بديهي أن ذلك ستكون لـه انعكاسات على عملية إعادة إعمار سورية ومستوى مساهمة الصين في هذه العملية، وقبل عرض المجالات التي سوف تساهم الصين بها في فعالية في عملية إعادة الإعمار من المفيد التوقف أمام ما جاء في دراسة أميركية أعدتها مؤسسة «راند» حول الدور المحتمل للصين في عملية إعادة إعمار سورية. يؤكد ما جاء في الدراسة التي نشرت في 15- 2-2019 «أن الصين أظهرت اهتمامها بالفرص الاقتصادية في سورية في مرحلة ما بعد الصراع، والتي يقدرها البنك الدولي بقيمة مذهلة تصل إلى 400 مليار دولار» وتضيف الدراسة «كان هناك 200 شركة صينية حاضرة في معرض دمشق الدولي الستين في أيلول 2018» وحول مجالات الاستثمار المتوقعة من قبل الصين في إطار إعادة إعمار سورية، وإطلاق تنمية مكثفة، تتحدث الدراسة الأميركية عن تعهد الشركات الصينية التي شاركت في المعرض «بالدخول في عقود تتراوح من تصنيع السيارات إلى تطوير المستشفيات المتنقلة». تقول الدراسة الأميركية إن «العقوبات التي تقودها الولايات المتحدة ضد نظام (الرئيس) الأسد، وتناقص النفوذ الغربي في الصراع, يترك الصين دون منافسة تذكر» أي أن الصين التي اعتمدت سياسية تقوم على الاستثمار في الخارج على قاعدة المنفعة المشتركة منذ فترة طويلة، والتي تغطي استثماراتها القارات الخمس، تتجه إلى سورية، والعراقيل التي واجهتها في دول أخرى بسبب النفوذ الأميركي والغربي، لن تجدها في سورية نظراً لتضاءل هذا النفوذ، بل غيابه المطلق نتيجة لسياسة القطيعة التي اعتمدتها الحكومات الغربية. وبديهي أن هذا يشكل فرصة لسورية وللصين يفتح آفاقاً غير مسبوقة في العلاقات الاقتصادية بين البلدين.

تلحظ الدراسة أيضاً مجالاً آخر للإسهام الصيني في عملية إعادة الإعمار، وهذا المجال يكمن فيما أسمته الدراسة الأميركية «إعادة هيكلة الجيش السوري», حيث ستقود هذه العملية إلى «زيادة صادرات الصين من الأسلحة إلى سورية».

تمضي الدراسة الأميركية في لحظ جوانب التعاون بين سورية والصين في عملية إعادة الإعمار وتشير إلى أنه «من المرجح أن تتاح للصين الكثير من الفرص بعد الانسحاب (تقصد الانسحاب الأميركي من سورية)» وتضيف «ستتاح الفرصة لبكين من أجل القيام بدور هام في عملية إعادة الإعمار ما بعد الصراع، في الوقت الذي تقوم المساعدة في إعادة بناء البنية التحتية السورية التي دمرتها الحرب التي دامت قرابة عقد من الزمن» وتضيف «ستتاح الفرصة لبكين من أجل القيام بدور هام في عملية إعادة الإعمار ما بعد الصراع في الوقت الذي تقوم فيه بتعزيز شرعيتها المتنامية كلاعب رئيسي في المنطقة».

أما عن الدوافع الإضافية وغير الاقتصادية التي ستدفع الصين للإسهام النشط في عملية إعادة الإعمار في سورية، وهو الأمر يفتح آفاقاً غير محتملة، وقد لا تكون مقدرة بالمستوى المطلوب من جهات كثيرة، حسب الدراسة الأميركية، عاملين، الأول، اقتصادي- سياسي، تلحظه الدراسة بالقول «إن العديد من الفرص ستصب في مصلحة الاقتصاد الصيني وزيادة نفوذ الصين في المنطقة، بالمقارنة مع الولايات المتحدة»، والعامل الثاني، سياسي إلى حد كبير وهو متعلق بإسهام الصين بمكافحة الإرهاب في سورية، لأن بعض الإرهابيين الناشطين في سورية والأكثر شراسة هم من أصول صينية، ولهذا فإن للصين مصلحة في دعم عملية إعادة الإعمار بعد استئصال الإرهاب لقطع الطريق على احتمال استخدام الإرهابيين من أصول صينية لسورية كقاعدة وملاذ لشن هجمات إرهابية لاحقة في الصين. في هذا السياق تلحظ الدراسة الأميركية أن «الصين لديها أيضاً مصلحة في مكافحة الإرهاب في سورية. إن وجود أعداد كبيرة من الإيغور في سورية، وهم أقلية مسلمة تعيش في إقليم شينغ يانغ في شمال غرب الصين، يشكل مصدر قلق كبير للصين»، وتضيف الدراسة, وبموضوعية وإنصاف نادر في الدراسات الأميركية, «من الأمور التي تثير القلق بشكل خاص احتمال أن يحاول بعض هؤلاء الأفراد في نهاية المطاف العودة إلى ديارهم من الشرق الأوسط لشن هجمات إرهابية على الأراضي الصينية».

