Get Adobe Flash player

إضافة إلى ذلك إن أفق بيئة الاستثمار في سورية والإسهام في إعادة الإعمار تتاح أمامه فرص جديدة ناجمة عن الحرب التدميرية التي شنت على سورية طيلة ثمانِ سنوات، وبفعل الحصار الاقتصادي المحكم الذي تمارسه الحكومات الغربية الذي لم يكن موجوداً قبل عام 2011، مثال على ذلك العلاقات الاقتصادية السورية – الإيرانية التي ظلت أربعة عقود غائبة تماماً ولكن ضغط ظروف الحرب والعقوبات والحصار الاقتصادي المفروض على سورية وإيران شكّل حافزاً لإقامة شراكة اقتصادية استراتيجية بين البلدين لتعزيز وتعميق الشراكة الاستراتيجية السياسية والعسكرية المستمرة منذ أكثر من أربعة عقود.

إذ وقعت سورية وإيران (11) اتفاقية ومذكرة تفاهم خلال الاجتماعات التي عقدتها اللجنة العليا السورية- الإيرانية المشتركة في دمشق. وتندرج جميع هذه الاتفاقات في إطار تعزيز التعاون الاقتصادي بين البلدين والارتقاء به. وتضمنت حزمة الاتفاقات مذكرة تفاهم بين وزارة الاقتصاد والتجارة الخارجية ووزارة الصناعة والمناجم والتجارة في إيران, ووقع الجانبان مذكرة تفاهم بين المؤسسة العامة للخطوط الحديدية السورية والخطوط الحديدية الإيرانية، ومذكرة تفاهم في مجال الأشغال العامة والإسكان، ومذكرة تفاهم للتعاون في مجال الترويج للاستثمار بين هيئة الاستثمار السورية ومنظمة الاستثمار والمساعدات الفنية والاقتصادية الإيرانية. كما تم التوقيع على مذكرة تفاهم في مجال الجيوماتيك بين الهيئة العامة للاستشعار عن بعد في الجمهورية العربية السورية ومنظمة الجغرافية في الجمهورية الإيرانية، ومذكرة تفاهم للتعاون السينمائي بين المؤسسة العامة للسينما في سورية والمنظمة السينمائية السمعية والبصرية في إيران، ومذكرة تفاهم بين هيئة مكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب في سورية ووحدة التمويلات المالية في إيران بشأن التعاون وتبادل المعلومات المرتبطة بغسيل الأموال وتمويل الإرهاب. كما تم التوقيع على البرنامج التنفيذي للتعاون الثقافي.

من المعروف أنه منذ انتصار الثورة الإيرانية وسقوط نظام الشاه، نشأت علاقات تعاون وطيدة بين سورية وإيران قائمة على قاسمين مشتركين يجمعان بين البلدين هما موقفهما من الكيان الصهيوني، وسياسة الهيمنة التي تعتمدها الحكومات الغربية، ولاسيما الولايات المتحدة. وعلى الرغم من ثبات علاقات التعاون في المجالات السياسية وحتى العسكرية على امتداد أربعة عقود هي عمر الجمهورية الإيرانية، إلا أن العلاقات بين البلدين على المستوى الاقتصادي، لم تكن ضعيفة وحسب ولا تتناسب مع عمق ما يربط بينهما على الصعيدين السياسي والعسكري, بل كانت معدومة بشكل كامل، وعكس الميزان التجاري بين سورية وإيران هذا المستوى المفزع لجهة غياب التعاون الاقتصادي.

من نافل القول إن العوامل السياسية تخلق أرضيةً مشتركة للتعاون بين الدول، ولكنها لا ترسخ هذا التعاون، ولا تحوله إلى مصالح مشتركة تدفع بشرائح واسعة من المجتمع للتمسك بهذا المستوى المتقدم من التعاون والحفاظ عليه، وحدها الشراكة الاقتصادية وما تولده من مصلحة مشتركة هي أكبر مما يجمع بين المسؤولين بين البلدين على المستوى السياسي التي تنقل العلاقات بين دولتين من مجرد تعاون سياسي فرضته حاجات الطرفين، إلى علاقة استراتيجية قائمة على المصالح المشتركة للبلدين.

الاتفاقات الموقعة الآن بين سورية وإيران تستدرك هذا الخلل التاريخي الذي شاب العلاقات الإيرانية – السورية منذ قيام الجمهورية في إيران وسقوط نظام الشاه.

الواضح أن بلوغ هذا المستوى من التعاون وشموله المجال الاقتصادي ما كان ليحدث لولا اشتداد الضغوط والحصار من قبل الحكومات الغربية وحكومات المنطقة التي تدور في فلك النفوذ الغربي. فحكومات إيران وسورية كانت قبل هذه الفترة تولي أهميةً أكبر لعلاقاتها التجارية مع الغرب نظراً لما يتمتع به الغرب من خبرات اقتصادية ومستوىً متقدم من التكنولوجيا.

