Get Adobe Flash player

في ضوء كل هذه الإمكانات المتاحة كآفاق لعملية إعادة إعمار سورية، يتضح أنه على الرغم من الخراب والدمار الكبير الذي تسببت به الحرب الإرهابية على سورية، إلا أن سورية تمتلك شروط ومقومات إطلاق عملية إعمار تقود إلى نهضة اقتصادية وتنمية يتوقع أنها ستضع الاقتصاد السوري في مسار يختلف عما كان عليه قبل الحرب، وتكسبه زخماً يرجح أن يعوض عن ما خربته الحرب بسرعة كبيرة.

سورية تتجه لأن تكون دولةً مركزيةً قويةً توفر الاستقرار والهدوء الأمني الذي هو شرط ضروري لنجاح أي عملية تنمية اقتصادية، كما أن سورية, على الرغم من الاستنزاف الكبير الذي تسببت به الحرب, خرجت من هذه الحرب وهي لا تتحمل ديوناً كبيرة على غرار دول عديدة في الإقليم وفي العالم، وبالتالي فإن انخفاض مديونية سورية يشكل ميزةً مهمة تؤهلها لولوج عملية إعادة إعمار من موقع الثقة بالنفس والاقتدار، كما أن موارد سورية الاقتصادية متنوعة، وهي لا تعتمد على مورد دون غيره، كما هو حال دولٍ عديدة، بعضها يعتمد على النفط والغاز، وبعضها الآخر على قطاع زراعي محدّد، في سورية هناك أدوارٌ متكاملة تقوم على الصناعة والزراعة وقطاع المعادن، وقطاع الطاقة، وقطاع الخدمات، ولاسيما السياحة الذي يمثل قدرات كامنة لم تستفد منها سورية في المراحل السابقة نهائياً على الرغم مما يتوفر لها من قدرات ومؤهلات تجعلها مهيأة لأن تكون دولةً سياحية لا تقل أهمية عن تركيا، كما أن سورية حافظت بعد الحرب على استقلالية قرارها الوطني، وبالتالي ليست معرضةً لإقامة علاقات مع دول تتيح عبرها نهب ثرواتها ومواردها، والشراكات التي تقيمها سورية الآن في سياق عملية إعادة الإعمار، شراكات قائمة على النديّة وتكافؤ المصالح، سواء مع إيران أو مع روسيا.

برهنت تجربة سورية قبل الحرب أنها على الرغم مما تتعرض له منذ فجر الاستقلال وحتى الآن من ضغوط وحروب أبرزها حرب 1967 وحرب تشرين 1973, والحرب الإرهابية في نهاية عقد السبعينات وأوائل عقد الثمانينات من القرن الماضي، وعلى الرغم من كلفة استعادة الجولان وانخراط سورية بقوة في الصراع العربي الإسرائيلي، وعلى الرغم من الحصار العربي والغربي الاقتصادي لها، وعلى الرغم من عدم قيام تعاونٍ اقتصاديٍ فعال بينها وبين حلفائها، إلا أنها استطاعت أن تحقق تقدماً كبيراً في مجال التنمية في كافة مستوياتها، وضعها في مرتبة الدول متوسطة الدخل في تصنيفات صندوق النقد الدولي ومؤسسات عالمية أخرى، وفي مرتبة متقدمة في الخدمات الصحية والاجتماعية.

على أية حال تظهر الاحصائيات حول الدور الذي تقوم به الفعاليات الاقتصادية التي أرغمتها الحرب الإرهابية على النزوح عن سورية المستوى الذي كانت بلغته التنمية الاقتصادية في سورية، وبكل تأكيد هذه الفعاليات ستعود إلى إطلاق عجلتها الاقتصادية داخل سورية، وستحوّل تواجدها في الخارج إلى رافعةً ومصدراً من مصادر تمويل إعادة بناء مرافقها التي خسرتها في الحرب. بعض هذه الاحصائيات تشير إلى أن عدد الشركات المؤسسة من قبل سوريين في مصر عام 2018 وحده وصل إلى 818 شركة، أي ما يعادل ربع عدد الشركات المؤسسة بواسطة أجانب، وبلغت قيمة التدفقات في هذه الشركات عام 2018 حوالي 70 مليون دولار، وأكدت الحكومة المصرية تزايد الاستثمارات السورية في الآونة الأخيرة بمعدل 30% عن الفترات السابقة. ومما لا شك فيه أن تراكم رأسمال لدى الشركات العاملة في مصر سوف يمكنها من إعادة إعمار مرافقها الاقتصادية السورية التي تضررت جراء الحرب.

