادة الإعمار، وما تحمله هذه العملية من آمال وإغراءات لكل مستثمر يريد أن يعظم أرباحه.

لا شك أن هذه الوقائع المرتبطة بحجم نزوح المستثمرين السوريين بعد اندلاع الحرب الإرهابية وتوزعهم على الأقطار العربية، المجاورة أو التي وفرت لهم بيئة استثمارية مثل مصر والسودان تتوفر له فرصة واعدة في سورية، ولديه من الحوافز للإسهام في عملية إعادة الإعمار أكثر من جهة أخرى دولية أو في الإقليم، لأن البيئة السورية في مرحلة ما بعد الحرب هي بيئة تحث هؤلاء وتحرضهم وتشجعهم للاستثمار في سورية بدلاً من الاستمرار في العمل في الخارج، أو على الأقل، توجيه عائد استثماراتهم حيث هم الآن للإسهام في إعادة الإعمار في سورية وتوسيع نطاق هذه الاستثمارات.

لكن لا بد أن يكون واضحاً أن الحديث عن عودة النازحين الاقتصاديين السوريين من الخارج لن تتم من تلقاء ذاتها، على الأقل إذا كان الهدف عودةً جماعية وليس العودة الإفرادية، بل لا بد أن تبذل جهات الدولة السورية المعنية جهداً كبيراً على هذا الصعيد لحث وتشجيع النازحين الاقتصاديين على العودة إلى سورية والاضطلاع بدور كبير في عملية إعادة الإعمار، فالحظر والمساءلة يجب أن تكون محصورة مع الذين قاموا بدور معادي وساهموا في تمويل الحرب الإرهابية، أو كانت لهم مواقف معلنة بقوة وممارسات مماثلة ضد الدولة السورية. وتعييناً أن هؤلاء يمثلون أقلية ضئيلة جداً بين النازحين الاقتصاديين ولكنه الأكثرية الساحقة لم يكن يعنيها أي أمر آخر أكثر من الحفاظ على أعمالها وعلى زبائنها في الأسواق الإقليمية أو الدولية، وهي نزحت تحت ضغط الحرب للحفاظ على استثماراتها من جهة، وعلى الوفاء بالتزاماتها إزاء من تتعامل معه لكي لا تخسر هؤلاء الزبائن، وسيكون من الصعب عليها لاحقاً استعادتهم.

باستثناء هذه القلة المعادية من الضروري والملح أن تعطي أجهزة الدولة السورية المعنية بعملية إعادة إعمار سورية الأولوية لجذب النازحين الاقتصاديين السوريين قبل أي جهة أخرى من الجهات المعنية بإعادة الإعمار، لأن عودة النازحين الاقتصاديين السوريين وإسهامهم بعملية إعادة الإعمار، تعني أن تراكم الأرباح الناجمة عن هذه المساهمة تبقى في سورية، وتشكل جزءاً من الثروة الوطنية، في حين أن المساهمات الخارجية في عملية إعادة الإعمار تذهب أرباحها إلى الخارج، إلى الدول التي جاءت فيها هذه الاستثمارات لتساهم في تعزيز ثروة تلك الدول.

تشجيع عودة النازحين الاقتصاديين السوريين يتطلب من الجهات المعنية اتخاذ مجموعة من الخطوات أبرزها:

أولاً، تشكيل لجنة من الدولة وغرف الصناعة والتجارة، تتولى القيام بجولة على النازحين الاقتصاديين السوريين حيث هم وإقناعهم بالعودة إلى سورية، والإسهام في عملية إعادة الإعمار، والمواظبة على الاتصال مع هؤلاء النازحين ومتابعة عملية حثّهم على العودة.

ثانياً، تقديم الضمانات والتسهيلات التي يحتاجها هؤلاء، لأن مثل هذه الضمانات والتسهيلات التي تقدم لهم تمثل استثماراً من قبل الدولة السورية، نظراً لأن عودتهم مع رساميلهم تشكل تعزيزاً لقدرات الدولة الاقتصادية، وتعظيماً لإجمالي الناتج الوطني.

في ضوء كل ما تقدم، سواء على المستوى العربي و الدولي لجهة الآفاق المفتوحة أمام إعادة إعمار سورية، يمكن الاستنتاج بوضوح ومن دون أي مبالغة، أن الإمكانات للنهوض بسورية واقتصادها من جديد, والتعويض عن ما خلفته الحرب تتوفر بقوة من الناحية الموضوعية, وبالتالي فإن النجاح أو الفشل، وانطلاق العملية بقوة وسرعة أم بشكل بطيء بات مرتبطاً بمدى جاهزية الدولة ومؤسساتها المختلفة في التعامل مع عملية إعادة الإعمار بما يتناسب والأهمية العملية التي تحتلها هذه العملية الكبرى.