Get Adobe Flash player

هذه المتغيرات تفتح آفاق جديدة من شأنها أن تشكل قوة دفع غير مسبوقة لعملية إعادة بناء سورية وإعمار ما هدمته الحرب. وفتح أفق جديد للتنمية حرمت منه سورية والعراق بفعل القطيعة السياسية التي استمرت منذ نشوء الدولة الوطنية بعد سقوط السلطنة العثمانية.

لكن أين تكمن آفاق هذه العلاقة الواعدة، وهل هي أقرب إلى التمنيات منها إلى الواقع الفعلي، وهل تسمح التوازنات الإقليمية والدولية وداخل العراق للعمل وفق ما يفرضه منطق العلاقات بين البلدين وما يختزنه من عوامل قوة تصب في مصلحة البلدين؟

لا شك أن عوامل القوة والمصلحة المشتركة التي تنعكس إيجاباً من الناحية الاقتصادية والتجارية على العلاقة بين البلدين تكمن في محاور العمل الآتية:

أولاً، عودة قوية لنقل النفط العراقي عبر سورية. واضح أن العوامل التي حالت خلال أكثر من أربعة عقود دون نقل النفط العراقي عبر سورية إلى موانئ البحر الأبيض المتوسط قد زالت، ومن أهم هذه العوامل القطيعة السياسية التي كانت قائمة بين سورية والعراق والتي وصلت إلى إغلاق الحدود بشكل كامل بين البلدين لسنوات طويلة.

اليوم انتهت هذه القطيعة، وليس من المنتظر عودتها في وقت قريب، وحتى لو كان هناك اختلاف في طبيعة الأنظمة وتحالفات كلا البلدين، فإن قيام علاقات شبيهة بالعلاقات القائمة الآن والتي كانت في الماضي بين سورية والأردن هو الاحتمال المرجح لعقود مستقبلية طويلة، هذا إذا لم تكن العلاقات أكثر حميمية بين سورية والعراق بالمقارنة مع الأردن نظراً لطبيعة النظام العراقي الجديد، وتوازن القوى داخل العراق بين القوى والأحزاب والكتل المؤيدة للغرب والأحزاب والقوى والكتل المقربة من إيران، ومعروف أن هناك علاقات إيجابية تربط بين سورية وإيران تمتد لأربعة عقود وهي عمر الثورة في إيران.

إضافة إلى زوال القطيعة السياسية هناك دوافع اقتصادية قائمة على مبدأ المصلحة المشتركة تدفق دمشق وبغداد للعودة إلى إحياء خطوط نقل نفط العراق عبر سورية، ذلك أن تصدير نفط العراق عبر سورية إلى أوروبا يقلل من كلفته ويسهل انسيابه إلى الأسواق الخارجية بينما التصدير، سواء عن طريق تركيا أو عن طريق ميناء البصرة، دونه تعقيدات وكلفته أعلى، وبالتالي سورية تشكل قوة جذب من الناحية الاقتصادية وللعراق مصلحة حيوية في إعادة إحياء وتشغيل خطوط نقل النفط عبر سورية.

سورية أيضاً لديها مصلحة في ذلك، إذ من المعروف إن إنتاج سورية من النفط حتى الآن هو أدنى من أن يسد احتياجات الاستهلاك المحلي، وبالتالي فإن مرور نفط العراق عبر سورية من شأنه أولاً، أن يشغل مصافي بانياس وحمص بأقصى طاقتها، ومن شأنه ثانياً أن يغطي العجز، ويوفر احتياجات الاستهلاك المحلي، ويغني ثالثاً الدولة السورية عن استيراد نفط خام أو مكرر من الخارج مع ما يترتب على ذلك من نزيف للعملة الصعبة، سورية بأمس الحاجة إليه في مرحلة إعادة الإعمار وفي ظل الحصار الاقتصادي والعقوبات التي تتعرض لها سورية. إذن عودة استئناف نقل نفط العراق عبر سورية مصلحة مشتركة سورية – عراقية، مصلحة كانت قائمة منذ اكتشاف النفط في العراق، وليس صدفة أن خطوط نقل نفط العراق عبر سورية كانت منذ نهاية عقد الأربعينيات من القرن الماضي واستمرت حتى القطيعة السياسية بين البلدين، ولم يتمكن العراق من العثور على بدائل توازي أهميتها أهمية سورية.

