Get Adobe Flash player

روسيا تفتح هي الأخرى آفاقاً غير مسبوقة في إعادة إعمار سورية ومساعدتها على تنمية اقتصادها، ذلك أن روسيا اليوم هي غير روسيا السوفياتية التي كان اقتصادها مكرساً للعمل الداخلي، ولا يقيم الاتحاد السوفيتي علاقات تجارية واقتصادية مع الخارج حتى مع الدول الحليفة, وكانت الخطط الاقتصادية السوفياتية تركز على إنتاج السلع الزراعية والصناعية، وتسخير قطاع الخدمات لتلبية احتياجات السوق الداخلية فقط. وبهذا المعنى كانت تقتصر العلاقات السورية- السوفياتية على العقود العسكرية ومواد من التبادل التجاري المحدود. اليوم روسيا دولة رأسمالية مثلها مثل الدول الرأسمالية الأخرى، تتطلع لأن تساهم في تطوير علاقات تجارية واستثمارية واقتصادية متنوعة خارج حدودها، وهي أقامت مثل هذه العلاقات مع الدول الغربية، وتسعى لإقامة علاقات مثيلة, وربما أقوى, مع دول أخرى كانت تربطها مع الاتحاد السوفياتي روابط سياسية وعسكرية واقتصادية متعددة مثل سورية والجزائر والعراق وليبيا وكوريا وفنزويلا.

وباتت بنية الاقتصاد الروسي مصممةً لأداء دور اقتصادي على المستوى الدولي، وتلحظ السياسات والاستراتيجيات التي وضعتها الحكومات الروسية منذ وصول الرئيس فلاديمير بوتين إلى الكرملين رغبةً روسيةً في لعب دورٍ كبير على المستوى الاقتصادي والتجاري عالمياً، وأن تنال روسيا حصتها في العولمة. وقد أشارت إلى ذلك جميع الوثائق التي حددت وجهة السياسات العامة الروسية، وكلمات الرئيس الروسي وخطبه بمناسبة حملات انتخابه الرئاسية, أو الكلمات السنوية التي يلقيها عن حال الاتحاد الروسي.

وباتت روسيا اليوم تمتلك آليات اقتصادية واستثمارية للعمل وتنشيط التجارة مع الخارج، ولم تعد حركة التعامل مع الأسواق الخارجية وقفاً على تصدير الأسلحة إلى الدول التي تحتاجها، كما كان الحال في العهد السوفياتي.

روسيا اليوم تستضيف منتديات دولية وإقليمية عديدة للبحث في كيفية تطوير العلاقات التجارية والاقتصادية والاستثمار داخل روسيا وخارجها، ولم تعد السياسات الاقتصادية الروسية محصورة في أطر سياسة محددة، أو وقفاً على الدول الحليفة لروسيا، بل تعدّت ذلك إلى لدول الأخرى، سواء تلك التي تتبنى سياسات غير متطابقة مع السياسة الروسية مثل دول الاتحاد الأوروبي، أو دول أخرى عديدة في القارات الخمس مثل الهند والبرازيل وجنوب أفريقيا، وحتى مع المملكة العربية السعودية، وتلحظ السياسات العامة الروسية ضرورة الفصل قدر الإمكان بين السياسة والاقتصاد، أي تلحظ أن عدم تطابق سياسة روسيا مع سياسات دول عديدة حول عدد من الملفات لا يعني بأي حال عدم السعي إلى تطوير علاقات اقتصادية مع هذه الدول، ولذلك مثلاً تقيم روسيا علاقات تجارية واقتصادية مع تركيا العضو في حلف الناتو، وقادت هذه العلاقات تحت تأثير العامل الجغرافي، أي اقتراب الأسواق الروسية والتركية ومجاورة تركيا لروسيا إلى نشوء علاقات تجارية واسعة، وربط في خطوط الطاقة وتبادل الأفواج السياحية، وكل ذلك ساهم بشكل أو بآخر بخلق علاقات سياسية بين البلدين, باعتبار الاقتصاد قاطرة السياسة, غير متوقعة ولم تعهدها العلاقات التركية- الروسية منذ الحرب العالمية الثانية، كما أن روسيا تسعى لإقامة علاقات تعاون اقتصادي واستثماري مع دول مثل السعودية وقطر، وهما دولتان حليفتان للولايات المتحدة والغرب متخطيةً بذلك الحواجز السياسية، حتى وإن كانت هذه العلاقات لا تزال محصورةً في مجالات ضيقة مثل التنسيق في مجال الطاقة وتحديداً الغاز والنفط كون روسيا دولة كبرى في إنتاج الغاز والنفط ويصعب تجاهلها من قبل السعودية التي كانت تحتل المرتبة الأولى في الإنتاج النفطي، ومن قبل قطر الدولة الأهم في إنتاج الغاز.

