ليس ما ورد ذكره وحده الذي يعمل ضد استمرار بقاء الاستثمارات السورية النازحة إلى تركيا على ما كانت عليه خلال الحرب الإرهابية على سورية التي اضطرت الهيئات والفعاليات الاقتصادية، ولاسيما في المناطق الشمالية الانتقال إلى تركيا، بل إن هناك عوامل أخرى إضافية بدأت تحول تركيا إلى بيئة طاردة حتى للاستثمارات التركية ذاتها، حيث تفيد تقارير عديدة عن قيام مستثمرين أتراك بتهريب أموالهم إلى خارج تركيا. في هذا السياق ذكرت صحيفة نيويورك تايمز في شهر نيسان 2019 مستندة إلى إحصائيات حكومية بأن «الأتراك ينزحون من البلاد بأعدادٍ كبيرة، في هجرة للمواهب ورؤوس الأموال بأسلوب يترجم حالة من فقدان الثقة على نطاق واسع ومثير للقلق» وأضافت الصحيفة «إنه خلال السنوات الثلاث الأخيرة لم يقتصر الخروج من تركيا على الطلاب والأكاديميين فحسب، بل شمل أيضاً رجال الأعمال وآلاف الأفراد الأثرياء الذين يبيعون ممتلكاتهم وينقلون عائلاتهم إلى الخارج» وتنقل الصحيفة عن «المعهد التركي للإحصاء» قوله «هاجر أكثر من ربع مليون تركي عام 2017 بزيادة قدرها 42% عن عام 2016الذي شهد هجرة حوالي 178 ألف مواطن تركي. ويشير تحقيق «نيويورك تايمز» إلى أن «ما لا يقل عن 12 ألف من أصحاب الملايين في تركيا ما يعادل حوالي 12% من طبقة الأثرياء قام بنقل أصول ثرواتهم المالية إلى خارج البلاد في عامي 2016 و 2017 وفقاً لتقرير الهجرة العالمي».

بديهي عندما تكون هناك هجرةٌ كثيفة للهيئات الاقتصادية في تركيا، في الوقت الذي لا يزال فيه الوضع في تركيا يمثل حالة استقرارٍ نسبي، فمن الطبيعي توقع عودة المستثمرين السوريين إلى بلادهم ونقل استثماراتهم من تركيا، أو على الأقل العودة إلى فتح مؤسساتهم السابقة وإعادة ترميمها من جديد، وبالتالي الإسهام بقوة توازي قدراتهم الموجودة في تركيا في عملية إعادة إعمار سورية.

واضح الآن أن تركيا التي نعمت باستقرار سياسي على امتداد عقدين، وكان هذا الاستقرار سبباً لازدهار اقتصادي مكّن الاقتصاد التركي لفترة تزيد على عقد ونيّف من تسجيل رقم نمو سنوي مرتفع وصل إلى حدود 7%، اليوم تتجه إلى فقدان هذا الاستقرار السياسي الذي كان في أساس الازدهار وقدرة تركيا على استيعاب نزوح عدد من الفعاليات الاقتصادية التركية. سياسة أردوغان التي اعتمدت على سياسة صفر مشاكل مع جيران تركيا كانت من بين أسباب ازدهار وتوسع الاقتصاد التركي. لكن انقلاب حزب العدالة والتنمية بزعامة أردوغان على هذه السياسة وتغذية الاضطرابات والفوضى الإرهابية المسلحة في الإقليم، ولاسيما في الدول المجاورة لتركيا، وعودة الخلافات بين تركيا من جهة، وسورية والعراق واليونان وأرمينيا وقبرص من جهةٍ أخرى إلى ما كانت عليه قبل سياسة صفر مشاكل قوّض مكانة تركيا في الإقليم وانعكس سلباً على أوضاعها الاقتصادية. فقد خسرت تركيا استثماراتها في سورية والعراق وليبيا وكانت استثمارات مهمة، ودخلت تركيا في نزاعٍ عميق مع سورية والعراق ومصر والسعودية، إضافة إلى خلافاتها مع حلفائها التقليديين في الغرب بسبب سياسة القمع والاستئثار التي يمارسها حزب العدالة والتنمية، وقد أثرت هذه النزاعات على مكانة تركيا الإقليمية والدولية، كما أثرت على حركة الاستثمار الخارجي في تركيا، وقد عكست هذا الواقع الإحصائيات المتعلقة بالاستثمار الخارجي في تركيا، ففي إحصائية نُشرت في تشرين الثاني عام 2018 قال «البنك المركزي التركي» إن «الاستثمار الأجنبي في تركيا سجل تراجعاً بنسبة 22% مقارنة بنهاية عام 2017» وأضاف «إن مؤشر وضع الاستثمار الأجنبي الذي يرصد الفرق بين الأصول والالتزامات سجل أقل من 357.5 مليار دولار في نهاية تشرين 2018 مقارنة بـ 462 مليار دولار عام 2017».