في لبنان تشير التقديرات إلى أن نصف الناتج المحلي لقطاع التعليم والصحة والاستثمار اللبناني، بما في ذلك الإيداعات في البنوك، جاء من إنفاق السوريين، كما أوضح تقرير لمؤسسة البحوث والاستشارات اللبنانية، وأشار التقرير إلى أن النزوح السوري يدخل للبنان ملياري دولار سنوياً، ومما لا شك فيه أنه بعد توقف الحرب وإعادة الأمن والاستقرار بدأ السوريون بالعودة إلى ديارهم، ودورة إنفاقهم ستغذي الدورة الاقتصادية السورية، إضافة إلى أنهم سيعززون طاقة التشغيل، كما أن الأزمات السياسية وارتفاع مديونية لبنان، والضغوط الأميركية والغربية عليه، والحدّ من تدفقات المال السياسي بسبب هذه الضغوط بدأ يثير أزماتٍ ذات بعدٍ اقتصاديٍ غير مسبوقة، وتتعرض البنوك اللبنانية لضغوط ومضايقات، وهذا أثر سلباً على إيداعات السوريين، إذ أن حالات القلق بدأت تدفع بكثير من المدخرين السوريين في البنوك اللبنانية بحثاً عن الفوائد المرتفعة إلى سحب ودائعهم من لبنان، وذلك تحت تأثير عاملَين أساسيين، العامل الأول، الخوف على الودائع، لاسيما في ظل الحديث المتزايد، بمعزل عن صحته من عدمها، عن احتمالات إفلاس وتعثر بعض هذه المصارف، والعامل الثاني، وجود فرص أكبر للاستثمار في سورية في عملية إعادة الإعمار، فمن البديهي عندما يسمع أصحاب الإيداعات السوريين في لبنان أن شركاتٍ لبنانية ومن دول عديدة تتحفز للاستثمار في سورية، فهم أولى من غيرهم لاغتنام هذه الفرصة التي لم تكن قائمةً قبل الحرب، وقبل الحاجة إلى جذب كافة القدرات للإسهام في عملية إعادة الإعمار والتسهيلات التي يمكن أن تحدث على هذا الصعيد من قبل الجهات الحكومية.

لا شك أن عودة مدخرات سورية تمتد لعقود في لبنان للأسباب التي تم ذكرها تفتح آفاقاً إضافية لتمويل عملية إعادة الإعمار، ناهيك عن تفعيل الطاقات التشغيلية التي افتقدها الاقتصاد السوري منذ بدء الحرب الإرهابية عليه، والتي استهدفته بصورة متعمدة.

كذلك تشير الاحصائيات إلى أن السوريين ساهموا بنحو 20% من النمو الكلي بالأردن من خلال نشاطاتهم ومساهماتهم الاقتصادية، حيث بلغت قيمة الأموال السورية في الأردن حوالي (4) مليار دولار سنوياً. ومما لا شك فيه أن حالة الإشباع التي يمر بها الاقتصاد الأردني، وإغراءات أرباح الإسهام في إعادة الإعمار في سورية، سوف تدفع بالكثير من المستثمرين السوريين في الأردن إلى نقل جزءٍ من استثماراتهم إلى سورية والإسهام بعملية إعادة الإعمار، ومثلما دفعتهم ظروف الحرب وانتفاء البيئة الملائمة لقطاع الأعمال المغامرة بالذهاب إلى الخارج والبدء من الصفر، فمن الطبيعي أن عودتهم ستكون أكثر سلاسة، لأن غالبيتهم على معرفة بالقوانين والأسواق، فضلاً عن امتلاكهم للبنية التحتية، حتى وإن طال هذا البنية التحتية الخراب، فالأسهل إعادة بنائها من البقاء في الخارج, إضافة إلى كل ذلك أن جميع المدخلات التي يحتاجها المستثمرون وتدخل في صلب أعمالهم، هي في سورية أقل كلفةً من أي دولة أخرى. طبعاً ذلك لن يحدث بشكلٍ تلقائي بصورة دائمة، ولكن تضافر جهود الدولة السورية بمؤسساتها المختلفة، وتقديم التسهيلات اللازمة، إضافة إلى إغراء الإسهام في إعادة الإعمار وما ستدره هذه العملية من أرباح، كل ذلك سوف يدفع بالمستثمرين السوريين إلى العودة إلى بلادهم من الأردن، وإعادة إحياء وتشغيل استثماراتهم السابقة التي أرغمتهم ظروف الحرب، سواء بسبب الدمار الذي لحق بالمؤسسات، أو صعوبة تصريف الإنتاج محلياً وخارجياً، إلى نقلها للخارج.