أدى دخول روسيا إلى عالم الاقتصاد والتجارة والاستثمار خارج الحدود الروسية إلى تعظيم قدرتها وامتلاك أدوات الإسهام في التجارة والاستثمار على الصعيد العالمي.

وبديهي أن هذا التطور يعزّز قدرات روسيا لأن تكون شريكاً للدولة السورية في عملية إعادة الإعمار، بما يتجاوز وينسجم مع مستوى التعاون العسكري والسياسي القائم بين البلدين، والذي عززته مشاركة روسيا الجيش العربي السوري في مكافحته للإرهاب.

تشكل سورية بلداً مهماً لتعزيز التعاون الاقتصادي في كافة المجالات بالنسبة لروسيا، لما تتمتع به سورية من إمكانات كامنة، وبما لدى روسيا من حوافز لإخراج العلاقات السورية – الروسية من حيّز التعاون العسكري الذي كانت عليه في العهد السوفياتي والتي تعززت في سياق الحرب على الإرهاب، إلى حيّز التعاون الاقتصادي بمجالاته المختلفة، سواء الاستثمار أو التجارة أو التبادل السياحي، إضافةً إلى العقود العسكرية.

وما يجمع سورية وروسيا من روابط، ولاسيما تلك التي نشأت بعد مشاركة روسيا في الحرب على الإرهاب، وتحديداً إقامة قاعدة جوية روسية في حميميم، وتطوير وتعزيز وتوسيع قاعدة طرطوس الموجودة منذ العهد السوفياتي، يرشح العلاقات الروسية – السورية لمسارات تعاون اقتصادي قد لا تتوفر في أي علاقة بين روسيا وأي بلد آخر.

صحيح أن سورية كسوق هي بلد صغير إذ لا يتجاوز عدد سكانها الـ 24 مليون نسمة، وهي دولة غير نفطية، وإجمالي ناتجها الوطني متواضع بالمقارنة مع دول أخرى تقيم علاقات اقتصادية مع روسيا مثل تركيا أو دول الاتحاد الأوروبي، ولكن سورية تحتل مكانةً خاصة ومميزة في علاقاتها الاقتصادية مع روسيا، وتأتي هذه العلاقة من ثلاثة مصادر أساسية، المصدر الأول، عملية إعمار ما هدمته الحرب، حيث أن هذه العملية تتطلب استثمارات واسعة وقدرت كلفة عملية إعادة الإعمار ما بين 250 و400 مليار دولار، وبديهي أن هذا أمر هام ويغري كل الدول التي تسعى إلى الاستثمار والتوظيف الاقتصادي.

المصدر الثاني، أن سورية دولة ذات قدرات كامنة كثيرة، ففي سورية مناطق غنية بمصادر النفط والغاز فيها، ولاسيما في المياه الإقليمية وفي المنطقة الاقتصادية في البحر الأبيض المتوسط، كما أن مناطق مختلفة من سورية في البادية والمنطقة الشرقية وفي محيط دمشق مثل منطقة قارة تم اكتشاف الغاز فيها، إضافةً إلى ذلك سورية دولة فيها الكثير من المعادن، وجميع هذه المجالات يمكن أن تشكل مجالاً لنشاط شركات استثمارية روسية، وهي بدأت فعلاً بذلك ووقعت عقود وباشرت أعمالها.

المصدر الثالث، قوة ومتانة العلاقات السياسية بين روسيا وسورية التي تزيل الكثير من العقبات والعراقيل التي ربما تعترض النشاط الاقتصادي الروسي في دول أخرى.