بديهي أن الدور العسكري المباشر والهام الذي لعبه الجيش الروسي إلى جانب الجيش العربي السوري في ضرب الإرهاب وردع الاعتداءات العسكرية المباشرة من دول كانت لديها مطامع في سورية، أرست شراكة دم عميقة ووطدت العلاقات السورية الروسية وأوصلتها إلى مستوىً غير مسبوق على مستوى العلاقة بين أي بلدين، أو على مستوى علاقة روسيا بسورية، وبديهي أن هذا عامل يرشح روسيا لأن تلعب دوراً مهماً في عملية إعادة بناء وإعمار سورية للحفاظ على الشراكة الناشئة بين البلدين وحماية التضحيات التي قدماها، وصيانة المكاسب التي تحققت. بمعنى آخر، مع تراجع الأعمال العسكرية، وتراجع كلفتها, الناجمة عن الانتصارات التي تحققت وعودة السيادة إلى غالبية الجغرافية السورية، واليقين بعودة ما تبقى من مناطق خارج سيطرة الدولة، فإن روسيا سوف تقوم بتقديم الدعم في عملية إعادة الإعمار ورفع المساهمة الروسية في هذه العملية، وسيكون دور روسيا قوياً وأساسياً في عملية إعادة الإعمار.

عاملٌ ثالث مرتبط بدور روسيا الريادي في بعض المجالات الاقتصادية والتي ربما لا تستطيع لا الصين ولا إيران ولا أي دولة أخرى مرشحة موضوعياً للعب دور في إعادة إعمار سورية مجاراة روسيا في هذا المجال، والمقصود هنا الاستثمار في مجالات الطاقة وبعض المعادن. من المعروف أن روسيا هي الدولة الأولى في الإنتاج العالمي للنفط، وروسيا أيضاً دولة هامة تحتل المرتبة الثانية مع قطر في إنتاج الغاز. والشركات الروسية التي تنشط في مجالات النفط والطاقة هي من الشركات العالمية الكبرى التي تنافس الشركات الغربية العملاقة، وتمتلك خبرة وقدرات استثمارية تؤهلها لأن تلعب دوراً كبيراً لا يتوفر لا للصين ولا لإيران.

في موازاة ذلك سورية دولة لديها قدرات كامنة في مجالي الطاقة، النفط والغاز، سواء في مناطق الإنتاج التقليدية في البادية أو في منطقة الجزيرة، أو في مناطق جديدة في ريف دمشق وفي البحر، ولاسيما في المياه الاقتصادية، وحصة سورية لا تقل عن حصة قبرص واليونان وفلسطين (إسرائيل الآن).

كما أن في سورية معادن أخرى مثل الفوسفات الذي يشكل مادةً أولية لكثير من الصناعات، وهذه القطاعات مرشحة لأن تلعب الدور الأساسي في المرحلة الأولى من انطلاق عملية إعادة الإعمار هذا أولاً، وثانياً في تمويل هذه العملية لاحقاً من خلال عائدات هذه القطاعات التي تقدر بعشرات مليارات الدولارات.

مما لاشك فيه أن دور روسيا سيكون كبيراً وعظيماً وقد يكون أقرب إلى الحصري في قيادة عملية الإعمار في هذه القطاعات، لأن لدى روسيا قدرات وخبرات لا تتوفر لغيرها من الدول المرشحة للإسهام في عملية إعادة الإعمار سورية.

كما أن روسيا يمكن أن تشكل رافعةً تجارية للاقتصاد السوري في مرحلة إعادة الإعمار من خلال تصدير سورية لسلع زراعية وبعض السلع الصناعية إلى الأسواق الروسية، ويرجح أن تتحول روسيا إلى سوقٍ مهم لتصريف فائض المنتجات المحلية، وقد تكون روسيا الدولة الأولى والشريك التجاري لسورية في المرحلة المقبلة.