ثانياً، التشبيك والربط الكهربائي. يجري الحديث اليوم عن أهمية هذا العامل في التعاون بين الدول المتجاورة لاستفادة هذه الدول من المزايا المتنوعة والمتكاملة فيما بينها . بعض الدولة تملك القدرة على إنتاج الكهرباء بكلفة اقل، وبعضها تحتاج إلى هذه الكهرباء لتوفير الكثير من الموارد عبر التعاون مع الدول المنتجة بيسر وكلفة أقل، وإقامة ربط بين الدول هي التي تحل هذه المشاكل، لذلك مثلاً نجد أنه بين الولايات المتحدة وكندا تمت إقامة عملية الربط هذه، علماً أن كلا الدولتين لديهما القدرات المالية والعلمية لإنتاج الكهرباء بما يغطي حاجاتهما بشكل منفرد، ولكن لأن التعاون والربط المشترك من شأنه أن يقلل من كلفة إنتاج الكهرباء لجأت هذه الدول إلى التعاون فيما بينها، وسورية والعراق يحتاجان إلى مثل هذا التعاون، وهناك مشاريع وتصورات كثيرة لدى القطاعين العام والخاص في البلدين تتحدث عن أهمية مثل هذا التعاون.

ثالثاً، إحياء طريق الحرير. معروف أن سورية تطل على البحر الأبيض المتوسط، ومعروف أن سورية هي المدخل البري نحو آسيا عبر العراق وإيران ومنها إلى آسيا الوسطى وإلى الهند والصين وجنوب شرق آسيا. «طريق الحرير» الجديد يمكن أن يتضمن إضافة إلى الطريق البري الذي اعتمد تاريخياً، ولكن يمكن رفده وتعزيزه بسكك الحديد. قد تبدو هذه مشاريع طموحة لكنها واقعية. في سورية هناك شبكة سكك حديد تصل إلى حدود العراق، ولكن القطيعة السياسية حالت في السابق دون وجود ربط لهذه الشبكة بين البلدين، وفي العراق وإيران وجود شبكة على مستوى كل بلد، المطلوب ربط الشبكات الإقليمية وبين الدول المتجاورة بحيث يتشكل من عملية الربط شبكة تربط سورية على البحر الأبيض المتوسط بباكستان والهند وآسيا الصغرى. ومعروف أن ثقل التجارة الدولية يعود من جديد إلى هذه المنطقة، وبالتالي عودة إحياء طريق الحرير، ولكن هذه المرة بشكل مركب، أي طرق برية وسكك حديد، أمر هام بالنسبة للتجارة الدولية وبالنسبة لسورية والعراق، والأرجح أن تنفيذ بعض مراحل هذه العملية سيتم في غضون فترة إعادة البناء وإعمار سورية، وبالتالي من شأنها أن تفتح آفاقاً كانت غائبة لعقود وربما قرون.

رابعاً، تعظيم التبادل التجاري بين سورية والعراق. معروف أن سورية تنتج بضائع غير موجودة في العراق، سواء كانت هذه البضائع منتجات زراعية أو صناعية، والعراق لديه منتجات غير موجودة في سورية أو على الأقل بحجم يكفي الاحتياجات الداخلية مثل التمور على سبيل المثال, واضح أن ثمة تكامل بين البلدين، ولكن القطيعة السياسية الكاملة في السابق حالت دون استثمار وتوظيف هذا التكامل من خلال تعاون تجاري بين البلدين يعزز الميزان التجاري بينهما، ولكن الظروف التي عرقلت ذلك زالت الآن، والمطلوب رفع التبادل التجاري إلى المستوى الذي يتناسب مع طاقات وقدرات البلدين التجارية.

خامساً، إقامة مشاريع مشتركة ومناطق حرة مشتركة عند الحدود على غرار ما كان قائماً مع الأردن. العراق وسورية يمتلكان القدرات لجهة الرأسمال والموارد الأولية والقدرات الفنية على إقامة مثل هذه المناطق التي ستعود بالنفع على البلدين، ويكون لها انعكاسات إيجابية على مستويات مختلفة، ولاسيما على المستوى الاقتصادي والاجتماعي، وتحديداً لجهة امتصاص البطالة في المناطق القريبة من الحدود، إضافة إلى تعزيز المصالح المشتركة التي من شأنها أن تلعب دوراً مهماً في تعزيز العلاقات على المستوى السياسي.

يمكن إطلاق مثل هذه المشاريع أثناء عملية إعادة بناء سورية وإعمار ما هدمته الحرب، حيث تتوفر إمكانية ذلك لتعزيز وجود الدولتين السورية والعراقية على جانبي الحدود.