والواقع أن عدم الاستقرار الإقليمي والدولي يوازيه عدم استقرار داخلي، وربما عدم الاستقرار الداخلي يلعب دوراً كبيراً في تغيير البيئة التركية من بيئةٍ جاذبةٍ للاستثمار إلى بيئةٍ طاردةٍ له، سواء كان هذا الاستثمار جاء في الظروف والأوضاع الطبيعية بحثاً عن الأرباح أو جاء تحت ظروف متسربة كما هو حال نزوح بعض الفعاليات الاقتصادية السورية إلى تركيا.

المقصود بعدم الاستقرار الداخلي ما تعيشه تركيا من صراعاتٍ سياسية، بعضها يحمل قابلية التحول إلى صراع مسلح كما هو الحال مع أكراد تركيا. إذ من المعروف أن نجاحات حزب العدالة والتنمية على المستوى الاقتصادي تعود في جزءٍ كبير منها إلى سياسة الحوار والمصالحة والانفتاح على حقوق الأكراد في تركيا التي ميّزت السنوات الأولى لحكم حزب العدالة والتنمية لكن الحزب انقلب على هذه السياسة، كما انقلب على سياسة صفر مشاكل مع دول جوار تركيا إلى نزاعات أثرت على العلاقات الاقتصادية بين تركيا والدول الأخرى، فإن الانقلاب على سياسة الحوار والمصالحة مع الأكراد، أثرت وستؤثر على الاستقرار في تركيا الذي هو شرطٌ ضروري للازدهار الاقتصادي، وفتح آفاق أمام قطاع الأعمال.

تبنى حزب العدالة والتنمية سياسةً راديكالية جديدة أكثر اندفاعاً من سياسات الحكومات السابقة التي حكمت تركيا قبل وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة في عام 2002 في مواجهة الأكراد، تقوم هذه السياسات على تعريف حزب العمال الكردستاني كقوة إرهابية، وبالتالي اعتماد سياسة الاجتثاث له، ورفض الحوار وخيار التسوية. وبديهي أن حزب العمال الكردستاني الذي يقود مقاومةً مسلحة منذ عام 1984 من أجل الحصول على حقوق الأكراد في تركيا، وفشلت كل الحملات العسكرية السابقة في القضاء عليه، والذي يتمتع بتأييد شعبي واسع في المناطق ذات الغالبية الكردية، عكسها الالتفاف حول «حزب الشعوب الديمقراطي»، سيقاوم بقوة هذه السياسة وسوف يتصدى لها بكل الإمكانات المتاحة. وإذا ما أخذ بعين الاعتبار سياسات تركيا في كل من العراق وسورية، فإنه من غير المستبعد أن تغضّ حكومات سورية والعراق النظر عن دعم يمكن أن يقدمه الأكراد في هذين البلدين العربيين إلى أكراد تركيا رداً على سياسات حكومة أردوغان المعادية لدمشق وبغداد، وبالتالي حصول أكراد تركيا على قدرات لم تتوفر لهم في صراعهم السابق ضد الحكومات التركية على امتداد أكثر من أربعة عقود، ومن شأن كل ذلك أن يحول تركيا إلى ساحة مواجهة عسكرية يتوقع أن تشهد مناطق منها مواجهاتٍ عسكرية مفتوحة، وهي المناطق الواقعة شرق وجنوب تركيا، كما أن مناطق أخرى قد تشهد هجمات مسلحة تستهدف مواقع للجيش والشرطة، وسيقود كل ذلك إلى تعميق حالة اللااستقرار، وتساهم في تقويض بيئة العمل، وهذا بدوره سيدفع بالمستثمرين السوريين إلى التأثر بهذه الأوضاع المحتملة، حيث يتزامن ذلك أيضاً مع عودة الهدوء والأمن والاستقرار إلى سورية. بمعنى آخر هذا الاضطراب المحتمل، والذي بدأت ملامحه تظهر بقوة ووضوح منذ أكثر من ثلاث سنوات لا بد أن يؤثر على وضع «النازحين الاقتصاديين» السوريين إلى تركيا.

واضح أن الاستثمارات السورية في تركيا تختلف عن غيرها في أمرين أساسيين، الأمر الأول، أنها كانت مكرهة في نقل نشاطها من سورية إلى تركيا، بسبب ظروف الحرب، والأمر الثاني، أنها لم تذهب للاستثمار في تركيا في الظروف الطبيعية، وهي بالأساس أقامت نشاطها قرب الحدود السورية للحفاظ على الارتباط بأسواقها التقليدية، وبالتالي هي أكثر من أي استثمارٍ آخر في تركيا مرشحة لأن تكون من أوائل الجهات الاستثمارية التي سوف تدشن نزوحاً معاكساً والعودة إلى موطنها الأصلي.