الاستثمارات السورية في تركيا هي الأخرى سيكون لها دور هام في عملية إعادة الإعمار، ولاسيما بعد عودة الاستقرار إلى منطقة الشمالية وتحديداً مدينة حلب، والاستثمارات السورية في تركيا قصة مختلفة، وتفوق كل الاستثمارات السورية في الخارج، سواء كانت في مصر أو لبنان أو الأردن، والسورين في تركيا، مستثمرون ومواطنين، أعدادهم أكبر من أي بلد آخر لأسباب بعضها مرتبط بكون حلب كانت هي مركز النشاط الأساسي للاقتصاد السوري وهي عاصمة سورية الاقتصادية، وبعضها الآخر مرتبط بطول الحدود المشتركة بين سورية وتركيا، وبعضها الثالث مرتبط بأن محافظة حلب تضم وحدها ربع سكان سورية. في هذا السياق يقرّ تقريرٌ صادر عن «مركز أبحاث السياسات الاقتصادية التركية» أن «سبب تدفق الاستثمارات السورية الخارجة من سورية إلى تركيا نتيجة قربها الجغرافي»، وسهولة تصدير المنتجات السورية في تركيا إلى الأسواق السورية، حيث ارتفعت الصادرات التركية إلى المناطق السورية الخارجة عن سيطرة الدولة من 1و02 مليار دولار عام 2013 إلى مستوى 1و80 مليار دولار عام 2014 ووصلت إلى مستوى ما كان عليه قبل انطلاق الحرب الإرهابية على سورية، عندما كانت العلاقات السورية التركية في أوج ازدهارها.

بالنسبة لعدد الشركات السورية تجاوز حدود 6300 شركة في بداية عام 2018، وفرت هذه الشركات (98) ألف فرصة عمل لسوريين يتواجدون في تركيا أو مواطنين أتراك، تنشط المؤسسات الاستثمارية السورية في تركيا في مجالات عديدة من مصانع ومدارس وشركات ومتاجر ومكاتب ومطاعم، وذكرت صحيفة "يني شفق"، المقربة من الحكومة التركية أن الاستثمارات السورية تجاوزت الست آلاف، وأشار تقرير لصحيفة "ديلي صباح" أن حوالي 55% من الشركات السورية في تركيا تعمل بالتصدير في حين 30,9% الشركات التركية تعمل بالتصدير، وتوزع الاستثمارات السورية في تركيا في الترتيب التالي، المرتبة الأولى تجارة البضائع استيراد وتصدير حيث تعمل 39% من الشركات السورية في تركيا في هذا المجال، وفي المرتبة الثانية الاستثمارات الصناعية حيث تشكل المصانع السورية في تركيا 19% من مجمل استثمارات المطاعم والفنادق، ويشكل 10% من الاستثمارات السورية في تركيا.

وبلغت استثمارات السوريين من إجمالي استثمارات الأجانب في تركيا نسبة 14 % وقد أفاد مستثمر سوري في تركيا» نزار بيطار «الذي يعمل بقطاع الغذائيات «يزيد مبلغ الاستثمارات السورية بتركيا عن (5) مليارات دولار».

من نافل القول إن المستثمرين السوريين توجهوا إلى تركيا ليس بحثاً عن فرص الاستثمار الأفضل والأرباح الأجزل، بل إن ظروف الحرب هي التي دفعتهم قسراً إلى الهجرة إلى تركيا في سياق سعيها لحرمان سورية من قدراتها الاقتصادية، حيث تزامن ذلك مع تفكيك وبيع الكثير من المعامل، وتحويل مناطق النفوذ التركي إلى أسواق سورية مستباحة أمام البضائع التركية، لا ضرائب جمركية ولا قيود لحماية المنتج المحلي.

لكن من الواضح أن المسيرة التي بدأت في عام 2011 بعد اندلاع الحرب الإرهابية على سورية تسلك الآن مساراً معاكساً، تحت تأثير مجموعة من العوامل أبرزها:

أولاً، عودة الأمان إلى سورية، ولاسيما إلى مدينة حلب موطن الاستثمارات التي هاجرت، أو اضطرت لمغادرة سورية إلى تركيا.

ثانياً، إغراء الإسهام في إعادة الإعمار، وما يوفره ذلك من فرصٍ تتسابق الآن الشركات الدولية من كل حدبٍ وصوب لحجز مكان لها في مسيرة الإعمار، وبديهي أن المستثمرين السوريين في تركيا، الذين أرغموا على مغادرة بلادهم، أكثر من غيرهم اندفاعاً للعودة للمشاركة في عملية إعادة الإعمار للتعويض عن خسائرهم ولأنهم الأدرى بأحوال سورية.

