Get Adobe Flash player

روسيا أيضاً من الدول الهامة والمركزية التي ستلعب دوراً حيوياً في إعادة بناء وإعمار سورية، قد لا تكون لدى روسيا القدرات والخبرات الاقتصادية المتوفرة للصين والمكرسة للاستثمار في الخارج، ولكن لدى روسيا عوامل أخرى تعوض عن ذلك وربما ترفع مرتبة مشاركة روسيا في عملية إعادة الإعمار إلى مستوىً متقدم حتى على دور كلّ من الصين وإيران، وإن لم يكن في جميع المجالات الاقتصادية, وإنما في مجالات محددة لكنها حيوية بالنسبة لسورية.

أبرز هذه العوامل التي ترشح روسيا للعب دور هام في عملية إعادة بناء وإعمار سورية، هو العامل السياسي, بمعنى آخر مستوى العلاقات السياسية بين سورية وروسيا تجاوز منذ بدء الحرب الإرهابية على سورية علاقات سورية مع كل من إيران والصين، سواء بفعل استخدام روسيا لحق الفيتو ورفضها أي قرارات تمس السيادة السورية، أو بفعل الدور الذي لعبته روسيا في تنظيم وقيادة الكثير من المبادرات السياسية للحدّ من تورط الحكومات الغربية في تصعيد الحرب الإرهابية على سورية، ويمكن الإشارة هنا إلى الدور المبكر الذي قامت به روسيا للحد من محاولات الغرب خلق دينامية سياسية تكرس التدخل الخارجي بالشأن السوري، حيث أصرت على أن يكون تفاهم جنيف (1) الذي تم التوصل إليه بين روسيا والولايات المتحدة في حزيران عام 2012 أو الاتفاق الذي رعته روسيا بين سورية ومنظمة حظر الأسلحة الكيماوية والذي نزع فتيل عدوان أميركي غربي في عام 2013، وقد تطورت المواكبة السياسية الروسية بصورة تتناسب مع التطورات الميدانية حيث رعت روسيا تفاهمات دولية جرى التعارف عليها بتفاهمات فيينا وتم تكريس هذه التفاهمات بقرار صادر عن مجلس الأمن حمل الرقم 2254, وشكل هذا القرار وتفاهمات فيينا تحولاً في مقاربة الحل السياسي أسدل الستار على الرهانات التي عقدت في بداية الحرب الإرهابية التي شنّت على سورية ولاسيما لجهة إسقاط الدولة السورية، وعكس هذا التحول موازين القوى الجديدة في ضوء المكاسب الميدانية التي حققها الجيش العربي السوري وحلفاؤه، ولكن استطاعت الدبلوماسية الروسية توظيف هذه الانتصارات بشكلٍ ذكي جداً وأثمرت التحول في مقاربة الحل النهائي بصورة باتت تأخذ في الحساب أن الدولة السورية باقية والقيادة السورية للدولة يحددها الشعب السوري باختياره الحر وليس عبر الإملاءات التي تفرضها الدول الخارجية بقوة الإرهاب. وتصدت روسيا في المحافل الدولية لكل محاولات عزل سورية وزيادة الضغوط عليها لحملها على تقديم تنازلات ترفضها لأنها تمس سيادتها وثوابتها الوطنية، ووظفت روسيا ثقلها الدولي وصداقاتها وقدرتها على التأثير على القوى الدولية المختلفة للحدّ من فعالية تدخلاتها العسكرية والسياسية، ووصلت إلى حدود التهديد باستخدام القوة ضد هذه التدخلات من حيث أتت، وحتى عندما كانت تأتي هذه التهديدات من جهات يصعب على روسيا لأسباب وحسابات معينة دخول الحرب معها مثل تركيا والكيان الصهيوني، فإن موسكو استخدمت وسائل وأدوات أخرى لردع هذه الأطراف ووضع سقف لتدخلاتها في الشأن السوري، مثل العقوبات التي فرضت على تركيا بعد إسقاط تركيا لطائرة روسية، أو مثل تسليم موسكو وسائل دفاع جوي لسورية مثل نظام إس 300 الذي ساهم في ردع والحد من الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة التي كانت تهدف إلى إطالة أمد الحرب وتحويلها إلى حرب استنزاف طويلة الأمد، ورفع معنويات الإرهابيين والحؤول دون استسلامهم وإلقاء السلاح. كما أن روسيا تلعب اليوم، دوراً هاماً جداً في المساعدة على إعادة النازحين السوريين إلى وطنهم، دور ما كان للدولة السورية بمفردها في ظل الحملة الدولية واسعة النطاق التي تستخدم الآن، وتساهم فيها منظمات الأمم المتحدة لعرقلة عودة النازحين, أن تقوم به. لا شك أن عودة النازحين السوريين بقدر ما تنطوي على جانبٍ سياسي هام، وهي مؤشر على تعافي سورية وقطع الطريق على الاتجار في قضية إنسانية تسببت بها الحرب الإرهابية التي شنّت على سورية، فإن فيها جانباً مؤثراً بقوة في عملية إعادة الإعمار. إذ من المعروف أن غالبية السوريين الذين هم في سن العمل، إما أنهم نزحوا خارج سورية، سواءً من كان منهم في سن الخدمة الإلزامية أم في سن الاحتياط، وهذا يعني انه لا يوجد الآن العدد الكافي لإدارة عجلة الإنتاج حتى قبل انطلاق عملية إعادة الإعمار. إن بدء عملية الإعمار يحتاج إلى عشرات، بل مئات ألوف الشباب، كي يتم توفير متطلبات تعزيز قدرات الجيش على المستوى البشري، أو لجهة توفير المطلوب في عملية إعادة الإعمار.

