Get Adobe Flash player

 

في إطار رصد آفاق إعادة بناء سورية وإعمار ما هدّمته الحرب، وإعطاء دفعة قوية لعميلة التنمية، يمكن الإشارة إلى أن العلاقات الاقتصادية والتجارية بين سورية والعراق يمكنها أن تلعب دوراً مهماً، غاب لفترةٍ تزيد على خمسة عقود.

العراق اليوم دولة مهمة من الناحية الاقتصادية، لأن العراق يمثل الدولة الثانية بعد المملكة العربية السعودية في امتلاك احتياطات نفطية، وموازنة العراق تجاوزت المائة مليار دولار سنوياً، كما أن العراق اليوم لا تحتكر فيه الدولة النشاط الاقتصادي، بل إن هناك قطاعاً خاصاً هاماً وكبيراً.

في فترة سابقة، وتحديداً بعد قيام ثورة 14 تموز في العراق، وقيام الجمهورية العربية المتحدة بين سورية ومصر، ظل ثقل الإدارة الاقتصادية في سورية والعراق بأيدي القطاع العام. وبديهي عندما تكون الدولة مستحوذة على النشاط الاقتصادي فإن العلاقات الاقتصادية والتجارية بين البلدين ستكون مرتبطة ومرهونة بمستوى تطور العلاقات السياسية بين البلدين. ومنذ خمسة عقود تدهورت العلاقات الاقتصادية بين سورية والعراق ووصلت إلى مستوى بات أقرب إلى القطيعة الاقتصادية منه إلى أي شيءٍ آخر، وقاد تدهور العلاقات السياسية ليس فقط إلى توقف التبادل التجاري بين البلدين وحسب، بل وأيضاً إلى تأثر العامل الجيواقتصادي بهذا التدهور السياسي، وقضى على ما كان من شراكات بين سورية والعراق، وأهم هذه الشركات نقل نفط العراق إلى موانئ البحر الأبيض المتوسط عبر سورية، وهي ميزة لا يحوز عليها أي بلد لـه حدود مشتركة مع العراق، لأن أقصر الطرق لنقل نفط العراق إلى أوروبا هو سورية، ولكن التدهور الحاد في العلاقات السياسية بين البلدين طيلة العقود الخمسة الماضية قاد إلى قطيعةٍ مكلفة اقتصادياً بين البلدين، بما في ذلك توقف تدفق نفط العراق إلى موانئ البحر الأبيض المتوسط عبر سورية.

اليوم تغيّرت الظروف والأوضاع، ويمكن أن يكون هذا التغيير جذرياً، وربما غير مسبوق بتاريخ العلاقات منذ نشوء الدولتين السورية والعراقية، وبديهي أن تغيّر الظروف والأوضاع ستكون لـه تداعيات وانعكاسات جديدة على الأوضاع الاقتصادية والتجارية بين البلدين.

يمكن رصد التغيير الذي طال الأوضاع على مستويين رئيسين: المستوى الأول، القطيعة المطلقة على المستوى السياسي بين البلدين قد زالت، ولا يلوح في الأفق المنظور احتمال عودتها إلى التدهور الذي كانت عليه في العقود الخمسة الماضية، على الأقل من الصعب توقع احتمال عودة هذا التدهور في الوقت الذي يتزامن مع البدء بتنفيذ خطط إعادة إعمار وبناء سورية، وهي الفترة المرشحة لحصول شراكات تعاون اقتصادية وتجارية سيكون لها تأثير لا يمكن التقليل من أهميته على عملية إعادة الإعمار.

صحيح أن الحضور الأميركي والغربي لا يزال حضوراً مؤثراً على صناعة القرار في بغداد، وفي غالب الأحيان يؤثر على خطوات الحكومات العراقية المتعلقة بسورية، ولكن الصحيح أيضاً أن هذا الحضور لم يعد بالقوة التي كان عليها قبل عام 2011، ومنذ شنت الحرب الإرهابية على سورية التي أعقبتها حرب إرهابية جديدة على العراق، باتت مواقف الحكومات العراقية متفهمة أكثر لمواقف سورية وسياساتها، ولذلك لم تتناغم السياسة العراقية مع السياسات العربية التي وقفت ضد سورية ودعمت الحرب الإرهابية وشاركت في الحصار المفروض عليها، وثمة وجود راسخ لقوى سياسية داخل العراق ذات تأييد شعبي وازن حليفة لإيران، وبالتالي حليفة لسورية الشريك الاستراتيجي لإيران في الحرب على الإرهاب، وفي مواجهة خطط الهيمنة ومحاولات سلب استقلالية القرار الوطني. ورهان الولايات المتحدة على إحكام قبضتها على العراق وتوجيه السياسات العراقية لمصحتها بصورة مطلقة رهان لا أفق لـه على الإطلاق واحتمالات دحر النفوذ الأميركي من العراق، هي أقوى من احتمال ترسيخه، وبالتالي فإن كل ذلك من شأنه أن يزيد من التلاحم السياسي بين سورية والعراق، وسوف يشكل هذا التلاحم السياسي، لاسيما في ضوء ما يجمع بين سورية والعراق، إن لجهة مكافحة خطر الإرهاب واحتمالات عودته المدعوم من الولايات المتحدة وبعض حكومات المنطقة، أو لجهة العلاقات المشتركة مع إيران رافعةً مهمة لنشوء تعاون اقتصادي وتجاري يرتقي بالعلاقة بين سورية والعراق إلى مستوى لم تشهده العلاقة بين البلدين منذ ولادة الدولة القطْرية بعد دحر السلطنة العثمانية، لأن القطيعة السياسية بين البلدين حرمتهما بالسابق من الاستفادة من تنوعهما وتكاملهما الذي كان ينبغي أن يوظف لمصلحة إقامة علاقات اقتصادية وتجارية هامة تتناسب وحجم الإمكانات الموضوعية الكامنة لدى البلدين.

المستوى الثاني، انتقال ثقل العمل الاقتصادي من القطاع العام إلى القطاع الخاص في كل من سورية والعراق، حتى و إن كان ذلك بشكلٍ متفاوت. وعندما يكون ثقل الحركة الاقتصادية والتجارية بأيدي القطاع الخاص، فإن ذلك سيقود إلى توفر ميزتين إيجابيتين، الميزة الأولى، إضعاف تأثير التوترات السياسية بين الدولتين، في حال حصولها، على العلاقات الاقتصادية والتجارية، وثمة دلائل كثيرة تدعم هذا الاستنتاج، مثلاً العلاقات السياسية بين سورية والأردن لم تكن في أي لحظة من اللحظات علاقات تعكس تفاهماً وتعاوناً سياسياً مشتركاً بفعل رؤية وتحالفات كل من سورية والأردن، ولكن وعلى الرغم مما مرت به العلاقات السورية الأردنية في فترات سابقة من توتر، إلا أن الحركة التجارية والاقتصادية بين البلدين لم تنقطع على غرار ما كان عليه الحال بين سورية والعراق، ومع تركيا أيضاً وهي جار لسورية، ولكنها جار غير عربي، وعلى الرغم أيضاً مما شاب العلاقة بينهما من توتر سياسي، إلا أن العلاقات الاقتصادية والتجارية استمرت حتى عام 2011، وكانت علاقات أكثر قوة من العلاقات بين سورية والعراق، ولم تكن هناك قطيعة، ويعود ذلك في جزء منه إلى دينامية ودور القطاع الخاص في سورية والأردن وتركيا.