هذه العوامل الثلاثة تجعل روسيا في وضع يؤهلها لأن تلعب دوراً في إعادة البناء والإعمار وربما يتقدم على دور الصين. قد تكون الصين مؤهلة من الناحية التجارية والاستثمارية لأن تكون متقدمة على روسيا في عملية إعادة الإعمار، ولكن ذلك سيكون في بعض المجالات المحددة، مثل صناعة السيارات وقطاع الهاي تك والتكنولوجيا المتقدمة، أما في مجالات أخرى فربما لن تشهد العلاقات الاقتصادية بين سورية والصين، ولاسيما في المجال التجاري قفزات كبيرة, لأن كثيراً من السلع التي تنتج في الصين في مضمار الصناعات التقليدية تنتج في سورية، وفتح الباب أمام استيراد إنتاج هذه الصناعات قد يلحق الأذى بالصناعة السورية، وبالتالي ستظل هناك بعض القيود المفروضة من قبل الدولة السورية على تدفق هذه السلع لحماية الصناعة المحلية، لاسيما في مرحلة إعادة الإعمار، في حين أن روسيا والصناعات الروسية لا تشكل منافساً للصناعات السورية.

إذن تتفوق روسيا على غيرها من الدول المرشحة للإسهام في إعادة بناء وإعمار سورية في مجالات عديدة قد لا تغطي، وفعلاً هي لا تغطي،كل احتياجات عملية إعادة الإعمار، ولكنها تضطلع بدور في مجالات حيوية تشكل مصدراً هاماً لتوليد القدرات الاقتصادية، إضافةً إلى أن مستوى الدور السياسي والعسكري الذي قامت به روسيا لتأكيد سيادة سورية ووحدة أراضيها وتأمين الاستقرار الكامل والتام، وارتباط كل ذلك بالأمن القومي الروسي ومصالح روسيا الإقليمية والدولية، يرفع من مستوى حافزية موسكو للإسهام في عملية إعادة إعمار سورية على نحو لا تحوز عليه أي دولة أخرى مرشحة للإسهام في عملية إعادة إعمار سورية.

روسيا أيضاً تستطيع أن تلعب دوراً هاماً في عملية إعادة إعمار سورية لا يتوفر لدول أخرى لعب مثل هذا الدور عبر مكانتها العالمية وتأثيرها على دول عديدة في الإقليم وعلى المستوى الدولي لتشجيع هذه الدول على الإسهام في إعادة إعمار سورية وكسر الحصار الذي تفرضه الحكومات الغربية على هذه العملية.

ومثلما لعبت روسيا دوراً في إقناع الأردن بفتح معبر نصيب الذي يشكل شرياناً تجارياً حيوياً لسورية ولاسيما باتجاه منطقة الخليج، ومثلما لعبت دوراً أيضاً في إقناع أطراف لبنانية بتسهيل عودة النازحين السوريين إلى بلادهم، تستطيع روسيا أن تلعب دوراً مماثلاً لإقناع دول مترددة في المنطقة وعلى مستوى العالم للمشاركة في عملية إعادة الإعمار وتخطي الفيتو والعراقيل التي تفرضها الحكومات الغربية.

من الصعب الفصل بين بدء وزخم انطلاق عملية إعادة الإعمار في سورية بما يتناسب وحجم هذا الدمار الكبير الذي حل بها جراء أكثر من ثمانِ سنوات من الحرب الإرهابية المدمرة من دون أن يكون هناك جهد كبير لإقناع دول عديدة لديها مصلحة في الإسهام بإعادة الإعمار، ولكنها مترددة لأسباب كثيرة بعضها مرتبط بالضغوط والعراقيل التي تفرضها الحكومات الغربية والي تضع شروطاً لن تتحقق وفي حال رهنت عملية إعادة الإعمار بتحقيقها فهذا يعني أن العملية لن تبدأ، وستطول معاناة السوريين.

إذن دور روسيا وأهمية هذا الدور لا يمكن حصره. بمستوى الإسهام الاقتصادي وتحديداً الاستثمار الروسي المباشر في عملية إعادة الإعمار، بل إن هناك دوراً آخر مرتبط بإزالة العقبات والعراقيل، أو على الأقل احتواءها, لكي لا تعرقل زخم العملية، والأرجح أن هذا الدور محصورٌ بروسيا من دون غيرها من الدول المرشحة للإسهام في عملية إعادة إعمار سورية.