ثالثاً، العوائق التي لا تزال تعترض المستثمرين السوريين في تركيا على الرغم من أن ظروف الحرب التي استمرت أكثر من ثمانِ سنوات أكرهتهم على الالتفاف على هذه العوائق والبقاء حيث هم. من بين هذه العوائق عوائق قانونية تمنع السوريين من الاستثمار في قطاع العقارات، ولهذا كانت مساهمة الاستثمارات السورية في تركيا هي صفر في مجال العقارات، كما أن من بين هذه العوائق عوائق قانونية، حيث ذكرت تقارير صحافية أن «قوانين الملكية تمنع السوريين من حق التملك» وهذا يعني أن استثماراتهم عرضة لمخاطر كثيرة، وجرى التطرق إلى عوائق أخرى مثل عوائق اللغة وسهولة إتمام العمليات التي تحتاج إلى مراجعات في الدوائر الحكومية، ولاسيما معادلات الترخيص وفهم القوانين التركية، وفي تقرير لصحيفة «ديلي صباح» ذكرت حرفياً «تعتبر اللغة التركية هي الصعوبة الأكبر للمستثمرين السورين في تركيا لأن معاملات الترخيص، وفهم القوانين التركية يتطلب الإلمام باللغة التركية أو التعامل مع مترجمين، ولدقة القوانين التركية ينبغي أن يكون المترجم موثوقاً من قبل المستثمرين من ناحية أمانته وقدرته على الترجمة السليمة إلى جانب إلمامه بالقوانين التركية ذات الصلة بمشروع العمل، أو الاستثمار الذي يرغب المستثمر افتتاحه».

أيضاً يعاني المستثمرون السوريون في تركيا من صعوبة التمويل والتعامل مع المصارف على عكس حالهم في سورية.

وقد أجرت «ديلي صباح» استطلاعاً مع مستثمرين سوريين جاء فيه أن 28% منهم يرى أن هذا الخيار، أي فتح حساب مصرفي تجاري في تركيا، من أصعب تحديات تمويل استثمارات السوريين في تركيا. كما أن تحويل العملة المحلية هو الآخر من بين هذه الصعوبات، حيث ذكر الاستطلاع ذاته أن 27.3% من المستثمرين واجهوا مشاكل في تحويل العملة، وخاصةً فيما يتعلق بالتصدير، وتحديداً تصدير منتجات الاستثمارات السورية. كما أن فتح حساب مصرفي شخصي في تركيا دونه صعوبات حيث أوضح 197 من المستثمرين السوريين أنهم واجهوا مشاكل في هذا الجانب. ومن أهم التحديات كما تقول «ديلي صباح» التي تواجه المستثمرين السوريين في تركيا «هي عدم قدرتهم على شراء عقارات في تركيا إلا عن طريق الشركات وبشكل محدد، وفيما يخدم عمل الشركة التي يشترون باسمها».

هذه التحديات تشكل بيئةً طاردة وستساهم بإرغام المستثمرين السوريين على العودة إلى بلادهم، لأن ما دفعهم للاستثمار في تركيا، وفقاً لهذه التحديات، ليس إغراء البيئة التركية، بل الوضع الناجم عن الحرب على سورية وليس أي عامل آخر.

رابعاً، صعوبة تصريف المنتجات السورية بعد ضبط الحدود السورية- التركية، فقد كان لغياب وجود الدولة السورية على الحدود، وسيطرة تركيا والميليشيات الإرهابية على المعابر الحدودية دور كبير في سهولة تصريف المنتجات السورية التي شكلت مخرج الاستثمار السوري في تركيا.

والأرجح أن الحصة الأكبر من المليار و800 مليون دولار وهي الصادرات التركية إلى سورية، ليست جميعها منتجات تركية، بل إن جزء من إنتاج السوريين في تركيا يشكل أحد مكونات هذه الصادرات، لاسيما وأن المستثمرين السوريين في تركيا يدركون حاجات السوق السورية أكثر من المنتجين الأتراك، وساعد على ذلك أن غالبية الاستثمارات السورية في تركيا كانت في المدن والمناطق القريبة من الحدود السورية التركية. في هذا السياق ذكرت إحصائيات «ديلي صباح» في تفسيرها لظاهرة لماذا أن حوالي 55% من الشركات السورية في تركيا تعمل بالتصدير، في حين أن 30.9% من الشركات التركية تعمل في التصدير أن «السبب الرئيسي لذلك هو وجود مجال واسع للتصدير إلى سورية عبر البوابات الحدودية» وخاصةً في إدلب وشمال حلب.

حميدي العبدالله