ولعل هذا من العوامل الفعلية التي تدفع الصين لتعزيز تعاونها السياسي، وثانياً الاقتصادي مع سورية، لأن هناك مصلحة إضافية تجمع البلدين تتخطى الأعمال الاقتصادية التجارية التقليدية التي باتت تربط الصين مع كل دول العالم، ولاسيما في منطقة طريق الحرير القديم التي تسميها الصين اليوم «الحزام والطريق» حيث تشكل هذه السياسة حجر الرحى الاقتصادية في السياسة الصينية والانفتاح الاقتصادي على العالم، وتحديداً على منطقتنا وسورية في قلب هذه المنطقة. وحول الترابط بين وجود إرهابيين من أصول صينية وإعادة إعمار سورية، وسياسة «الحزام والطريق» تلحظ الدراسة الأميركية «قتل مواطنون صينيون في هجمات في مالي وتايلاند وباكستان» وعن علاقات الإرهابيين من أصول صينية بهذه الهجمات وهم الذين ينشطون الآن في سورية, تؤكد الدراسة الأميركية أن «الحزب الإسلامي التركستاني (الذي ينتمي إليه الإرهابيون من أصول صينية العاملين في سورية) أعلن مسؤوليته عن الهجوم على سفارة الصين في بيشكيك في قرغيزستان في عام 2016» وتخلص الدراسة الأميركية ملخصةً أهمية هذا العامل في تحفيز سياسة الصين الداعمة لسورية سياسياً، وفي عملية إعادة الإعمار بالقول «تشكل عودة المقاتلين الأجانب تهديداً لأمن الصين الداخلي، حيث يمكن لهؤلاء الذين ما زالوا في الخارج استهداف مبادرة الحزام والطريق».

في ضوء هذين العاملين تخلص الدراسة الأميركية إلى «توقع السيطرة على البينة التحتية الحيوية والتأثير السياسي الهام» وتضيف «في منتدى التعاون الصيني- العربي في تموز 2018 تعهدت الصين بتقديم 20 مليار دولار كقروض للدول العربية وحوالي 100 مليون دولار من المساعدات الإنسانية إلى سورية واليمن»، كما أعلنت شركة هواوي التزامها بإعادة تطوير شبكة الاتصالات السورية بالكامل وتلحظ الدراسة مجالات أخرى للتعاون الاقتصادي السوري- الصيني من مثل رغبة الصين «تعزيز ممرها الاقتصادي العابر للحدود بضم ميناء طرطوس السوري ودمشق إلى مبادرة الحزام والطريق»، بل أكثر من ذلك تتوقع الدراسة الأميركية أن تكون المشاركة الصينية في عملية إعادة إعمار سورية بديلاً للمشاركة الخليجية «يمكن (للرئيس) الأسد أن يرى بكين بديلاً منفضلاً عن تمويل دول الخليج لإعادة الأعمار».

لا شك أن كل ما تحدثت عنه مؤسسة «راند» حول آفاق العلاقات السورية- الصينية في عملية إعادة الإعمار، قد يكون فيه بعض المبالغة من ناحية التقدير السياسي أو الدوافع السياسية، ولكنه من الناحية الاقتصادية يعبر تعبيراً دقيقاً عن أفق الدور الصيني في عملية إعادة إعمار سورية، لأسباب كامنة بالأساس بالمصلحة والفائدة المشتركة التي تجنيها دمشق وبكين، والحسابات السياسية التي لحظتها الدراسة الأميركية قد تعزز من اندفاع المشاركة الصينية في عملية إعادة إعمار سورية التي هي بالأساس تأتي في سياق تحقيق المصالح المشتركة للبلدين.