مما لا شك فيه أن أي دولة في العالم ليس من مصلحتها إدارة ظهرها للدول المتقدمة من ناحية التعاون الاقتصادي, لكن من المعروف أن الحكومات الغربية تستخدم الاقتصاد والتعاون الاقتصادي كسلاح لفرض هيمنتها وإقامة علاقات قائمة على التبعية. لم يأخذ هذا العامل بعين الاعتبار بالقوة اللازمة من قبل سورية وإيران واستمرت الرهانات على علاقات واسعة مع الغرب تجارياً واقتصادياً، لكن إصرار الحكومات الغربية على استخدام السلاح الاقتصادي ضد سورية وإيران وفرض عقوبات شديدة عليهما أرغمهما على تدارك الخلل الذي ساد العلاقات         السورية – الإيرانية طيلة أربعة عقود، وكانت هذه الاتفاقات، وربما يصار إلى توقيع المزيد في المستقبل.

لا شك أن هذه الاتفاقات التي تكرس تعاوناً اقتصادياً واسع النطاق لأول مرة، يفتح آفاقاً أرحب أمام عملية إعادة بناء سورية وإعمار ما هدمته الحرب، حيث يمكن لسورية أن تستفيد من خبرات إيران الاقتصادية والتقنية ومن قدراتها الاستثمارية على نحو لم يكن متوفراً قبل الحرب الإرهابية التي شنت على سورية، حيث كان الاستثمار الخارجي في أدنى مستوى له في سورية، سواء كان استثماراً عربياً أو دولياً، وفي غالب الأوقات فإن مواقف سورية المتمسكة باستقلالية قرارها الوطني، دفعت الحكومات الغربية ودول المنطقة التي تدور في فلكها إلى عرقلة خطط التنمية في سورية، وإذا كانت الدولة السورية استطاعت في فترة ما قبل الحرب مواجهة التحديات الناجمة عن الحصار الاقتصادي والتضييق على سورية وشل قدرتها على إطلاق تنمية واسعة تلبي طموحات شعبها، وبالتالي اعتماد تنمية بوتيرة أدنى ولكنها تعتمد على القدرات الذاتية، فإن مرحلة إعادة البناء والإعمار بعد هذه الحرب المدمرة يضع سورية في وضع أصعب إذا لم تكن هناك مساهمة فعالة من دول صديقة وحليفة لسورية للتعويض عن الخسائر الناجمة عن العقوبات والحصار الاقتصادي، ونقص القدرات الذاتية بسبب الدمار الشامل، ولاسيما الدمار الذي لحق بالاقتصاد السوري جراء الحرب الإرهابية، حيث قدرت مصادر متعددة أن إجمالي الناتج السوري تراجع بنسبة 70% جراء هذه الحرب المدمرة.

لا شك أن الاتفاقات الموقعة بين سورية وإيران في المجال الاقتصادي، شأنها شأن التفاهمات المبدئية التي تم التوصل إليها في دولة الإمارات العربية بين وفد غرف التجارة والصناعة بين البلدين، تفيد بأن أفق عملية إعادة الإعمار في سورية أفق واعد، وإذا كانت المساهمات العربية قد يطالها بعض التأخير أو التلكؤ جراء ضغوط الحكومات الغربية على الحكومات العربية، ودفع هذه الحكومات لعرقلة أي اندفاعة نحو الاستثمار والمشاركة في عملية إعادة الإعمار, وربط هذه المشاركة بشروط سياسية مرفوضة من قبل الدولة السورية، فإن الأمر لا ينطبق على الاتفاقات الموقعة بين إيران وسورية لأسباب كثيرة منها الاحتياج الاقتصادي المتبادل بين البلدين، ومنها أيضاً علاقات التعاون الاستراتيجي على المستويين العسكري والسياسي التي تمتد لأربعة عقود.

صحيح أن إيران تعاني من حصار وعقوبات اقتصادية، ولكن إيران لم تتعرض ولا تواجه تحديات من نمط ما تعرضت له سورية في السنوات الثماني الماضية، وما خلفته الحرب الإرهابية من دمار واسع، ولهذا لدى إيران، الدولة والقطاع الخاص، قدرات استثمارية ومصلحة تجارية واقتصادية تحتاج إلى توظيفها في سورية في مجالات شتى مرتبطة بعملية إعادة الإعمار، مثل قطاع الكهرباء، وقطاع الإسكان، وبناء سكك الحديد، والإنشاءات الطرقية، وتصنيع السيارات، سيما وأن هناك تجربة تعاون مشتركة بين البلدين تعود إلى فترة ما قبل الحرب.

كل ذلك يؤكد على أمرين هامين في عملية إعادة إعمار سورية وإطلاق مسيرة تنمية جديدة، الأمر الأول، يتعلق بتوفر موارد وخبرات إضافية لم تكن موظفة في المجال الاقتصادي السوري، والأمر الثاني، توسيع أفق عملية إعادة الإعمار وبناء سورية جديدة تليق بطموحات وآمال شعبها وتتناسب مع مستوى التضحيات التي قدمها الجيش السوري والشعب السوري على قاعدة تعاون مشترك يقوم على الندية والسيادة الوطنية وتكافؤ المصالح والمصلحة المشتركة.