إسهام روسيا ودورها في عودة النازحين يساهم في تعزيز وتوفير الشروط الضرورية لانطلاق عملية إعادة الإعمار.

لا شك أن هذا الدور السياسي النشط الذي لعبته روسيا وقاد إلى انتصار سورية وتحريرها من الإرهاب سيلعب دوراً هاماً في زيادة الالتزام الروسي في سورية في مرحلة ما بعد الحرب، أي في عملية إعادة إعمار سورية لأن روسيا بذلت جهداً كبيراً في مساعي سورية للتغلب على الإرهاب ومن مصلحتها مساعدة سورية كحليف قوي في المنطقة، ولاسيما في ظل رغبة روسيا في العودة إلى لعب الدور الذي قامت به في فترة العهد السوفياتي في المنطقة العربية وفي سورية، على إعادة الإعمار وترسيخ الاستقرار لتكون سورية بموقعها القوي العربي والإقليمي قوة مساندة لروسيا في تحقيق رؤيتها الاستراتيجية في المنطقة وعلى مستوى العالم. عامل ثانٍ يلعب دوراً كبيراً في دفع روسيا للإسهام بقوة وفعالية في عملية إعادة إعمار سورية وترسيخ الاستقرار فيها. هذا العامل يتلخص في مستوى التعاون العسكري القائم بين سورية وروسيا والذي سجّل قفزاتٍ غير مسبوقة منذ اندلاع الحرب الإرهابية على سورية، حيث لم تصل علاقات روسيا ما بعد الاتحاد السوفياتي على المستوى العسكري علاقاتها مع أي دولة أخرى في العالم، بما في ذلك من الدول التي كانت تشكل جزءاً لا يتجزأ من الدولة السوفياتية.

تجلى هذا التطور العسكري بين سورية وروسيا في حدَثين على جانبٍ كبيرٍ من الأهمية سيضمنان التزام روسيا بعملية إعادة إعمار سورية، بما تمثله هذه العملية من ترسيخ الاستقرار وتعزيز دور ومكانة روسيا في الوطن العربي وعلى مستوى الإقليم. الحدث الأول، استحداث وإنشاء القاعدة الجوية في حميميم حيث تم توقيع عقد مدّته خمسون عاماً، وتم توسيع قاعدة طرطوس البحرية التي تشكل رمزاً للعلاقات الروسية السورية يمتد عمره إلى حوالي (40) عاماً، وأيضاً تم تجديد عقد هذه القاعدة والعمل على توسيعها لتكون قاعدةً استراتيجية ومدة هذا العقد خمسون عاماً.

الحدث الثاني الهام والبارز، إرسال روسيا لبعض وحداتها العسكرية للإسهام مع الجيش العربي السوري وحلفائه في الحرب على الإرهاب ابتداءاً من 30 أيلول عام 2015، وكرّس التعاون العسكري بين الجيشين الروسي والسوري مرحلةً غير مسبوقة في العلاقة بين البلدين، ولا مثيل لها لعلاقات روسيا مع أي دولة أخرى بما في ذلك ما يعرف بدول «رابطة الدول المستقلة» التي كانت تضم عدداً من جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابقة.